السيتي

الإعلام و السياسة و أنا

منذ مدة و أنا أفكر في كتابة مقالات جديدة أعبر فيها عن رأيي كمواطن في مختلف القضايا التي تدور من حولي، غير أن تسارع الأخبار و الإنشغال بالموقع و تحسينه شكلا ومضمونا بمعية زملائي الأعزاء و كتابة القصاصات الإخبارية داخل هيئة التحرير ، لم يدع لي المجال للتعليق على مجموعة من الأحداث سواء كان ذلك محليا أو وطنيا أو دوليا.

وفي خضم هذه المدة بدأت تختمر في داخلي فكرة التعرض للإعلام بشكل عام و للصحافة الرقمية بشكل خاص على اعتبار أننا بصددها الآن و أيضا لدورها الكبير و الخطير في صنع رأي عام و التأثير فيه أكثر من أية وسيلة إعلامية تقليدية أخرى.

في السابق و في زمن الإدمان على الصحافة الورقية و خاصة جريدة الصباح  أيام التحصيل الجامعي و الأحلام الكبيرة قبل عقد من الزمن، قرأت مقالا للكاتب و الصحفي السوداني المغربي المعروف طلحة جبريل عنونه بـ”الحمار و القطار و أنا” يتحدث فيه عن مسيرته الشخصية من بلدته بمنطقة مروى بشمال السودان منذ أن كان طفلا لا يعرف إلا كُتّابه الذي يمضي اليه بواسطة حماره و يصور الحياة البسيطة في تلك الفترة و جمالها قبل أن يهاجر الى المغرب و يستقر فيه لأزيد من 30 سنة و يلتحق بكبريات الصحف المحلية و العربية متنقلا بين مدينة الدار البيضاء و الرباط بشكل يومي عبر القطار، و بأسلوب ممتع يصور  ما اكتشفه في الوجه الآخر للصحافة من متاعب و خوف من المجهول وعيش الصحفي على هاجس التسريح من العمل لأبسط خطأ مهني، و أيضا من كثير من الخبث و المكر الذي ينخر الجسم الصحفي، و لعلي أستعير عنوانه و أسمي هذا المقال المتواضع بالأحزاب و الإعلام و أنا.

  لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، وخلق معه غريزة حب الاستطلاع، والبحث والتطلع لمعرفة كل ما هو جديد منذ أن عرف اللغة والكلام، و من هذا المنطلق يمكن إعتبار كل إنسان  صحفي بطبعه ينقل الخبر و يستقبله في تواصله مع الآخر .لذلك فإن الصحافة بمفهومها كناقلة للأخبار ظهرت منذ عهد قديم. و لعل النقوش الحجرية المصرية تمثل نوعا من النشر أو الإعلام ،إلا أن الصحفي الأول في التاريخ كان طائرا و ليس إنسانا وهذا ما نلمسه في ما جاء في كتاب الله العزيز في سورة النمل عن قصة الهدهد الذي تأخر عن  النبي سليمان ،قال تعالى :وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}.

 ومع مرور العصور تطورت الصحافة وظهرت الصحافة القديمة في أوروبا في القرن الخامس عشر حيث كان البابا يكتب أحداث العام على سبورة بيضاء ويعرضها ليقرأها المواطنون، لتطور الكنيسة الفكرة  بعد ذلك فتنشأ النشرة العامة في أوراق لعلها أصل الجريدة الرسمية الحالية ،لتتطور مع مرور الأيام بعد إختراع الحروف المعدنية و إزدهار الطباعة لتصل الى ما هي عليه في وقتنا الحالي بكل أنواعها و مجالاتها.و يأتي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليعرفها و يحدد مفهومها من خلال نصه على أن “لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، ويتضمن هذا الحق حرية تبني الآراء من دون أي تدخل ،والبحث  وتسلم معلومات أو أفكار مهمة عن طريق أي وسيلة إعلامية بغض النظر عن أية حدود”.ومن ثم فإنها إعلام وتنوير وليس تضليل أو إشعال لأزمات نائمة ،تحكمها مبادئ و أخلاقيات رغم إختلاف مرجعيات و فلسفة المشتغلين فيها وهي بذلك يجب أن تتقيد بالحقيقة والدقة والموضوعية والحياد والتسامح والمسؤولية أمام القراء، بالنطر لدورها الخطير و الذي يرتقي الى سلطة رابعة كما سماها الفيلسوف “مونتيسكيو” تنضاف الى السلط التنفيدية و التشريعية و القضائية . 

و تنقسم الصحافة الى عدة  مجالات وأنواع ، فهناك الصحافة الحديثة و هي التي طبعت فترة الستينات و السبعينات من القرن الماضي و تتميز باستعمالها للتقنيات الأدبية الصارمة،ثم الصحافة المستقلة  التي لا تنتمي الى  حزب معين أو إديولوجية خاصة تفسح المجال على صفحاتها لكل الاراء والاتجاهات السياسية والمذاهب الفكريه والاجتماعية،وهناك نوع أخر و يتعلق بالصحافة السياسية والتي تملكها أو تديرها بشكل مباشر أو غير مباشر  كيانات سياسية، للترويج لآراء وقناعات فكرية الى جانب صحافة أخرى من قبيل “صحافة التربص”وهي عبارة عن ممارسة الصحفيين لأساليب عدوانية لمواجهة الأشخاص وتوجيه الأسئلة إليهم بشكل مفاجئ، و الذين عادةً لا يرغبون في التحدث إلى صحفيين،غير أن أهم نوع يمارس اليوم و على نطاق واسع سواء في الصحافة الرقمية أو التقليدية هو ما يسمى بصحافة “الجونزو” نسبة الى مبتكرها وتتميز بلغتها الهابطة واستخفافها بأشكال وعادات الكتابة الصحفية التقليدية،حيث يتم التخلي عن الموضوعية وينغمس الصحفي في الخبر نفسه.

إن التطور المتسارع للعالم في ما يخص العلوم و تقنيات الإتصال جعل العالم قرية صغيرة تدار بكبسة زر  و يكفي التوفر على أحد وسائط الإتصال لكي تصنع الخبر أو تتفاعل معه أو تنقله بكل يسر ، وهذا ما يسمى بالإعلام الجديد المفتوح للجميع و الذي فاجأ المشرع في كثير من الدول و جعله ينفلت من رقابة قوانينه الجامدة و يفرض عليه بشكل ملح تقنينه، ولعل الخطى المتسارعة لتنزيل “الكتاب الأبيض” الخاص بالصحافة الإلكترونية بالمغرب و بعده الضجة التي صاحبت طرح “المدونة الرقمية ” للنقاش في البرلمان و سحب الحكومة لها و تعويضها بقانون أخر قيد الإنجاز للتحكم في هذه السوق الرقمية الرائجة لأصدق مثال في هذا الصدد، وعلى ضوئه يجعلنا نتساءل عن الخطوط الحمراء التي يجب أن تقف عند مشارفها هذه الصحافة الجديدة.

إن الصحافة مهنة نبيلة و مستقلة و بالتالي فإن زواجها السري وغير الشرعي بالسياسة يفقدها المصداقية،ويحكم على أصحابها بالإنتحار الأخلاقي و التموقع و بالتالي السقوط في خدمة النعرات الإديولوجية ، وعلى هذا الأساس فإن إستخدام سلطة الإعلام كمطية لأطماع سياسوية أو للإثراء بلا سبب باستعمال أساليب الضغط و الإبتزاز والتهديد سيجعلها تحيد عن وظيفتها الرقابية و التنويرية للمجتمع ،وستجعل القارئ و الزائر – و الذي أصبح يتمتع بذكاء كبير جدا – يعرض عن هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك و سيبحث عن مكان آخر  يجد فيه ما فقده ،في سماء مفتوحة تعج بالصحف والمواقع و المدونات .

ليس عيبا أن أكون سياسيا وصحفيا في نفس الوقت، و لو أنني لم أقتنع لحد الساعة بالإنضواء تحت سلطة أي من الأحزاب  في زمن التدافع و السباق نحو احتلال المواقع – رغم أني لا انكر تواطئي الفكري مع كثير من الهيآت التي أجد فيها بعض القواسم المشتركة التي تجمعنا – ، إلا أن الخطر الحقيقي الذي يتهددني هو  إستعمالي لهذه المهنة لتحقيق أغراض ذاتية تخالف مبادئها الأصيلة و الإعراض عن ممارسة دور الرقيب على الشأن العام  كما تفعل النيابة العامة في دفاعها عن المجتمع في أروقة المحاكم، و تلك هي الطامة الكبرى .

  للتواصل مع الكاتب:[email protected]

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. ههههههههههه باينة راني حاركك،معندي دواء ليك مع الأسف 🙁 غير كمدها وعطي لراسك الراحة 😀 .أوووكي أسيدي نتا هو الأستاذ.صافي بقيتي على خاطرك ؟إيوا سهرنا الله إجازيك بخير ،عندنا أشياء أهم.

  2. بينك و بين الاستاذ ما بين السماء و الارض , فلماذا لا تكتب اسمك و كفى و انت تعلم انك غير دلك , يقول المثل ” البس قدك اوتيك ” و” ما تعلقتش فين تفلق ” العبرة يا ّاستاذ ّ بالنتائج , فماذا انت اليوم ؟ فماضيك الذي تفتخر به , للاسف لم ينفعك قي شيء او انك كنت من الاواخر ’ حشمت قبلاستك و الله

  3. تعليقك أخ “حشمت” مثير للشفقة،مثله مثل سابقه (المحذوف بسب مخالفتك للديباجة أعلاه).ورغم أنه ليس لدينا وقت لنضيعه على هكذا تعليقات ولا نرى فائدة في إدراجها ليراها القراء،ونعرف نيتها المبيتة.لكن ونظرا لتواصلي مع كل القراء الأعزاء بشكل إيجابي ،ولو أنني لست متفرغا لدروس محو الأمية سأجيبك عن تحديك العظيم !!!(الذي رفعته في كلمات وصفتها بمقالات عوض تعليقات!!!)وأقول بأن حرف (ذ) هو في الأصل تلخيص مشرقي لكلمة الأستاذ المتداولة هناك على نطاق واسع ويوصف بها كل متعلم متوسط،أما حرف (د) فهي إختصار لكلمة دكتور،وكنت اتمنى أن تضبط ملاحظتك قبل أن تحاول أن تستفزني بتعاليق مضحكة جدا.ولعلمك فإن هذا العبد الضعيف دارس لعلوم الإعلام و خريج كلية الحقوق تخصص قانون خاص في نظامه القديم من أعرق الجامعات المغربية(ظهر المهراز – فاس) وتتلمذت على يد فطاحلة الفقه وصناع الإجتهاد القضائي المغربي(عذرا إن لم تفهم هذه المصطلحات) وهم جلة من الأستاذة الكرام (بن معجوز،الشيلح،أخريف،حارسي ،مصطفى الكثيري،ومحمد ليديدي على سبيل المثال فقط لا الحصر)،ولي الشرف أن أوصف بالأستاذ من طرف كل من يقرأ سيرتي الذاتية طواعية،ولو أن الأمر لا يهمني بقدر ما يهمني رأي الناس و حكمهم الحقيقي على مستواي و إمكانياتي.ورغم أن تعليقك لا يستحق كل هذا الشرح ،لكن لا بأس لكي أزيد من أوجاعك وحسدك شافاك الله يا “معلمي” ألذي أعرفه جيدا.وأقول أن كلمة أستاذ أصبحت مبتذلة ولا تستهويني بالمرة،وتركتها لك مادامت تشعرك بالإحترام و العظمة،والدليل أن مقالاتي التالية حذفت منها ذلك الحرف .ونصيحتي لك بالعامية المصرية مادمت “حِشْمت”(أه زعما حشمتي):إلعب غيرها يا شاطر..

  4. لقد بينتم عن مدى انحيازكم , تنشرون ما تريدون و تكتمون ما تريدون , الانسان النزيه يتقبل كل شيء , فلما قلت في مقالي الاخير – للاسف لم تجرؤوا على نشره – ان حرف ذ. مادا يعني , على الاقل اعطوني تفسيرا لذلك حتى افهم و يفهم كل من يتطلع لقرلءة موقعكم الالكتروني , اتحداكم ان تعطوني تفسيرا لدلك

  5. اليك مني السلام مع الف تحية على المقال وختامه كان مربط الفرس نتمنى لك التوفيق ومزيدا من التالق والتدرج بكل شجاعة لملامسة بعض المواضيع الحساسة والهدف والغاية منها هي خدمة الاقليم والوطن بصفة عامةانها مسؤولية من العيار الثقيل مع الله سبحانه وتعالى ومع عباده نتمنى انك فهمت قصدي سياتي يوما لاينفع فيه مال ولابنون وابن الاصول يعرف هذا جيدا كلما في الامر انني احبك في الله ودكرتك بما دكرت به نفسك في المقال

  6. تحية نضالية على مقالك الراقي وأجدها فرصة لتهنئتكم على هذه الجريدة وإن سبق وأن اعطيت رأيي الخاص حولها في موقع ما وكل ما أتمناه أن نجد فيها ما لم نجده في جرسيف 24 لما حجبت بعض تعليقاتنا لا لشيء إلا لأنتقادنا لها في بعض المواضيع التي جانبت فيها الصواب لخدمة مصالح معينة

زر الذهاب إلى الأعلى