قبسات نبويّة {1}

{إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة , فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها } [السلسلة الصحيحة:9] .
عندما يكون الإنسان موصولاً بالله تعالى , قريباً منه , يتغيّر فيه كلّ شيء : تصوّراته و أفكاره , قيمه و معاييره , أخلاقه وسلوكياته , أهدافه و أحلامه .في هذا المستوى فقط يجد الإنسان نفسه متجاوزاً لحدود الدنيا الزائلة و قيود الجسد الفاني إلى رحابة الخلود و سعة الروح . و في هذا المستوى فقط يجد الإنسان نفسه أمام أحلام كبيرة و آمال شاسعة و طموحات راقية .
و هذه القبسة النبويّة , ترسم لنا قيمة الحلم , و أهميّة الأمل و التفاؤل الإيجابي في حياة الإنسان المسلم . بل أن تكون أحلامه و آماله كبيرة جدّاً , تتجاوز ذاته الشخصيّة الصغيرة إلى رحابة الإنسانيّة الفسيحة , و تسمو على ضيق الدنيا الفانيّة إلى فضاء الآخرة الأبديّة .و من ثمَّ فالنبي r يريد للمسلم أن يتفاعل مع أحلامه و آماله بشكل إيجابي .. إنّه يرفض أن يغتالها في ضميره .. يرفض أن يشوّهها في أعماقه .. يرفض أن تظل حبيسة الخيال .. و بالتّالي يرفض _ صلى الله عليه و سلم _ و لا يرضى للمسلم أن ييأس أو أن يتشاءم , ليس فقط عندما تواجهه بعض المعوّقات العابرة , بل أيضاً حتّى في أقصى لحظات الضعف التّي تحطم كلّ شيء في الكينونة البشريّة .. }إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ{ [يوسف:87] .
هذا الحديث _ إذن _ بهذه الصيغة الرمزيّة ذات الدلالة العميقة _ ينّبه المسلم على ضرورة الصبر و المثابرة ,و على الجد و الإجتهاد لتحقيق الحلم و بلوغ الأمل.. ينبّهه على ضرورة التفاعل الإيجابي مع الأحداث , حتّى تلك التّي تضغط على العقل و تكاد تخنق الروح .. ينبّهه على ضرورة الإنعتاق من بوتقة الأنانيّة المقيتة إلى رحابة التفكير الجميل في الآخرين و جلب المنفعة لهم .. ينبّهه على أنّ الحياة لا ينبغي أن تنتهي عند شخص معيّن أو عند مرحلة محدّدة , بل من المهمّ جدّاً أن يشعر بها الإنسان المسلم على أنّها خط متواصل و بحر دفّاق , يمتد من الدنيا إلى الآخرة .. ينبّهه _ و هذا أعظم _ على أن يكون دائماً قريباً من الله , موصولاً بعالم الخلود : عندما يحلم , عندما يأمل , عندما يخطط .
عندما يعيش الإنسان بهذا التفكير و بهذه الرؤية , و عندما يتعامل مع الحياة _ بشتى روابطها و أحداثها _ على نحو هذه الشاكلة الجميلة , حينها فقط سيكون إنساناً إيجابيّاً : في تفكيره , في أخلاقه , في سلوكيّاته , في أهدافه . و حينها _ أيضاً _ سيعيش مطمئن القلب مشرق الروح متألق العقل , لأنّه لم يعد يخشى الفشل , و لم يعد يخشى الحرمان , فهو مرتبط بخالقه الجليل , الإله المطلق الأزلي , و من ثمَّ فهو بين أمرين : إما أن يقطف ثمرة كفاحه و صبره و مثابرته هنا في عالم الدنيا : }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً{ [النحل:97] .و إما أن يجنيها _ كأحسن ما يكون اجتناء ثمرة _ هناك .. في عالم الخلود و السرمديّة الفائقة . }وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقَىٰ{ [الأعلى:17] .
إنّ النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أنّ القيامة لا تقوم على مسلم , بل تقوم على شرار الخلق . كما أنّه _ صلىّ الله عليه و سلم _ أنّ الساعة حدث عظيم هائل جدّاً , ليس يمكن لبشر الصمود له . إنّه يدرك كلّ هذه الحقائق , غير أنّه بإيحاءات كلماته العميقة الدقيقة يريد أن يقول للمسلم :
à عش حياتك بأمل جميل و حلم سامٍ و تفاؤل كبير , و لا تيأس و لا تخف و لا تتشاءم , فهناك ربّ برٌّ رحيم , عليم بصير , قوي قدير , لا يضيع عنده شيءٌ من العمل الصالح و لا تخيب لديه نيّة خالصة .
← عش حياتك بالحب للآخرين و العطاء الكريم لهم و الحرص الشديد على منفعتهم و خيرهم , حتّى و إن كنت على يقين واضح أنّهم سيجنون فوائد صبرك و كفاحك دونك بعد أن ترحل عنهم , فالله لن ينس لك ذلك و سيجازيك خير الجزاء .
و من جهة أخرى , نستطيع أن نفهم _ و الله أعلم _ أنّ النبي r يريد أن يقول للإنسان المسلم الذي سيكون قدره العيشَ في أزمنة الفتن و تفجّر القلاقل المهولة :مهما حدث فليكن تفكيرك إيجابيّاً و رائعاً , و لهذا عليك بالعمل لما فيه خيرك و خير أمّتك . أما تلك الأفكار السلبيّة التّي تقول لا فائدة , فابتعد عنها لأنّها منحرفة و خاطئة تماماً , لأنّك مأمور ببذر البذور و غرسها , أما الثمرات فهي شأن الله تعالى .
هكذا يعلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم الإنسان المسلم أن يعيش حياته و أحداثها .. بصيرة عميقة بمعاني الحياة , و صلة قويّة بآفاق السماء . حرص شديد على رؤية النور في حلكة الظلام .
إنّ المسلم إنسان : خيّر , متفائل , معطاء , أحلامه تشمل شخصه و الآخرين من حوله , آماله تسع الحاضر و المستقبل , مهمّته هي إسعاد و جلب المنفعة لكل من تربطه بهم رابطة : الزوجة , الأولاد , الأصدقاء , الجيران , المجتمع , و الإنسانيّة جمعاء .. يقول الحق تعالى : }كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ{ [آل عمران:110] .
و تلك هي تعاليم الإسلام في فلسفتها الكبرى




جميل بارك الله في الأستاذ الكريم… ولما ينكسر القفص يهرع العصفور
إلى جنته الغناء فيجدها خرابا على خراب!!!! فيبتسم ابتسامة خيبة ويولي الأدبار باحثا عن قفصه كي يسجن به مرة أخرى!!!!