إعلام القرب بين غياب الاعتراف وضرورة الحماية

رفيق التازي
يشكّل إعلام القرب اليوم واحداً من أهم الروافد الحيوية في المشهد الإعلامي المغربي، لأنه الأقرب إلى المواطن والأقدر على نقل تفاصيل حياته اليومية. فالمتابع المحلي لا يبحث دائماً عن التحليلات السياسية الكبرى أو العناوين البراقة، بل يريد معرفة ما يجري في حيه، في مدينته، في مدرسته ومستشفاه. وهنا بالضبط يبرز الدور المركزي لإعلام القرب، الذي تحول عملياً إلى المصدر الأول للأخبار المحلية والأكثر مشاهدة وانتشاراً.
ورغم هذا الحضور الواسع، ما يزال هذا النوع من الإعلام يتحرك في فراغ قانوني يصعّب مهمة العاملين فيه ويجعلهم عرضة للضغط والمضايقات، لأنهم يمارسون عملهم دون إطار يحميهم أو يعترف بجهودهم. والمفارقة أن هؤلاء الصحافيين أو الفاعلين الإعلاميين يوجدون دائماً في قلب الحدث: يغطون الوقفات، يتابعون أنشطة الجماعات الترابية، يوثقون اختلالات المرفق العمومي، يقتربون من المواطن الذي يجد فيهم صوتاً قادراً على إيصال مشاكله.
إن الحاجة إلى إطار قانوني لم تعد ترفاً أو مطلباً محدوداً، بل أصبحت ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة الدور الذي يلعبه إعلام القرب في حياة المواطنين. فبدون حماية قانونية واضحة، يتحمل الفاعل الإعلامي وحده مخاطر الميدان، وقد يجد نفسه أمام تضييقات أو عراقيل فقط لأنه أدى واجبه المهني. كما أن الاعتراف القانوني لن يكون مجرد ورقة إدارية، بل خطوة لإعادة التوازن داخل المشهد الإعلامي، وإرساء مهنية حقيقية ترفع جودة المضمون وتُحسّن العلاقة بين المنابر المحلية والمؤسسات العمومية.
وفي المقابل، يبقى المواطن هو المستفيد الأول من حماية هذا الإعلام؛ فكلما كان الفاعل الإعلامي مطمئناً محمياً ومؤطراً، كانت المعلومة أوضح وأكثر دقة، وابتعدت الساحة عن الفوضى والارتجال. كما أن تنظيم المجال يساهم في تعزيز الرقابة المجتمعية على تدبير الشأن المحلي، ويدعم الشفافية داخل المؤسسات، ويقوّي حضور الصوت الشعبي في صناعة القرار.
ولكي يتطور هذا الإعلام ويُمارس أدواره بالشكل المطلوب، يحتاج إلى رؤية جديدة تقوم على الاعتراف بخصوصيته، وتوفير التكوينات المناسبة للعاملين فيه، وفتح آفاق الشراكة المهنية مع الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية دون المساس باستقلاليته. كما يحتاج إلى دعم بنيوي يضمن استمراريته، خاصة أن أغلب المبادرات الحالية تُدار بإمكانات محدودة وجهود فردية.
إعلام القرب ليس مبادرة عابرة ولا صيحة رقمية مؤقتة، بل هو حاجة اجتماعية يومية، وصوت المجتمعات الصغرى داخل المدن والقرى، ومن دون تأطيره وحمايته ستظل فجوة كبيرة بين دور يؤديه بحماس وواقع قانوني لا يعترف به. إن حماية هذا الإعلام هي حماية لحق المواطن في المعلومة، وضمان لاستمرار نبض محلي يعكس هموم الناس ويحتضن تفاصيل يومهم، ويمنح للمشهد الإعلامي روحاً أكثر قرباً وإنسانية.



