السيتي

الثــــــــمن

ستشرع جرسيف سيتي في نشر سلسة قصص قصيرة للأستاذ امحمد الريسي ، سبق أن نشرت بصحيفة الصباح الورقية.

الأستاذ الريسي من مواليد سنة 1966 بمدينة تازة هناك تلقى تعليمه الإبتدائي و الإعدادي و الثانوي ليتوجه بشهادة الباكالوريا شعبة الآداب العصرية سنة 1988، بعدها كان له موعد مع التحصيل الجامعي بجامعة محمد الأول بوجدة حيث تخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنيله لشهادة  الإجازة في الأدب العربي.و في سنة 1993 إلتحق بالمركز الجهوي لتكوين المعلمين بتازة و عمل في ميدان التدريس منذ تخرجه بإقليمي كلميم  التي أمضى بها سنتين قبل أن ينتقل الى “مجموعة مدارس تادرت” بإقليم جرسيف سنة 1997 وبها بقي أستاذا الى غاية   أن  إلتحق بسلك الإدارة سنة 2012، المهمة التي لايزال يزاولها الى الآن .

ويمتلك الأستاذ امحمد الريسي ملكة جيدة في ما يتعلق بفن الرواية و القصة من خلال ما راكمه من قراءات لمختلف الكتاب و المبدعين ناهيك عن صقل موهبته بعديد التجارب الإنسانية التي مرت معه ومنها هذه القصة القصيرة التي نسج خيوطها من وحي واقع معاش ، لاشك أن القارئ سيجد أوجها للتشابه بين أحذاثها وبين مشاهد مرت معه في حياته.

raaissi p

القـــــصة القصــــيرة بعنوان : الثــــمن

نشرت بجــــريدة الصــــــباح عـــدد 1798 .

 

خلف تلال متسلسلة، تتوارى متباعدة نحو الشمال، حيث أعماق جبال الريف الوعرة، تنبث قرية صغيرة وديعة تلتصق كوشم بارز على كتف الجبل الكبير.. جبل تغلفه خضرة يانعة لأشجار التين و الزيتون و اللوز،فجعلته يبدو كبستان كبير معلق..دور صغيرة وطئة مطلية بجير أبيض ناصع ،تلتصق في ما بينها أو تتباعد، و من جنباتها الرطبة تعبق روائح عروش النعناع المغروسة في أحواض صغيرة.

وأمام كل باب بيت تمتد ساحة قد تصغر أو تكبر قليلا تنتصب في بعضها بنايات صغيرة دائرية لآبار حفرت لتنقذ أصحابها من ظمأ الأيام الحارة،وكثيرا ما تعتبر هذه المساحات بمثابة مرابط مؤقتة للدواب و البهائم نهارا،أو أماكن للتسامر خلال ليلي الصيف الممتعة.

و ما يلفت الإنتباه ، تلك الطريق الترابية الضيقة التي تخترق المكان بالتواءات كثيرة كالأفعى و هي تنحدر بشدة من أعلى القرية نحو هوة الوادي العميق، و التي ما إن تصل إليه حتى تبدأ في التسلق صاعدة إلى الجانب الآخر  عبر منعرجات صعبة لتلتصق في النهاية  بطريق معبدة خربة موروثة من زمن الإستعمار، وقد طالها الإهمال لسنين عديدة،فلم يعد يظهر على أديمها سوى بقع صغيرة من الإسفلت  تتوزع هنا و هناك على طول الطريق. و على علتها تعتبر هذه المسالك معبرا حيويا من خلالها يستطيع السكان النفاذ إلى الأسواق المجاورة أو إلى المدينة قصد العلاج أو قضاء بعض الحوائج الإدارية المهمة..وتعبر (البيك- أب) السيارة الوحيدة القادرة على ارتياد القرية و في بعض الأيام فقط،لأن هذا الشريط الترابي البئيس سرعان ما يصبح ذا أهمية مع سقوط أول قطرة مطر، فتستحيل بذلك مغادرة أو دخول القرية،فيرزح الكل تحت رحمة حجز طبيعي لا يستطيعون الفكاك منه إلا بعد أن يرحل الشتاء القاسي.

في هذا اليوم القائظ في أول أيام الخريف ، إنتبه السكان لأصوات محركات بعض السيارات و هي تتقدم في تؤدة محو القرية، بينما هب بعض الصبية مسرعين يلاحقونها و هم يتصايحون في مرح، و غلفت أجسادهم النحيلة سحابة كثيفة في الغبار المتطاير الذي تخلفه وراء العجلات و هي تدور في صعوبة متسلقة الطريق المترب نحو أعلى القرية.و ما إن شارفت بيت جلول حتى إنعرجت يمينا نحو الساحة الصغيرة  التي تتوسطها في شموخ شجرة توت عملاقة ترمي بظلالها الوارفة فتلامس  كل جنبات المكان… وعند سماعه هدير محركات السيارات بالقرب من بيته، هب جلول نحو الخارج، و قد سطر على شفتيه إبتسامة عريضة، سرعان ما ضاعت  و هو يهدد بحركات عصبية الصبية الذين تحلقوا حول زواره،ففروا خائفين و هم يتوارون خلف أشجار الزيتون الكثيفة…تقدم جلول نحو ضيوفه و بدأ يصافحهم بحرارة مع قيامه بانحناءة خفيفة تبين بجلاء قيمة الزوار عنده.

..مر الوقت ثقيلا ، و عيون الفضوليين من أهل القرية  ترقب بلهفة ساحة منزل جلول…إنهم يتحرقون شوقا لمعرفة هؤلاء الغرباء  و سبب زيارتهم لبيت السي جلول – كما اعتادوا على مناداته -. وما إن سمعوا محركات السيارات تدور استعدادا للمغادرة حتى هبوا في عجلة قاصدين  بيت جارهم للسؤال و الإستفسار.كان جلول- حينئذ – يقف مزهوا في شموخ ظاهر واضعا يديه خلف ظهره، و هو ينظر جهة القوم و هم يتقاطرون على بيته، و بعد أن تجمعوا حوله قفل راجعا نحو بيته، و قال و هو يصفق الباب خلفه بقوة: ستعرفون كل شيء الليلة  بعد صلاة العشاء في المسجد، لقد ترك وراءه جموعا حيارى من الناس يحملقون بنظارات ضائعة، ثم ما لبثوا أن غادروا المكان يفترسهم فضول كبير لا يقاوم.

بعد صلاة العشاء وفي مسيد القرية الضيق، تحلق الرجال حول شمعدان نحاسي كبير يحمل شمعة يتيمة ذاب نصفها،توزع ضوءا خافتا لا يكاد يعم كل المكان، أدار الكل وجوههم نحو جلول يرقبونه بشغف كبير عله يجود عليهم بكلام يطفئ نار الفضول التي يكتوون بها..تململ جلول في مكانه ومد يده بحركة عفوية ليمسح وجهه كأنما يحاول استجماع شتات كلمات ضاعت منه،رد البشير في عجلة – و هو شيخ كبير وقور يعتبر مرجع أهل القرية في كل أمورهم – : ما عهدناك إلا رجلا مستقيما..طيبا و ذا رأي ثاقب.و قبل أن ينهي  الشيخ كلامه اهتزت رؤوس القوم بحركات تؤكد قوله.رفع جلول رأسه مجددا نحوهم، و أجال بنظرات قلقة في وجوههم وهو يقول : كما يعلم الجميع، أصبحت الإنتخابات على الأبواب و هؤلاء الزوار جاؤوا يرغبون في فضلكم…وفي تلك اللحظة انتفض أحدهم واقفا، و تقدم بعصبية نحو جلول، و هو يصيح في وجهه : جلول ، أدخل سوق راسك تجاربنا الخائبة مع مثل هؤلاء عديدة، و أهلنا ما عادوا رؤوسا تحسب أرقاما تتلى نهاية كل اقتراع.صمت الرجل لحظة وهو يبتلع ريقه ثم تابع كلامه و هو يصيح : كل من مروا من هنا فازوا، بينما ظلت قريتنا ككرمة تين مهملة يعيش فيها (بوفسيو).أكمل كلامه ثم خرج من باب المسيد و هو يردد : لا تكل سمسارا قذرا يا جلول..كاد الجمع ينفض بعد هذا الحدث، لولا أن سمع القوم الشيخ البشير يقول : ما الجديد عند هؤلاء يا جلول،أو لنقل ما هي وعودهم لنا ؟

– الخير كل الخير ،رد جلول بسرعة، وقد غمره أمل كبير في إمكان نجاح وساطته، ثم أردف يقول بصوت قوي : كعربون على صدق نيتهم ، قالبا سكر لكل رأس غذا يوم السوق ، ومائة درهم عن كل ورقة يدلى بها يوم الإقتراع، و من أراد أكثر من هذا  فهو جشع بين.

– ما هذا بجديد يا سي جلول، أصواتنا ليست بخسة إلى هذا الحد، و نحن ما عدنا نقبل بلعبة تنتهي بنا إلى خسارة شنيعة يضيع فيها آخر نفس من كرامتنا، وأنت يا جلول لست غريبا عن قريتك حتى تغيب عن عينيك حاجاتها..صمت البشير برهة، ثم صوب سبابته نحو جلول و هو يقول بصوت مرتفع: إننا نؤكد على الطريق..سئمنا العزلة المضروبة علينا..الطريق الطريق يا جلول و لا نكره أيضا أن توجد بين ظهرانينا مدرسة و.. قاطعه جلول و هو يمازحه في محاولة لتلطيف الجو الذي ينذر بالتشتت خاصة أن هناك بعض الأصوات و الهمهمات الرافضة بدأت تتعالى من جنبات المسيد: لن نكون طماعين أكثر، نقبل بعرضهم الأول ثم نطالب بأشياء أخرى بعد الإقتراع.قال كلامه هذا و هب واقفا، و قبل أن يخرج وقف بباب المسيد و هو يقول : الخبر في رؤوسكم يا جماعة فافعلوا ما ترونه صائبا..و على وقع كلماته الأخيرة، انسحب الرجال خارجين من المسيد في صمت سرعان ما ابتلعهم الظلام الدامس الذي أطبق على القرية.

..و في مساء الغد، كانت الطريق تعج بقوافل العائدين من السوق، و قد علا البشر وجوههم، و ثقلت أحمال دوابهم بقوالب السكر و تفاخر البعض بكونهم غافلوا أصحاب السكر و أخذوا قسطا مضاعفا يزيد على ما اتفق عليه.

..و مرت الأيام متسارعة، نفذ خلالها السكر من البيوت، و ذابت المائة درهم القليلة مع المصاريف اليومية الهائلة، ونسي الناس أمر الانتخابات و صخبها، و انشغلوا في أعمالهم اليومية، أما جلول فقد انصب اهتمامه على زوجته المقبلة على الولادة و قد غمره شعور بالراحة لأن ما كسبه من مال كوسيط خلال الإنتخابات سيجعله في منأى عن ثقل المصاريف الزائدة التي تتطلبها الولادة و حفل العقيقة.

..خلال اليومين الأخيرين، بدأت تظهر في الأفق الطلائع الأولى لسحب لسوداء، جعلت تخترق زرقة السماء شيئا فشيئا، فكستها غطاء رصاصيا قاتما تمزقه من حين لآخر خيوط البرق المتشعبة، و المتبوعة بقصف قوي لرعد يصم الآذان..لقد أطبق على المكان جو كئيب ينذر بقرب تساقط الأمطار الخريفية  الأولى ، والتي غالبا ما تكون قوية و مسترسلة،قد تدوم لأسبوع كامل أو أكثر، وهذا ما حدا بأهل القرية بتخزين ما يكفي من المؤونة في بيوتهم، ورص المزيد من الحطب داخل مخازنهم المتواضعة تأهبا للفصل المطير..

..وهاهي القرية الآن تغرق في سيل عارم من الأمطار.

في خضم هذا الجو المضطرب،استيقظ أهل بيت جلول فجرا على صراخ الزوجة تطلب الغوث و الفكاك،إن المخاض أتاها، فرفعت – المسكينة – حنجرتها المبحوحة بصياح قوي يوضح ما تعانيه من ألم شديد يعتصر رحمها المنتفخ و هو على أهبة التمزق.سمع جلول الصياح الذي طن أذنيه فهب من نومه مفزوعا، و دون تباطئ وضع على ظهره ما وجد من لباس، و خرج مهرولا للبحث عن قابلة القرية، و عاد بها مسرعا إلى بيته و قد تشربت ملابسهما ما يكفي من بلل الأمطار المنهمرة دون إنقطاع..لما دخلا،وجدها مازالت تتمزق  ألما و قد أحاط بها صغارها الأربعة و هم ينظرون إليها بعيون وجلة، تتلألأ داخلها قطرات من دموع حارة على وشك النزول.بسرعة مررت القابلة بيدها على بطن المرأة، مستنجدة بتجربتها الكبيرة  و الطويلة في ميدان التوليد، ثم رفعتها بعجل، وندت عن فمها الفاغر صيحة انزعاج، التفتت ناحية جلول و قالت بشفتين مرتجفتين: جلول، المرأة في حالة خطيرة..ستفيض روحها إن لم تنقل إلى المستشفى ثم صمتت، و لما لم ينبس جلول بكلمة واحدة.قالت و هي تحثه على التحرك: لن أستطيع فعل شيء ، حالتها مستعصية، عليك استدعاء سيارة ( البيــك – أب) وانقل زوجتك إلى المدينة.وزع جلول نظراته الشاردة إلى زوجته و القابلة دون أن يقوى على الكلام أو الحركة..لطم جبهته العريضة بكفه ،كأنما حاول إبداء أسف لم ينفع على شيء ضاع و إلى الأبد،ثم خرج مذهولا و هو يهذي كالمجنون، الطريق موحل، الطريق مغلق، رباه لقد أضعت الطريق يوم اخترت قوالب السكر..لقد خسرت الطريق يوم قبلت المائة درهم.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى