العمل الجمعوي…من التطوع إلى الريع

لاشك أن العمل الجمعوي وجه من أوجه العمل الإنساني التضامني الصرف ووسيلة ضرورية لتحقيق التنمية البشرية والرقي الجماعي، وقد تبلور وظهر على الساحة الدولية، بين أحضان الأنظمة الإشتراكية والليبيرالية على حد سواء، لكن سرعان ما امتد وانتشر بين الأمم لوعيها بمدى نجاعته في تحقيق التكافل، التآزر، والتضامن الإجتماعي لأن الفرد الواحد غير قادر على تحقيق ما يصبو إليه اعتمادا على مجهوده الخاص لكونه اجتماعي بطبعه لا قيمة له إذا انعزل عن الجماعة، كما تعد الحاجة إلى تعويض النقص وتدارك الفشل والرغبة الملحة في تحقيق الذات والأمن النفسي والإجتماعي وغيرها من الحاجات الأخرى الأساسية والثانوية، لا تتحقق إلا بالجماعة ومن داخلها، وهذا أمر طبيعي وحتمي لأن الإنسان في علاقته بالإنسان ذو طبيعة وظائفية تشبه العمل الترابطي لأعضاء الجسد… صحيح أن أعضاء الجسد تختلف شكلا وعملا إلا أنها ترتبط جدليا ببعضها البعض من أجل تحقيق التكامل الوظيفي، لذا استقى البشر هذا التكامل من الجسد البشري ليتضامنوا تلقائيا فيما بينهم لتحقيق أهدافهم وتجاوز قصور المؤسسات وعجزها عن تحقيق المطالب الشعبية الآنية.
لكن شتان بين أهداف العمل الجمعوي المسطرة في القوانين الأساسية، ونتائجه على أرض الواقع، إذ أصبحت جل الجمعيات فما مفتوحا في ظل وجود سيولة مالية لتمويل المشاريع التنموية وفي حالة انتظار مستمر لتلقي المنح والدعم تحت ذريعة تحقيق تنمية بشرية في مجالات أصبحت معروفة ومكشوفة لدى الجميع من جملتها نكتفي بذكر: فك العزلة عن العالم القروي والنهوض بأوضاع المرأة والطفولة وانتشال الشباب من الفقر والبطالة والإدمان والانحراف… بإنجاز مشاريع مذرة للدخل، فينجز شطر مما منح وينتفع الأعضاء بما تبقى بطريقة مشرعنة حيث يدرج الباقي ضمن خانة المصاريف والمصاريف الخاصة.
إن العيب الكبير الذي يشوب العمل الجمعوي على الأقل في بلادنا هو طغيان الشكل العائلي أحيانا أو القبلي أحيانا أخرى وناذرا ما نجد جمعية شرعية قد استوفت شروط الديمقراطية أو الديموقراطية التمثيلية. وهكذا أصبحت الجمعيات والتعاونيات عائلية وعلائقية على غرار التنظيمات الحزبية وغيرها، وليست وطنية على الرغم من وجود بوادر أفول النوع الأول وبروز النوع الثاني لكنه انتقال بطيء ومشلول، بل أكثرمن ذلك حادت بعض الجمعيات عن وظيفتها حين أصبحت أداة لجمع أصوات الناخبين وحلقة وسطى بين الأحزاب و العامة وهذا ما أفقدها براءتها وجردها من إنسانيتها وبخست من قيمة وسمو أهدافها.
لقد تغير هذا المفهوم الإنساني ربما بتغير قيمنا وأخلاقنا التمثلية للعمل التطوعي، وطغيان النظرة الربحية البراغماتية على جل سلوكاتنا التي قد أصبحت محصورة في كل ما ينفعنا دون غيره، إن العمل الجمعوي قيمة إنسانية نبيلة وسامية لكنها لا تنمو وتترعرع إلا في ظل التضحية الفردية والجماعية بالمال والوقت والبدن، ويتم ذلك أحيانا على حساب العائلة والأسرة، إذ هكذا فقط نتقاسم مع المستضعف معاناته وهمومه اليومية حتى يصبح لعملنا جدوى، لكن وللأسف الشديد أصبح هذا التنظيم الإنساني وسيلة قانونية للتسول والإستجداء لخدمة المصالح الشخصية والخاصة، ليلوث هذا المفهوم ويصبح وجها آخرا من أوجه الريع .
كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن الدعم الغربي للعمل الجمعوي في دول العالم الثالث متخم بالمصلحية والغائية، فقد جرت العادة أن يستغلوا ظروف الفقر والعوز والحاجة للقيام بالحملات التبشيرية التنصيرية، وجعلها غطاء إنسانيا للقيام بالأعمال التجسسية والتحكم السياسي في مصير الشعوب واستنزاف خيراتها أبشع استغلال، وأكثر من ذلك وسيلة دنيئة لإشباع حاجاتهم الجنسية الحيوانية.
إن الدعوة إلى تبني هذا المنهج التآزري لم تكن وليدة النظريات السوسيو-اقتصادية فقط، وإنما يعد الدين الإسلامي هو الآخر، مدرسة تكافلية صرفة بامتياز، من خلال دعوته للتعاون والإتحاد وكفالة اليتيم ومساعدة الفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل، وكذا من خلال حثه وتركيزه على ضرورة إيتاء الزكاة إلى مستحقيها… وما أحوجنا إلى ضرورة التقيد والإلتزام بهذه التوجيهات العملية الصريحة، لأنها سبيل ناجع للتخفيف من مجموعة من المشاكل الإجتماعية المرضية التي يتخبط فيها مجتمعنا.




