السيتي

العمل الجمعوي..وما خفي كان أعظم!

يعرف الوسط المحلي لإقليمنا الفتي منذ وقت قريب تسارعا محموما للخطى من طرف بعض الذين يستهويهم الظهور والتطلع للشهرة ، وسعيهم الى صنع أحصنة طروادية من خلال العمل الجمعوي،وتجدهم يهرولون في كل الأتجاهات لتسجيل حضورهم علهم ينجحون في  ما عجزوا عنه خلال مشوارهم المهني أو التعليمي ، و يتوسمون الخير في الجمعيات لِتُحَقَق ذاتهم وتجعلهم يحضون بلقيا صفوة المجتمع بحكم المنصب أو السلطة أو الجاه ،و أيضا للإستفادة من الريع الجمعوي الذي يغدق بسخاء على بعض تلك الجمعيات دون غيرها بحكم العلاقات أو “السنطيحة” أو أشياء أخرى تحط من الكرامة أحيانا.

من الناحية القانونية نجد أن أول قانون غداة  إستقلال المغرب ينظم العمل الجمعوي هو ظهير الحريات العامة سنة 1958 ،والذي لازال ساري المفعول الى الآن حسب آخر تحيين له في سنة2011 ، إلا أن تأسيس الجمعيات الى حدود بداية الألفية الثالثة كان أمرا عسيرا و محاطا بكثير من الرقابة الإدارية الصارمة ،تحسبا لأي تحوير أو إشتغلال في الباطن على أهداف سياسية أو تهدد السلم و الأمن الأهليين، إلى جانب أنه لا يغري الفاعلين المدنيين للإقبال عليه في ضل غياب التحفيزات والتمويلات المسيلة للعاب في تلك الفترة.

ولن نتطرق الى تأصيل هذا المفهوم أو سرد تطوره التاريخي ،بقدر ما نحاول أن نسلط الضوء على ما يجري وراء الكواليس تحت غطاء العمل الجمعوي،ونقول أن ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الذي إنطلق في النصف الثاني من العقد الأول من الألفية الثالثة، كان أهم الممولين للمشاريع ،والذي اعتبر بمثابة الكعكة التي أسالت لعاب الجميع ، وأصبح الكل فاعلا جمعويا بين عشية وضحاها وعرف المغرب تفريخا غير مسبوق للجمعيات حيث تشير الإحصائيات الى وجود أكثر من 60 ألف جمعية بالمغرب،فأصبحنا نرى التحايل على القانون على أوسع نطاق وإنشاء هيآت فئوية وعائلية تنال المنح والتمويلات لمشاريع لا تُنجز إلا على الورق أحيانا، طبقا لمعايير “الوزيعة” وتقاسم المنافع والنسب المائوية بين المنتفعين منها، الى جانب تقنية أخرى لنهب المال العام تساهم في “مأسسة” هذا الفساد الجمعوي من خلال منح صفة “المنفعة العامة”، في غياب  للمعايير الموضوعية ، من أجل توسيع  آفاق الحصول على الموارد من الداخل والخارج، ناهيكم  عن غياب لأي تجسيد للديموقراطية  الداخلية التي تنص عليها أنظمتها الأساسية في التناوب على السلطة،فنجد في الغالب جل الجمعيات تضم في عضويتها أفرادا لأسرة واحدة أو يوجد منخرطوها في حالة تبعية للرئيس و لا يستطيعون حتى التفكير في الحلول مكانه يوما من الأيام.

والمتتبع للمشهد الجرسيفي على وجه التحديد سيلاحظ بالواضح مدى تهافت البعض على أبواب المانحين و إستجدائهم ،وفي أحيان كثيرة  يستعملون كل وسائل النفاق و الرياء والركوب على ظهر المبادئ في سبيل تحقيق أهدافهم،ولا ننكر أن البعض منهم  تسعفه كثيرا هذه الخطط و”قاضي الغرض” بالمعنى العامي.فلا يكاد يخلو تجمع رسمي أو غير رسمي من حضورهم،فأصبحنا نرى رؤساء جمعيات  فاعلين في كل المجالات ،فتجدهم في قضايا الصحة ومرة في قضايا التعليم ومرة أخرى في قضايا النسيج و الطرز وأحيانا في التنظير و اللقاءات الفكرية وربما ستجدهم في علم الفلك ،الى غير ذلك من المجالات (التنموية) التي يبرع  وينشط فيها في الغالب سبعة أشخاص من بينهم الرئيس و الأمين،في حين نجد أن الدولة بأكملها  تعجز عن هذه الشمولية وتصنف تدبير الشأن العام الى قطاعات متخصصة بعينها.

ومن هنا يتضح أن دور أغلب الجمعيات في واقع الحال يقتصر على إتاحة الفرصة لممثليها القانوننيين(الرؤساء) – والتي كانت صعبة المنال سابقا – الحضور الى جانب المسؤولين في مختلف المناسبات وتتيح لهم نسج علاقات مصلحية و شخصية في مختلف الإدارات على حساب الأهداف العامة المرسومة لتلك الجمعيات،والإستفادة من كل الإمتيازات التي توفرها تلك الصفة الإعتبارية (سفريات مدفوعة التكاليف،ولوج بعض الفضاءات الراقية،..الخ).

ومن خلال تجربتنا المتواضعة في هذا الميدان الذي تجاوز عقدا من الزمن ،نستطيع أن نقول بأن هناك نوعين رئيسيين من الجمعيات بالإقليم،فهناك بعضها تعد ناطقة باسم حي أو دوار، وتمثل جل ساكنته و تحاول أن تبحث عن موارد لإنجاز مشاريع تنموية حقيقية تكون من إختصاص المجالس المنتخبة أو الدولة أساسا،ويكون القائمون عليها في بحث دائم و مستمر عن دق الأبواب التي قد تحقق هذه المرامي ،ويتجشمون في ذلك كل العناء المادي و المعنوي بمفردهم وهم بذلك يحتاجون جهدا ونَفَساً طويلين،الى جانب جمعيات “البريستيج” والتي تكون عبارة عن ملف من الوثائق ليس إلا،يختار فيها صاحب الفكرة فريقه من الأعضاء، ويعمل على إبراز ذاته لأغراض وصولية بحثة سواء كانت سياسية أم مادية دون تحقيق أية مشاريع حقيقية على أرض الواقع.

أن العمل الجمعوي في حقيقة الأمر هو تطوع و تضحية من أجل أغراض المنفعة العامة  ولا يسعى إلى الربح المادي كغرض أساسي للوجود وينحصر دوره على توفير الخدمات التي تقابل إحتياجات المواطنين في إطار السياسة الاجتماعية العامة للدولة بعيدا عن التقلبات السياسية والصراعات الفئوية التي يحضرها القانون المنظم،وهو بذلك يتطلب من كل المشتغلين في ميدانه التحلي بقيم النزاهة و المصداقية والنأي عن النزعة الشخصية التي مكانها المعترك السياسي .ومن هذا الأساس تعتبر الجمعيات بمثابة وسيط بين الفرد والدولة تنشد الارتقاء بشخصيته عن طريق نشر المعرفة والوعي وثقافة الديمقراطية، وتعبئة الجهود الفردية والجماعية لمزيد من التنمية الاجتماعية والاقتصادية بغرض التأثير في السياسات العامة وترسيخ مفهوم “التضامن الاجتماعي”.

غير أن واقع الحال يكشف عن وجه مشوه لهذا العمل النبيل ،ويرسخ في مخيال المجتمع مفهوم الملكية  المطلقة للجمعيات و لا مجال لدخول أفراد آخرين إليها أو تقلد زمام المسؤولية فيها يوما من الأيام،مما يعطي الإنطباع لدى كثيرين من رؤساء تلك الجمعيات  بأنها كيان سياسي أكثر منه إجتماعي سيساعدهم في تكوين قاعدة جماهرية في مختلف الإستحقاقات الإنتخابية من خلال التعبئة ببعض الحملات السابقة لأوانها و”جعجعات” هنا وهناك فيها كثير من الصخب الإعلامي أكثر من قيمتها النفعية ،ولا تسمن ولا تغني من جوع، تحت يافطات متعددة تلعب على وتر العاطفة والمتاجرة بهموم المعدمين و المحتاجين .

  للتواصل مع الكاتب:[email protected]

 

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

‫9 تعليقات

  1. ارى انكم تتكلمون عن واقع معيش وما بال البعض يحدرونكم اهو تهديد ام خوف على المصالح اكتبوا و انشروا وافضحوا و نوروا الراي العام فزمن السيبة قد ولى و الكل ظهر على حقيقته و خاصة………………

  2. السلام عليكم, احذر ياأخي محمد من توجيه أقلامكم إلى جمعيات المجتمع المدني . مالعيب في أن يكون على رأس الجمعيات مهنيون و رجال تعليم ينتمون لنفس العائلة, الكل يجتهد ويسخر تجاربه من أجل غاية وحثما سيجني ثمار ما يصبو إليه.أتفق معك إلى حد ما أن القطاع الجمعوي قطاع غير مهيكل مثله مثل الصحافة الإلكترونية ,الذي يعج “بصحفيين” بنوا أمجادهم على أنقاض تعليقاتنا, و لا أتفق معك أن من يتخذ شعاره التنوع و احترام ميولات و اهتمامات الناس دليل على سعيه وراء الإسترزاق ,أو حب الظهور, أو نسج علاقات مصلحية.عذرا يا أخي أن تعتقد أني أرمي الورود على العصابات عفوا الجمعيات التابعة لأشخاص في مراكز القرار, تتاجر في بؤس المواطنين البسطاء للتستر على مصالحها الشخصية, لا يا أخي نحن جيل جديد من الجمعيات , نأخذ من وقتنا المهني و العائلي من أجل أن نبين للجميع أنه لا معنى لمستوانا التعليمي و لا معنى حتى لحياتنا إذا لم نسخر كل هذا في عمل خيري من أجل صناعة إنسان فاعل, وإعطاء للتماسك الإجتماعي معنى.تحية لصوت من لا صوت له.

  3. شكرًا الأخ الكريم على هذه المساهمة.ما ورد في هذا المقال يخص المجتمع السياسي وليس المجتمع المدني .فالمجتمع المدني في جرسيف بسيط. لا يرقى الى التجدرالمعجمي المستعمل فى هذا الإنشاء .فالجمعية التى راس مالها ١٠٠٠درهم وبدون مقر ماذا تنتظر منها ،ًالغليظة منها. فهي سياسية .اختم وأقول ان الانخراط يكون عملي وليس قهوجي.شكرا .

  4. أنا قرأت تعليق الأخ الرقم المجهول وتساءلت عن موقع تحامل الكاتب على رجال التعليم؟لاشك هو يقصد بالمستوى التعليمي ،التحصيل الدراسي وليس مهنة التعليم.هكذا فهمت أنا

  5. اصبت اخي محمد اشكرك على هذا المقال الذي نجحت من خلاله بوضع الاصبع على الجرح بالفعل هذه هو واقع الحل بالنسبة للحقل الجمعوي بمدينتنا شئنا ام ابينا شكرا اخي محمد شكرا جرسيف سيتي

  6. استهوني عنوان المقال فاسهبت في القراءةو في الاخير خلصت الى ما يلي..
    تحامل الكاتب على اصحاب المهنة الشريفة التعليم لا لشيء الا لكونهم تطوعوا خدمة للصالح العام ناسيا ان من علمه ابجديات الكتابة هم الاساتذة
    اصبح العمل الجمعوي موضوعا يجلب القراء لكن هل لاحد من المنتقدين حججا دامغة و واضحة على الاسترزاق الذي يتحدث عمه الجميع
    الجمعيات في القرية احرص على التنمية من الجمعيات في المدينة و لم يشر لها الكاتب
    هناك اشخاص غرباء على العمل الجمعوي و يتكلمون باسمه وهم طفيليون فقط كما وقع مؤخرا في قاعة ابن الهيثم مع المجلس البلدي من طرف شخص يسيء الى الحقل الجمعوي كثيرا و هذه الفئة لم يذكرها الكاتب
    خلاصة العنوان جميل و المحتوى غير منصف

  7. تحية التقدير والاحترام للاخوة في سيتي .اشكر الأخ الكريم على هذا المقال ،و أقول انه اعتمد أسلوبا انشاءيا جيدا اربعينيا .اما بالنسبة للمحتوى،الألفية الثالثة المجتمع المدني يساهم في تدبير السياسات العمومية ،والمجتمع المدني مرءي وليس افتراضي.فالكتلة المعرفية. لديك اكبر بكثير مما ورد في هذا المقال ،يجب ان تستغل في مجال اخر يستفيد منه القارىء، ان أحببت ان تناظل مثلا :التنمية الأمن المشاكل اليومية للمواطن .شكرا وبالتوفيق .

  8. الصنفان من الجمعيات الذان تحدثت عنهما يوجدان في البادية المغربية وليس في المدينة

زر الذهاب إلى الأعلى