السيتي

مات “بدر الدين”كما آخرون،في زمن أصبح فيه الإحسان شيمة نادرة..

غادرنا الى دار البقاء الطفل بدر الدين برتال الذي نشرنا نداء لمساعدته على القيام بعملية جراحية على مستوى النخاع الشوكي،وهو مستسلم لقدره المحتوم بعدما فقد الأمل في بني جلدته بأن يمنحوه شيئا من فضل الله الذي رزقهم إياه،وذهب وترك معه حياة مهما عاشها الأخرين حلوة أو مرة،فلابد أن يأتي الدور عليهم يوما ما ولن تنفعهم اموالهم التي اكتنزوها أو صرفوها على مجد زائل..

هذه هي الكلمات التي علق بها صاحب النداء وفي قلبه غصة لا تزول الى حين،والذي طلب منا نشره قبل مدة تحت عنوان: الى كل القلوب الرحيمة: طفل يحتاج لعملية بكلفة 25 مليونا سنتيما لزرع النخاع الشوكي،بعدما قام بمجهود كبير في طرق أبواب المحسنين وعلى رأسهم منتخبي الحزب الذي ينتمي إليه،لكن لا حياة لمن تنادي،وولد لديه ذلك صدمة تعري كل الشعارات الزائفة وتعكس واقعا مجتمعيا تلاشت فيه أيادي الإنفاق في سبيل الله.علما أنه لا تربطه بالمريض أية معرفة مسبقة بل فقط تأثر لحاله وحاول مساعدته،وكتب في رسالة الى الموقع : “توفي الطفل بدر الدين برتال رحمه الله… لا أعرفه شخصيا، لكنني تألمت لحاله و لم أدخر جهدا لمساعدته …الله غالب و صدمني نبأ وفاته… لأنه طفل ينحدر من أسرة فقيرة لم يلق العناية الكافية في المستشفى، و لم يستجب أحد لنداء طلب المساعدة الذي نشرناه و أعدنا نشره عدة مرات مع الأسف…إتصلت بأكثر من جهة و أكثر من جمعية و أكثر من شخصية، خصوصا برلمانيي و وزراء حزبنا…لم يجب أحد على الهاتف و البرلماني الوحيد الذي أجابني لم يقم بشيء…عدا برلمانية أخرى والتي تفاعلت مع الطلب الله يجازيها بخير..”

هي حكاية الطفل بدر الدين الذي ذهب الى تلقي العلاج للمرة الأولى بتاريخ 09/08/2014 بالمستشفى الجامعي بفاس ،وبدأت حالته تتدهور بتاريخ 11/06/2015،و تم اخضاعه حينها لبرنامج شبه يومي لتصفية الدم قبل التخلص منه بدعوى عدم قدرته على شراء دواء  (le serum anti lymphocytaire) وتم إيداعه بعد ذلك  بمستشفى تازة الإقليمي قبل أن يلفظ هناك أنفاسه الأخيرة،ويغادر في صمت.

قصة من بين عشرات الحكايات الدرامية التي يعيشها مجتمعنا،والتي على ما يبدو لم تعد تحرك فينا ساكنا،ربما لأننا ابتعدنا عن الله وعن القيم المجتمعية التي تحث على العطاء و التضامن ومساعدة الأشخاص في وضعية صعبة،وربما أن مدرستنا لم تعد تغرس هاته الخاصية النادرة أمام تنامي حب الذات و الأنانية والرغبة في التملك.قد يستطيع المرء المرتاح ماديا أن ينفق أموالا طائلة في سبيل غذاء فاخر مثلا أو إرتياد فندق مصنف لقضاء ليلة أو ليلتين، أو السفر لمشاهدة مباراة في كرة القدم في مكان بعيد،..وغيرها.لكنه لا يستطيع أن يقدم درهما واحدا لسائل يحرجه أمام زملائه وهو يحتسي فنجان قهوة بمقهى في أقصى المدينة..

قبل الوازع الديني،لابد من التذكير على أن الأمر له علاقة بمبادئ قانونية تحمي الأشخاص الموجودين في وضعية الخطر،وتسن لهم بنودا للتغطية الإجتماعية والتكفل بالأمراض و الرعاية المصاحبة،وبالتالي فالمواطن له الحق على الدولة في الصحة والتعليم و الشغل و السكن،وليس منة أو استعطافا ينتظره المواطن منها،وهذا ما يؤكد بالملموس على أننا لازلنا في بداية سلم محاكاة الدول المتقدمة أو بالأحرى لم نجد بعد ذلك السلم أصلا.

*إكراما للمرحوم، تحفظنا عن عدم نشر صورته،لأن الغاية من المقال هو التطرق لظاهرة عامة،وليس لحالة خاصة.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى