السيتي

الموضوعية في البضاعة الصحفية

الموضوعية كمفهوم قديم جديد يقترن بعالم الصحافة أكثر من أي مجال آخر رغم أن حمولته الفكرية تحمل طابعا فلسفيا أكثر منه تجسيدا وتوصيفا للواقع المادي المعاش ،فإذا كانت العلوم الطبيعية قد حققت نجاحا باهرا في مجال دراستها  فالفضل في ذلك يعود الى تبني المنهج التجريبي ،مما خلق نوعا من الحسد المنهجي حيث عملت العلوم الإنسانية  ومنها الصحافة على استدخال أو استهجان هذا المنهج وتبنيه قسرا وجعله السند في دراسة الظواهر في محاولة جادة منها للإنسلاخ من الذاتية في دراسة مواضيع العلوم الإنسانيية ونقل الوقائع ،فلا موضوعية بدون خلق مسافة عقلية بينك وبين الموضوع المدروس، والتجرد من كل الأحاسيس والأفكار المسبقة العالقة في الذهن وفي ذلك خطوة منهجية رصينة، الغاية منها منع الإختلاط المقصود أو التلقائي بين الذات والموضوع لنقل الحقيقة دون زيادة أو نقصان لكي تتطابق الفكرة المراد نقلها مع الواقع تطابقا تاما، فناقل الخبر بشكل خاص ينبغي أن يعتبر نفسه وسيطا بين الحدث أو الظاهرة والمتلقي مع العلم أنه من الصعوبة بما كان تحقيق هذا الشرط المنهجي بدقة، لأن الإنسان في آخر المطاف هو كتلة مشحونة بالمشاعر والأحاسيس التي تدخل ضمن مكونات شخصيته: أي أن الشخصية هي مزيج متجانس بين ماهو اجتماعي نفسي وبيولوجي، لذا من الصعب  جدا أن يتشبه الإنسان الدارس بالآلة وأن يتمكن من إخفاء انتمائه البشري.

لكن مع ذلك يجدر بنا كدارسين أن نتبنى الحياد في نقل الوقائع حتى لا نمرر المغالطات أو ننقل وجهات نظرنا للعامة، لأن المطلوب أو ما ينبغي أن يكون هو نسخ الواقع كما هو تماما، إلا أن ما هو كائن يبين وبشكل جلي أن الصحافة تحولت من مهنة شريفة إلى أداة خبيثة متخصصة في تسميم العلاقات، لأنها في يد جهات وظفتها لتمرر عن طريقها ما يخدم مصالحها وامتيازاتها خاصة الصحافة الحزبية، وأحيانا أخرى لسان حال الدولة بما يضمن توجهاتها على اعتبارها وسيلة من أجل التحكم والضبط والردع، وهكذا فقدت مصداقيتها وأصبحت في قفص الاتهام مادام أمر براءتها مشكوك فيه، كما أن بعض الأقلام وللأسف الشديد أصبحت بضاعة تباع وتشترى دون اكتراث لما يسمى بالضمير المهني، إذ صارت سلاحا حربيا ووسائل لإثارة الفتن وأداة استفزازية متحكم فيها، إنها دمى في مسرح العرائس تحرك حسب الغاية .

إن المستهلك للبضاعة الصحفية يسجل أن كتابها يميلون – بحكم أنهم بشر- إلى إبداء وجهات نظرهم بطريقة لاشعورية، وأحيانا يكون المقال موجها لتحقيق هدف ما تحت ضغط وإغراء من أصحاب النفوذ، وهم بذلك ينحازون إلى طرف دون آخر وربما أن الكاتب في بعض الأحيان يعتقد في قرارة نفسه أن عدم إضفاء الطابع الشخصي على موضوعه سيجعله جافا وبدون حياة، وهذا ما يسقطنا في فخ الذاتية المفرطة والإنحياز البين.

لقد كانت الصحافة فيما مضى وسيلة مثلى للتثقيف والترويح عن النفس بلغة جذابة وأساليب رصينة ومثيرة للإهتمام تجذب انتباه المتصفح وترغمه ليصبح قارئا مدمنا، أما اليوم فيكفي النظر للعناوين الخلابة بخطوط عريضة ملونة وبارزة مصحوبة بصورة كمثيرات  تبنى كطعم أو كمصيدة على واجهات الأكشاك لتيسر اصطياد المارة، لكن سرعان ما يكتشف القارئ أن العنوان أداة نصب واحتيال.

إن من واجب الصحفي أن يرتقي باللغة ويساهم في تطورها ونشرها لتصبح متداولة بين فئة المثقفين والعامة لكي لا تصبح  مجرد قنطرة صغيرة بين واقع الحال والمستهلك، بل ينبغي أن تصبح غاية في حد ذاتها، فإن لم نجعل تطوير اللغة غاية وهدفا أساسيين ستصبح  فقيرة وفارغة ومهددة بالإنقراض والتلاشي، خاصة وأن بعض الكتاب سامحهم الله جعلوا من المادة الصحفية الدسمة فوق كل اعتبار، ولا ينظرون للغة إلا نظرة ثانوية أو نظرة ميكانيكية استغلالية محصورة في ايصال المعنى فقط، ولايهم إن كانت شحة  مفاهيميا  أو ركيكة أسلوبيا.

 

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بالفعل أصبح الخبر الصحفي سلعة تقدم للمستهلك يحرص بائعهاعلى عرضها في أحسن حلة مما جعل الصحافة اليوم تفقد مصدقيتها .وأصبح الممتهن لمهنة الصحافة يبحث فقط عن الخبر الذي يستطيع به بيع بضاعته.

زر الذهاب إلى الأعلى