السيتي

التصوير الفني بتوظيف الدلالة اللغوية عند العرب

التصوير الفني بتوظيف الدلالة اللغوية اسلوب ابدع فيه العربي منذ القدم ، فقد كان بالسليقة والفطرة، لأن العربي كان يتكلم العربية بالفطرة من دون أوزان ولا قواعد ولا تنظيم بلاغي، إلا ماكان من أبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي وابن فارس وابن جني والثعالبي وغيرهم كثير ممن تخصصوا في المجال اللغوي والأدبي، وقد أبدع الشاعر العربي في فن التصوير وشخصه وكأنك ترى الحدث شهود العين، ويلاحظ هذا في في الوصف والغزل، فكان الشاعر يوظف عبارات دقيقة ذات إيحاءات جمالية مركزة، فنقرا مثلا لامرئ القيس عميد الادب العربي بدون منازع وهو يصف فرسه أو وهو يخاطب الليل أو وهو يصف حبيبته ومعشوقته. ثم لبيد بن ربيعة وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، هذا في العصر الجاهلي ماقبل الاسلام. وقد يتساءل الواحد منا لم وسم هذا العصر بهذا الوسم وقد برع وأجاد في فن الكلام وأشهر من ذلك ما كان من المعلقات السبع أو العشر، فهذه الجاهلية كانت جاهلية في المعتقد وتضارب المفاهيم وانتشار الفساد وقانون الغلبة للأقوى رغم فطانتهم العلمية والأدبية, وحتى الإسلام لم يأت بأسر لحرية التعبير ووضع القيود بالتحريم كما يدعي البعض بأن الشعر عرف تدهورا وانحطاطا بسبب الإسلام، بل كان له الفضل في لم الشمل وتنظيم الأمور وتحفيز الشعراء بل ورسم الحدود. وقد وجد من الشعراء في العصر النبوي كثير واحتفل بهم النبي صلى الله عليه وسلم وشجعهم على ذلك، منهم كعب بن زهير بن أبي سلمى، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وعلي بن أبي طالب. وحتى وأنت تقرأ كتاب الله تعالى تلمس هذا الفن التصويري للأحداث، سواء الماضية من قصص الأمم السابقة أو المقبلة، من صنوف النعيم أو دركات الجحيم، تخيل أو بالأحرى تأمل قصة يوسف عليه السلام، فسترى فيها وصفا جماليا وكانك أخذت الصورة من عين المكان لحظة بلحظة بأجهزة تكنولوجية حديثة، فلم يقتصر الخطاب على السرد القصصي التقليدي، بل حتى التوظيف الاعتباري وفن التشويق، وترى هذا أبلغ وأروع في قصة موسى عليه السلام، وتأمل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة من الأحداث وهو يصف ويمثل، فتراه عليه الصلاة والسلام يتحدث عن أمته ورسالته في الوجود كواقد نار والفراش والجنادب يحمن حول النار وهو يدفعهن دفعا حتى لايقعن فيها، ثم يصور المشهد العظيم في مقارنته بالأنبياء والرسل السابقين، بأنه اللبنة الباقية المكملة للبنات الأخرى حتى يستقيم البنيان. وحتى كلام وأخبار وما أثر عن الصحابة لم تخل من هذا الجانب التصويري الفني، سواء أكان شعرا أم نثرا، ثم ياتي عصر الأمويين حيث بلغ الأدب ذروته في التشخيص والتمثيل وحسن الدلالة والتعبير، وكذلك العصر العباسي، وغير بعيد عن عصور النهضة الأدبية والعلمية نرى واصل بن عطاء البارع في فن الخطابة وهذا الزمخشري في كشافه يحسن التلوين والتمثيل والبراعة في الأداء الدلالي والتوصيف القرءاني، وهذا الأصمعي والقاسم بن سلام الجمحي، ونرجع الى الفرزدق وجرير والاخطل، وكثير هم العباقرة والعلماء، ولن نغفل عن الإمام الشافعي وبراعته وأسلوبه الراقي في الشعر والفقه وأصول الفقه والحكم والأثر، وفي تطواف سريع ننتقل إلى العصر الحديث، حيث تم الاهتمام بالصورة والأسلوب البلاغي واعتبرا الركيزتين الأساسيتين في بناء القصيدة، أو كتابة النص الأدبي، وبعد ظهور فن جديد من الشعر في القرن التاسع عشر وهو الشعر الحر الذي تحرر من قيود القافية والروي والأوزان، لكن اهتم بالصورة والأبعاد الدلالية وفن التمثيل والايحاء، فلا الشعراء القدماء ولا المحدثون استغنوا عن الصورة والتمثيل لاهميتهما وجماليتهما الفنية.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى