سيرة سي أحمد أهلال.. الزجال الذي أحرق أشعاره بعد عودته من الحج

ازداد المسمى قيد حياته الشيخ سي أحمد أهلال سنة 1932 (كما هو مبيّن في الوثائق الرسمية، لكن أكيد أنه ليس تاريخا دقيقا) بدوار ‘أگسار’، التابع حاليا لجماعة بوييلان؛ بالإضافة إلى كونه شاعرا وزجّالا، هو كذلك فقيه عالم، حيث تتلمذ على يد كبار الفقهاء بجماعة رأس لقصر (بدواوير تماست وتايدة، ثم الصور). بعد محاولة والده تزويجه في سن مبكّرة، فرّ أهلال إلى مدينة تاهلة، حيث درس هناك أهم كتب الفقه الإسلامي؛ إن الزاد العلمي للراحل يجعل الفرد يشعر أنه أمام موسوعة أو مكتبة متنقلة.
عن سن يناهز 84 سنة، رحل عنا سي أحمد أهلال إلى دار البقاء صباح يوم الثلاثاء ثامن مارس. لقد سبق له وأن شارك في مجموعة من المهرجانات والتظاهرات الثقافية على المستوى الوطني، كما أطلّ على محبيه عبر برامج إذاعية وتلفزية عديدة، ولعل أبرزها كونه كان ضيف إحدى حلقات برنامج “تيفاوين” على القناة الأولى سنة 2007، ثم ضيف حلقتين من برنامج “أسراگ” سنتي 2008 و2009 على نفس القناة، ثم برنامج “الكلام الطيب” على القناة السادسة سنة 2011.
بعدما تسرّب مفعول التهميش إلى نفسيته في مراحل سابقة من حياته، أقدم أهلال بعد عودته من الحج على خطوة خطيرة، ألا وهي إحراق جزء مهم من أشعاره قبل أن يوقفه ابنه عن ذلك؛ وهو الأمر الذي سيندم عليه لاحقا بعدما بدأت بعض المؤسسات الرسمية وبعض فعاليات المجتمع المدني تقترب منه بغية التعريف به وإعادة الاعتبار له ولأشعاره، خاصة بعد الانفتاح الرسمي على المكوّن الأمازيغي سنة 2001. بعد ذلك، حاول أهلال الانتباه إلى توثيق (أو إعادة توثيق) كل ما خطر بباله من أشعار، حيث ترك للمهتمين والباحثين في المجال كنزا ثقافيا لن يفنى (مدوّن في دفاتر من الحجمين الكبير والصغير)، ينتظر مبادرات جادة من أجل إخراجه إلى حيز الوجود.

لقد سبق للراحل وأن كرّم في تظاهرات ثقافية على المستوى الوطني، حيث تم تكريمه من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مرتين: الأولى بأكنول، إقليم تازة سنة 2010، والثانية بمقر المعهد بالرباط سنة 2012؛ كما كرّم من طرف بعض الجمعيات: “الهامش للشعر والتشكيل” بجرسيف، و”تماينوت” بالدار البيضاء، و”إثران” بمغراوة، إقليم تازة، على سبيل الذكر لا الحصر.
على المستوى الأكاديمي، تمت دراسة أشعاره (بالإضافة إلى أشعار الشيخ الوردي من تاهلة، والشيخ بلواتيق من الصباب) في أطروحة دكتوراه للطالبة رقية ألويز، والموسومة بـ: “الشعر الشعبي في منطقة بني وراين: جمع ودراسة”، وتمت مناقشتها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، بالموسم الجامعي: 2002/ 2003.

على مستوى الإصدارات، نجد في ريبيرتوار الراحل أهلال حوالي أربعة أشرطة صوتية (كاسيت)؛ كما صدر له أول وآخر ديوان زجلي سنة 2013، وهو من منشورات جمعية الهامش للشعر والتشكيل بجرسيف، ونشر بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛ بيد أن هذا الديوان يفتقد الكثير من الحِرفِية على مستوى الإخراج الفني. يذكر أن أهلال يدعّي أن الفنان الأمازيغي الراحل محمد رويشة قد قام بغناء إحدى قصائده الشعرية، وذلك بعدما أدخل عليها بعض التعديلات الطفيفة لتظهر في الأغنية على الشكل التالي: “الله جماع المومنين صليو على النبي كاملين ألجواد الحاضرين صليو على بو فاطمة”.
من المعروف عن أهلال أنه كان عاشقا للكلمة منذ نعومة أظافره، حيث كان أحيانا يدندن أبياتا شعرية بدلا من الآيات القرآنية بينما هو طالبا في الكُتّاب القرآني (المسيد)؛ وهو الأمر الذي كلفه العقاب الشديد من طرف الفقيه في مرات عديدة، لكن قدرته العالية على الحفظ شفعت له في مرات أخرى. بعد تغلغل القلق الشعري بداخله، انتقل أهلال- بالرغم من أنه أصبح حاملا لكتاب الله- إلى مرحلة إلقاء الأبيات والقصائد الشعرية المرافقة لرقصة أحيدوس الوراينية في حفلات الزفاف بجماعات رأس لقصر ومغراوة وبويبلان ومدينة تاهلة؛ بيد أن هذا الانتقال في البداية كلفه تموقف باقي الفقهاء منه قبل أن يعدلوا عن قرارهم أمام إصراره على المضي قدما في الاستجابة لميولاته الفنية.

إن تعلّق أهلال بالكلمة الشعرية كان سببا لمتاعب أخرى وسمت أطوار حياته، ولعل أبرزها الزجّ به في السجن بمغراوة لمدة عشرين يوما بسبب قصيدة عالجت قضية الاستعمار الفرنسي. بالإضافة إلى كونه كان مقاوما للاستعمار الفرنسي بالكلمة الشعرية، فلقد تغنّى أهلال بالمقاومين الذين وقفوا في وجه الاستعمار الفرنسي، ومن أبرزهم محند وحمو، والحاج محمد مزيان بنقدور، رئيس جيش التحرير بآيت وراين.
بالإضافة إلى قضايا الاستعمار والوطنية، تناولت أشعار أهلال الأمازيغية والعربية تيمات متنوعة كالدين، والمرأة، والطبيعة، والفلاحة، والتعليم، والمجتمع، الخ؛ وتنهل متونه الشعرية من الموروث الثقافي الشفهي، إذ تعكس عمق تشبّعه بسيرورة اليومي المغربي.
بما أن حياة أي شخص لا تخلو من الطرائف، فأهلال بدوره له طرائفه المميّزة؛ ذات مرة بتاهلة، كان يعدّ النقود التي تقاضاها مقابل مشاركته في إحدى حفلات عيد العرش في منتهى ملعب الفروسية، وفي غفلة منه، باغتته إحدى مجموعات الفرسان المشاركة في الاحتفالات، ليركض هاربا في غاية الفزع فيضيع منه قسط مهم من المال. ومن طرائف القدر، كان أهلال معروفا بطول قدمه، حيث كانت الأحذية لا تلائم قدماه إلا المُرقمة بتسعة وأربعين (النمرة 49)، وكان يكلفه هذا الأمر البحث الشاق على مقاسات تناسب طول قدميه.

وفي إحدى اللقاءات المصورة معه سنة 2013،حكى الحاج أهلال قصة جمعته بالراحل موحى أو الحسين أشيبان المعروف بـ”المايسترو”،حيث إلتقاه ذات مرة وسأله عن وضعه الإجتماعي،فأخبره أنه لم يأخذ شيئا مقابل أشعاره التي كانت تسجل في كثير من الأحيان بدون علمه وشكلت مصدرا لإغتناء أصحابها،فطلب منه كتابة رسالة وبعثها إليه في مدينة خنيفرة،على أن يسلمها المايسترو لجلالة الملك محمد السادس.الأمر الذي لم يتسنى له القيام به.
في الأخير، لا يسعني إلا أن أتقدم بأحر التعازي إلى عائلة المرحوم أحمد أهلال الصغيرة والكبيرة، داعيا له بالرحمة والمغفرة، ولأهله بالصبر والسلوان؛ كما أقدم عزائي إلى كل من يحمل هم الثقافة والفن بهذا البلد عامة وبمنطقة جرسيف خاصة على الخسارات الفاذحة، التي نتلقاها من حين لآخر. إن لله وإن إليه راجعون. وأتمنى لعبد الله أهلال، ابن الراحل الذي حمل المشعل، مسيرة موفقة ليكون خير خلف لخير سلف. وأختم هذه المادة المتواضعة بصرخة الإيفواري ‘أمادو أمباتي با’ الشهيرة في مقر اليونسكو سنة 1960 حين قال:
“في إفريقيا، كلما مات عجوز احترقت مكتبة بأكملها”.
*ذ.سعيد شملال الباحث في ميدان السينما و أحد الذين عاشروا الزجال الكبير سي أحمد أوهلال في السنوات الأخيرة من حياته،يتحدث عن جوانب من سيرة الراحل:




شكرا لك اخي سعيد على هده المعلومات
الراحل درس في جامعة القرويين
كنت قد إقترحت سنة 2011 على المقربين منه القيام بخطوة تدوين دواوينه.لكن مع الاسف و لاسباب لا أعلمها لم تتم الخطوة.
لازلت مستعدا للمساهمة من أجل كتابة أشعاره بالخط (الامازيغي+العربي+اللاتيني) كما هو معمول في كتابة الإبداعات الامازيغية .هذا إن كانت هناك رغبة أكيدة طبعا في حفظ ما تبقى من كنز المرحوم.