الخريف العربي…والربيع الطائفي

إن ما يجري في بلدان الربيع العربي هو أكبر عملية تدمير حضاري واضطهاد ذاتي عرفتها البشرية على الأقل في مرحلة الثقافة: مرحلة الدولة والمجتمع تحت ذريعة البحث عن الديمقراطية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية لكن النتيجة كانت عكسية إذ اتضح فيما بعد أن الثورة بمفهومها العربي على الأقل هي مجرد إثارة للحنين التلقائي المكبوت داخلنا والمتطلع إلى إحياء مرحلة البربرية التي يبدو أنها تورث عبر العصور، وتهييج لعقد العنف “القابلية” المدفونة داخلنا، أم أن ما يحدث هو تصور جديد للحضارة المراد إعادة بناؤها في الألفية الثالثة والقائمة على الدعوة إلى التشتت والتقزيم للدول وزرع الفردانية والأنانية والشخصانية في أفراد المجتمع، مما أفرز أشكالا جديدة من العنف والكراهية والإقصاء كدليل واضح على وجود قلق حضاري وانحطاط مجتمعي. فإذا كان الهدم الذي يسمى بناء عند متزعمي تيارات العودة للوراء والمتعطشين لإزهاق الأرواح قد استغرق كل هذه الخسائر المادية والبشرية، فكيف ستكون مرحلة البناء الحقيقي؟ وكم ستستغرق هي الأخرى من المال والدماء؟ ولعل نظرية التطور الخلدونية المتعلقة بالأمم صالحة في كل زمان ومكان بل قد آن أوانها لتنتقل من مجرد نظرية لتصبح حقيقة مطابقة وملامسة لواقع مجتمعاتنا العربية . ولو كان ابن خلدون حيا لعدلها وطورها لكي لاتنحصر فكرة الانحطاط في الطبقة الحاكمة فقط لتشمل كذلك الطبقة المحكومة، أي المجتمع بشكله العام .
إن ما يقع من أحداث مأساوية بين بشكل جلي أن الدول العربية في القرن الواحد والعشرين ما هي إلا قبائل وعصبيات تحولت فيما بعد مرحلة الزعيم الكارزماتي إلى نموذج جديد لعصر ملوك الطوائف، مما يدفعني حقا إلى التساؤل إن كان استقرار المجتمعات العربية رهين بوجود سلطة ذات قبضة حديدية . كما أن التطاحنات العربية الداخلية تبين أننا لم نتخلص بعد من إرهاصات حالة الطبيعة الهمجية، مما سي
عرقل انتقالنا السلس إلى مرحلة الثقافة والتعاقد الحقيقي الكفيل بإنهاء الخلاف بين القبائل المختلفة من خلال توحيد أفكارهم في نسق متجانس وتفويض تدبير شؤونهم لمن تم التعاقد عليه، وهذا بعيد المنال مادامت ساحة المواجهات تبين أن العقلية العربية عقلية مزاجية، متقلبة وغير مستقرة، إذ تبدو ظاهريا في بحث مضن عن كيفية إرساء دعائم الديمقراطية المرجوة، وباطنيا لا تعترف بنتائج الإقتراعات، الانتخابات والشرعية لرأي الأغلبية، إنها مجرد مفاهيم مجردة وفضفاضة غير قابلة للتنزيل حاليا مما يؤكد بأن العقل العربي عقل انفصامي مناقض لذاته.
إن أساس المشكل البنيوي الذي يحول دون تقدمنا خطوة واحدة نحو الأمام، هو مشكل تواصلي صرف سببه سيطرة بنيات عقليات سلبية رافضة للتغيير ومقاومة للتجديد. ذلك لأن العقل العربي ظل حبيس ذاته غير منفتح مخافة أن يجتث ويقتلع من جذوره وما زاد من حدة وتأزم هذا المشكل التواصلي – الحواري، هو تمسكنا الأعمى بأفكارنا وإيماننا المطلق بإيديولوجياتنا ، مما يؤدي إلى إغلاق باب الحوار و إحداث شرخ وهوة كبيرة بين الأنا والآخر الذي تم تجاهله، مع العلم أن الحوار يؤِدي إلى الانفتاح والتأثير والتأثر، وهذا ما يرفضه كل دوغمائي متعصب لرأيه، الشيء الذي يولد الطائفية ،الانغلاق الفكري والإقصاء المتعمد والقصدي، بل أكثر من ذلك تسعى الطوائف داخل مجتمعات ما يعرف بالثورة إلى تنميط الأفراد حسب التوجه المرغوب فيه والمراد نشره، وأي رفض يعتبر خروجا عن المألوف فإما أن يكون الآخر متفقا مع الأنا أو يعتبر ندا وخصما له، فلا مجال ليكون مختلفا معه .
أمام هذا النوع من اللاعتراف بين وداخل مجتمعاتنا العربية، يسعى كل طرف إلى فرض ماهيته وتجسيد سلطته لإثبات وجوده للأخر، على اعتبار أن الحاجة إلى إثبات الذات من الحاجات النفسية الملحة. لكن استمرار كل طرف في نهج حالة الصد والإبعاد هو ما يدفع الطرف الآخر إلى سلك طريقة مختصرة لبسط سيطرته على الساحة السياسية، وذلك بلجوئه إلى العنف والتحالف الطائفي بمعناه الأوسع، على عكس المجتمعات الغربية الثقافية التي تذوقت حلاوة الاختلاف وجنت ثمار تقدمها منه على اعتباره وجها مكملا ونقديا لتدارك قصور الأنا وعجزه من خلال تحكيم العقل ومقارنة الأفكار بالأفكار، أما نحن العرب فنواجه الأفكار والمعتقدات بقوة السلاح، خاصة وأن الثورة أزاحت ظاهريا رموز الفساد وأشعلت الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات القبلية والطائفية الضيقة، ليصبح الإنسان العربي ذئبا لأخيه العربي.
إن هذا المشهد الدرامي من هذا المسلسل الهوليودي الطويل، سيجعل من قضية فلسطين قضية منسية على الرفوف في قاعة الانتظار – كالعادة – ولعقود عدة.




الاستاذ نور الدين الاستاذ كاتب المقال ليس علمانيا لكن اقرا ما بين السطور فما يريد الكاتب قوله هو أن الدين مبادئ وليس ممارسة سياسية أعد ترتيب أوراقك ام السي عبد السلام فهو براء من العلمانية
المشكل أعمق مما ذكر الكاتب .. لقد حاول الكاتب أن يمرر الرسائل ذاتها التي يسعى إليها العلمانيون , علما أنها صارت مقولات مكرورة و بالتالي لا تؤتي نتائجها .. و إني لأعجب لمن يبحث في حركت تاريخ أمته المعاصر بآليات تفكير خارج المجال المعرفي و القيمي و الديني لهذه الأمة .. لقد آن الأوان لأن نعترف أن الفكر العلماني الذي يصب جام غضبه و أخطائه على ” العقل العربي ” ” العقيدة المطلقة ” .. إلخ قد فشل فشلا ذريعا في التحليل و الممارسة .. منذ الإستقلال المزعوم من شكل أحيانا باللين و مرات بالعنف عقلية إنسانا المعاصر ؟؟ أليس الفكر العلماني المتمثل في الحكومات ؟؟
و إن من يحلل مظاهر الثورات العربية المعاصرة بدون وعي بالأبعاد الدينية و الدولية فهو واهم .
إذن من الخير و العقل و التحليل العلمي أن ننظر للمسألة نظرة شمولية تأخذ بالإعتبار البعد الديني , التاريخي , الدولي و مختلف روافد هذه الأبعاد .