السيتي

الكتاب الأكثر إثارة للجدل في مغرب 2014: تجارة العظام البشرية في تاريخ المغرب

“تجارة العظام البشرية في تاريخ مغرب القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين”، بهذه الحمولة والإثارة. كتاب مثير للدهشة لا يمكن مقارنته سوى بأعمال رواد حقل العلوم الانسانية من المغاربة، ممن أثثوا فكر ومناهج وطروحات متفردة كما عبد الله العروي وعبد الجابري ومحمد وقيدي وجرمان عياش وغيرهم ممن اختار البحث في غير المألوف من القضايا فكرا ودراسة وتحليلا بما اسهم في قطائع ابستيمية، بمثابة ارث مشترك ومعتمد في أوساط الباحثين والمهتمين. وكتاب تجارة العظام البشرية هذه الهزة غير المسبوقة في مساحة وعتبة الأبحاث بالمغرب، الى جانب ما أثاره من دهشة – وهذا أمر طبيعي أمام الكائن من الثابت والمقدس من النمط – هو بأكثر من سؤال حول طبيعة المتن التاريخي الذي يؤسس لما وراء الفعل في تاريخ المغرب ولبعض من جوانب غرائبية إن صح التعبير، متن لا يبحث عن مكان في المكتبة المغربية وعن نقاش هادئ فحسب، بقدر ما يروم إعادة قراءة الزمن المغربي في لحظات فاصلة بما يجعل من السلوك في التاريخ وجهة لقراءة ماضي وفهم حاضر وبناء قادم، بقدر ما يطرح موقع النحن والآن ها هنا كبحث مؤسسي ودوائر تدافع علمي بات في حاجة لتوصيف وتقاسم وتصويب بما يتجاوب مع ألفية ثالثة لها ما لها وعليها ما عليها. تجارة العظام البشرية بمغرب القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، للدكتور سمير بوزويتة عن كلية الآداب والعلوم الانسانية سايس فاس، كتاب يطرح قضية شائكة غير مألوفة التداول في تاريخ المغرب بل في تاريخ العالم العربي المعاصر. ما جعله بصدى قوي غير معتاد في نسق النشر المغربي، ليس فقط في الأوساط العلمية من خلال ما أثاره من نقاش واسع وممتد ومن ردود فعل هنا وهناك، والذي يعني ما يعنيه من بعث جديد ومعه انتقال، وتأسيس لتحول في طبيعة خطاب وصورة البحث العلمي في المغرب، تحديدا شق العلوم الانسانية والاجتماعية المثقلة بالوهن ونمط المتن وسطحية الرؤى. بل بصدى غير مسبوق لذى الرأي العام المغربي من عموم مهتمين واعلاميين وفاعلين جمعويين، عبر آليات تواصل اجتماعي في مجتمع بات رقميا بامتياز. الكتاب الذي صدر مؤخرا بالمغرب عن مطبعة سايس فاس، ضمن المنشورات العلمية لكلية الآداب بالمدينة عن الموسم الحالي، والذي صنع حدثا فكريا لا يزال مستمرا لما يوجد عليه من تتبع وتبادل رأي وقراءة. الكتاب هو من القطع المتوسط بواجهة مثيرة ملأتها حياة الأموات ووقع البياض، هو بمائتي صفحة بالتمام والكمال وبمقتطف معبر في واجهته الأخيرة جاء فيها بما يفيد أن سؤال حيرة الكتاب، هو غياب “كنطربد” العظام البشرية في اهتمامات الاخباريين والمؤرخين، وهو وثائق الكتاب التي أثارت القضية وكأنها لم تكن كافية لإثارة انتباه وشد هؤلاء بجرهم لهذا الاشكال “نبش المقابر” الى مختبرهم لمساءلته وفهم ملابساته. مواقف كانت بمثابة عتبة حقيقية للمؤلف من أجل طرح سؤال الغياب والمحو. ليتساءل حول ظاهرة نباشي ولصوص المقابر، التي كتب عليها أن تظل مقبرة لكون شهداء الاثبات هم من الأموات، من خلال سؤال عميق حول ارتباط غيابها وعدم الاقتراب منها بما هو اخلاقي من أبعاد وأنصاف أبعاد. من هنا ما جعل اهتمام المؤلف ينصب ليس على القيم الاخلاقية التي عادة ما توضع كهدف للوجود الانساني، بل على جوانب سلوك مجتمعية تجد في الاخلاق قناة لإنتاج معنى للحياة وللهوية، متسائلا في السياق نفسه حول تجارة العظام البشرية، وتدني الخلق البشري الى هذا الحد من الفعل، ما جعل من حفريات الصمت يتجه صوب رصد نشأة وتكون وانتشار الفاصل بين الاخلاق واللاأخلاق. مع التأكيد على أن الكتاب دعوة لإعادة قراءة تاريخ المغرب في أصعب لحظاته، بتحريك جوانبه الخفية فيه وتفكيك أسباب تكريس المنعطف التاريخي الذي عاشه مغرب القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وفي تقديم خصه المؤلف لهذا الاصدار تم الحديث عن الشائك في تاريخ المغرب وعن غربة وتشعب ما لم تتعود عليه الكتابة التاريخية، بل القضايا التي لا تزال بعيدة عن مختبر ومحترف الباحثين والمؤرخين. والكتاب الذي صنع الحدث بالمغرب ولا يزال، بناء على صبيب نقاش دائر قوي ودرجة اقبال غير مسبوقة على التقاط الفكرة وحجم المبيع والتتبع. الكتاب الذي جاء معززا بكم هائل من الوثائق عن الارشيف المغربي والأجنبي، توزع على خمسة محاور كبرى بنسق إلتقت فيه جدور الظاهرة بما حصل من آفات اجتماعية وطبيعية. كذا الفاعلين من التجار ومشاريعهم في هذا المجال خلال هذه الفترة الحرجة من زمن ما قبل الحماية الفرنسية على المغرب. اضافة لما كان من إجراء مخزني تجاه تأطير ورقابة الظاهرة، ومن ردود فعل ومواقف لعلماء وفقهاء مغاربة، مع محور أخير توجه لرصد من كان من الدول وجهة لتجارة العظام البشرية، وحجم صادرات المغرب خلال بعض الفترات مع مطلع القرن العشرين. ليبقى تهريب هذا النوع من المواد ذات الأصل البشري والانساني/العظام أو الكنطربند كما جاء في الكتاب، هي وجهة غير مألوفة في الكتابة التاريخية ليس فقط بالمغرب بل على صعيد العالم العربي ما يجعها نموذجا للمسكوت عنه في ثقافتنا واهتمامنا. وهي شكلا ومنهجا بمثابة متن جديد مثير للسؤال والفهم، ونقلة نوعية وبجرأة عالية في درجة الوعي بما ينبغي أن تتوجه إليه الأبحاث الاجتماعية كما حقل التاريخ. وما ينبغي الاقبال عليه كإشكالات أكثر انفتاحا على المسكوت عنه، أو المساحات غير المألوفة كما يفضل البعض نعتها. وذلك بما يتجاوب مع اعادة قراءة تاريخ المغرب من جهة، وتحريك جوانبه الخفية بل تعريتها من جهة ثانية. وما يهم تاريخ المغرب في هذا السياق، نفسه ما يؤطر تاريخ البلاد العربية المعاصر ويحتاج إليه بحكم تماس وجوار الهوية.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كفاكم من المفاق واللعب على الأدقان، تتكلمون عن التاريخ وأي تاريخ كتاب تجارة العظام البشرية، يا للعار تأليف مثل هذا الكتاب، فالشعوب الخلاقة والمتحضرة ، هي التي تعمل على ستر فضائها، لأن المعصية المستورة يمكن للحق سبحانه وتعالى أن يغفر لمرتكبيها، أما أن نتياها بمعاصينا فهذه مصيبة كبرى، كفكم تشويها بتاريخنا وكتابة مثل هذه المواضيع اللاأخلاقية، فنرى نويكة يمجدها وهو لا يعلم عنها شيئا، فكفانا من اقتصاد الريع ونوجه إمكانياتنا المادية لأبحاث علمية يمكن أن تعود على بلادنا بالخير، فالتاريخ يبقى تاريخ، لذلك لا بد أن نرى بعيون الحاضر والمستقبل وعدم إقلاق الأموات وتركهم في حالهم، والبحث عن مواضيع تكون فعلا شائكة، كإعادة إصلاح منظوكاتنا التعليمية وخاصة على المستوى الجامعي، بتقليص المواد الأدبية وإدماجها في المقررات العلمية ، تتم معالجتها بشكل شمولي وترك التخصصات للعلوم الحقة وهكذا سنحصل على شباب قابل للانخراط في سوق الشغل وله رؤية وتطلعات مستقبلية جميلة بدل أن يفكر في القبور والمواضيع المشؤومة

زر الذهاب إلى الأعلى