السيتي

في الحاجة إلى المسرح المدرسي

“أعطني مسرحا.. أعطك أمة”؛
مقولة متواترة مقتضبة جدا، تحمل في طياتها معاني كثيرة، وتبرز الدور الكبير للمسرح في التنشئة والتربية العامة على جميع المستويات ولمختلف الأعمار. وإذا كان المسرح بكل أصنافه يفضي إلى تكوين أمة أو شعب عظيم، فإن أن مسرح الطفل ومنه المسرح المدرسي يعتبر اللبنة الأساس لبناء الجيل المثقف، وتكوين المواطن الصالح، المتشبع بالقيم النبيلة والسامية، الواعي بنفسه وبمحيطه، والمتفاعل مع قضايا وطنه والعالم من حوله..

حول المفاهيم: المسرح، المدرسة، المسرح المدرسي

عندما يُذكر المسرح، تتبادر إلى الذهن الفرحة والمتعة والفرجة والترفيه والترويح عن النفس.. إنه من الفنون الجميلة الممتعة التي بدأت مع حياة الإنسان المبكرة، وهو مدرسة من مدارس الحياة وحركتها وديمومتها، بل هو صورة من صورها. أما المدرسة فهي هيئة اجتماعية رسمية، تتولى وظيفة تنشئة الأبناء والبنات، وتعمل على رفع قُدراتهم ومهاراتهم في شتى المجالات، بما يتيح لهم فرص الاندماج في المجتمع، وهي تقوم إلى جانب الأسرة ومؤسسات أخرى بوظيفة التنشئة الاجتماعية للفرد، وزرع القيم لديه، كما أنها المكان التربوي الذي يهتم بتربية الطفل تربيةً سليمةً من جميع النواحي (الحس ـ حركية، العقلية، المعرفية، الوجدانية..) في إطارٍ من البرامج والمناهج المحددة سلفا، بهدفِ تكوين شخصيته لتكون متزنة ومتوازنة، وبغايةِ أن تجعل منه مواطنا صالحا.

و[المسرح المدرسي في عرف المختصين بالدراسات المسرحية يُعدُّ نوعا من أنواع مسرح الطفل، غير أن بعضهم يعرّفه بقوله: “هو لون من ألوان النشاط يؤدّيه المتعلمون في مدارسهم تحت إشراف معلّميهم داخل الفصل الدراسي أو خارجه في صالة المسرح المدرسي وعلى خشبته.. أو خارج الصالة في حديقة المدرسة أو ساحتها. وإذا كان المسرح المدرسي يقترب كثيرا من المسرح باعتباره فنّا من الفنون الأساسية التي عرفها الإنسان ومارسها منذ أقدم العهود، فإن المسرح المدرسي يحتفظ لنفسه بفلسفة خاصة تتناسب مع طبيعته ووظيفته الأساسية]. (د. حسن مرعي، المسرح المدرسي..).

يُستشفّ من هذا التعريف أن للمسرح المدرسي فلسفته الخاصة التي تميزه عن المسرح عامة، ذلك أنه يُسهم في تحقيق التقدم الدراسي الدائم، ويعين على التحصيل، والتزود العلمي ،والأدبي والفني.. وينمي استعدادات المتعلمين، ويرفع من قدراتهم ويستثير مواهبهم، ويوّجههم الوجهة الصحيحة والسوية، بما يشكل مواصفات المتعلم المستقبلية، وبما يجعله قادرا على التكيف مع الوضعيات الحياتية المختلفة.

أهمية المسرح المدرسي

لا تختلف أهمية المسرح المدرسي عن أهمية المسرح بشكل عام، على اعتبار أن المسرح فضاء يقدم للمتفرج المتعة الحسيّة والفكرية، ويجعله – بعد أن ينتهي العرض ويزول أثره اللحظي – يستدعي ويسترجع ما أحدثه هذا العرض فيه من إثارة لقضايا حياتية.. ومن ثم، فبعد أن تنتهي لحظة المتعة الحسية والجمالية، تبقى لوقت طويل لحظات المتعة الفكرية. بينما إذا عدنا إلى المسرح المدرسي، سندرك أنه يحقق أيضا للمتعلم والمتعلمة جانبي المتعة الحسية والفكرية مع اختلاف درجاتها، أعني بذلك أن المسرح المدرسي [يساعد الطفل على تحقيق التكيف المدرسي، وتعديل سلوكه اليومي بواسطة ما يبعثه في الطفل من إحساس بالمتعة والنشاط وروح المرح في العمل المدرسي، فتزداد دافعيته نحو التعلم والاندماج في عالم المدرسة الذي أصبح بفعل الأنشطة الموازية مصدر متعة، وأصبحت الحياة المدرسية مقبولة ومرغوبة ومحبوبة]. (د. أحمد صقر، المسرح المدرسي: تعريفه، أهميته، مصادره ومقوماته الفكرية والجمالية).

إن المسرح المدرسي بذلك يحقق جوانب المتعة الحسية، بل أكثر من ذلك، يزيل بعض المعوقات النفسية والاجتماعية الخاصة بالطفل المتعلِّم، ويهذب سلوكه بحيث يفجر الطاقات الزائدة في سلوكه عندما يتصف بشيء من العدوانية أو العنف، فيمتصها. وقد يساهم في تنمية قدراته التخيّلية ويزيد من قوة الإدراك والملاحظة.

هذا، [والمسرح المدرسي يحقق جانبا كبيرا من المتعة الفكرية، ذلك أنه يسهم في توصيل المعلومات الدراسية التي يتم تقديمها في قالب ممتع وشيّق. وهكذا، يصبح النشاط التمثيلي وسيلة لإمداد الطفل بمعلومات تاريخية واجتماعية وعلمية جديدة؛ لأن أثر اللعب التمثيلي أعمق وأبقى من آثار الشرح التقليدي الرتيب، ولأن الطفل يكون في حالة تلبية واستجابة تجعله أشدّ شوقا وأعظم انتباها وإقبالا على ما يمارسه]. (د. أحمد صقر، المسرح المدرسي..).

وثمة مسألة أخرى لا بد من التأكيد عليها ونحن نتحدث عن المسرح المدرسي؛ ذلك أن مؤطري هذا النوع من المسرح، أو المشرفين عليه، أو المشاركين فيه بالتمثيل والتأليف، لا بد أن يستندوا إلى مجموعة من المعارف، كعلوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم البيولوجيا.. نظرا لكون [المسرح وسيلة إصلاحية تطهيرية، ووسيلة علاجية، ووسيلة جمالية إبداعية، ووسيلة تلقين ونقل المعرفة والمهارة، كما أنه وسيلة إشباع حاجات الطفل ليتكيف مع الذات والموضوع، ويحقق النمو البيولوجي السليم]. (د. مالك نعمة غالي المالكي، أهمية المسرح المدرسي ومسرح الطفل وتداخلهما لتحقيق أهداف تربوية ..).

ختاما

يعتبر المسرح المدرسي جزءا مهما من النشاط الثقافي والفني والتعليمي التعلّمي الذي يستهدف تطوير الأولويات الضرورية لسلامة وصحة المتعلمين والمتعلمات، وتنوير المجتمع بقضايا الطفل والأسرة، وقضاياه هو في حدّ ذاته (المجتمع) انطلاقا من رؤية الطفل والمدرسة ومقاربتهما. والمدرسة النموذجية هي التي تولي النشاط المسرحي اهتماما واضحا بما يكشف عن مواهب المتعلمين، ويفجّر طاقاتهم، ويبرز ميولاتهم ورغباتهم، ويُظهر استعداداتهم، ويغرس فيهم روح التسامح، ويبعدهم عن العدوانية، ويضمن لهم تكافؤ الفرص، ويشعرهم بالمساواة، ويساعدهم على مواجهة الحياة في وضعيات مستجدة ومختلفة. هذا، والمسرح المدرسي يعتبر لبنة أساسية من لبنات الدعم التربوي؛ فبإمكان المدرسة اعتماده كمجال فاعل لعلاج مظاهر التعثر الدراسي أو التأخر الدراسي أو الفشل الدراسي.

عبد الوهاب لمقدمي 

فاعل تربوي وكاتب

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى