سعيد شملال الناقد السينمائي الذي غاب عن زُقاق الحيّ وظهر في ساحات المدائن

سيرا على نهج الموقع في تسليط الضوء على شخصيات بالمجتمع طبعت مسارها في مجال من المجالات،وبعد الحلقة الأولى من جنس “بورتريه” الذي إلتقينا فيه مع الطبيب توفيق بلمامون، نقترح على قرائنا الأوفياء هذه الحلقة مع أحد السينمائيين الشباب الذين يفتخر بهم إقليم جرسيف نظير ما يقدمه من إسهامات وبحوث أكاديمية تحظى بالتقدير لدى المهتمين على المستوى الوطني.
***
بين سهول قرية صغيرة تنتصب على أقدام جبل بويبلان الشامخ رآى سعيد النور في سنة 1982 دون أن يعلم شيئا عن يوم وشهر ولادته المضبوطين؛ شأنه في ذلك شأن عدد كبير من المغاربة الذين حالت ظروف البعد عن مراكز الحالة المدنية عن توثيق تاريخ ميلادهم الحقيقي. لذلك تجده مقتنع إداريا بأنه من مواليد 1982/1/1.
سعيد شملال إبن دوار اسميو التحتاني بجماعة راس لقصر بإقليم جرسيف، ينتمي إلى أسرة بسيطة من أب فلاح لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وأمّ كانت حافظة لنصف القرآن الكريم في كُتّاب المسجد قبل أن يُُفْتكّ من صدرها كما قال الرسول الكريم “تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تَفصّيا من الإبل في عقلها”، وذلك بفعل انشغالات الحياة والإعتناء بأعباء البيت ورعاية الأبناء الثمانية.

ولأن الوالد حُرم من التمدرس، كان همّه هو والوالدة حرصهما على تدريس إبنهما على غرار بعض إخوته وأخواته، لكي لا تتكرّر نفس المأساة المعرفية ورغبة منهما في رسم معالم حياة أفضل للأبناء. فكانت بداية مشوار التلميذ سعيد بمجموعة مدارس أبياض موسم 1990/1989، قبل أن يهجر أهله وعالمه الصغير إلى مدينة جرسيف، هناك تابع دراسته الإعدادية بمؤسسة 11 يناير الإعدادية موسم 1995 – 1994 ثم انتقل إلى ثانوية الحسن الداخل موسم 2000 – 1999 وتَوّجَها بالحصول على شهادة الباكالوريا سنة 2002 في شعبة الآداب العصرية.
مرحلة الدراسة بالمدينة كانت هي الأصعب في مشوار سعيد شملال على الإطلاق، مثله مثل باقي المنحدرين من العالم القروي وليس لديهم قريب أو عائلة،حيث لا يجدون مأوى لهم غير القسم الداخلي بالمؤسسة (داخلية الحسن الداخل؛ التي قضى بها سبع سنوات). وكانت السنة الأولى من الإلتحاق بجرسيف من أصعب اللحظات التي عاشها في حياته وهو في سن لا تتجاوز الإثنى عشر سنة، ولم يستطع التأقلم مع الظروف الجديدة، وخلال تلك السنة كان يذرف الدموع كلما التقى بإحدى الجارات أو نساء يعرفهن من العائلة. “بيد أن مغادرة بيت العائلة في سن مبكرة كان له الأثر الكبير على استقلالي الذاتي والفكري، حيث الاعتماد على النفس كان هو أهم شيء تعلمته في ظل هذه الظروف”، يقول شملال عن نفسه.

“الحصول على لقمة العيش أولا” هي جملة تردد صداها بقوة بداخله بعد الحصول على الباكالوريا، وهي التي عجّلت باجتيازه ونجاحه في مباراة المركز الجهوي التربوي بوجدة، والذي تخرج منه صيف 2006 في تخصص اللغة الإنجليزية. وبعدها كانت البداية الثانية في التحصيل الأكاديمي، حيث خضع لتكوين منظم من طرف المركز المغربي للتربية المدنية بالدار البيضاء وحصل على شهادة خريج المعهد الصيفي الثاني ل: “مشروع المواطنة” (Project Citizen)، وفي السنة الموالية نال الطالب شملال شهادة الإجازة في اللغة الانجليزية من جامعة محمد بن عبد الله، ظهر المهراز بفاس، ببحث تحت عنوان: “الطابوهات في السينما المغربية: فيلم ‘ماروك’ نموذجا”.
مشوار الطالب الباحث سعيد شملال سيتعزّز بإضافة شهادة أكاديمية أخرى إلى رصيده المعرفي، بحصوله موسم 2009/2010 على شهادة الماستر بوحدة: “الدراسات الثقافية: الثقافات والهوية في المغرب” (باللغة الانجليزية) بجامعة محمد بن عبد الله، حيث كان موضوع بحث نيل شهادة الماستر تحت عنوان: “إعادة اعتبار التهميش الاجتماعي في السينما المغربية المعاصرة 1999-2008”. وهو حاليا بصدد الإشتغال على أطروحة الدكتوراه حول السينما المغربية باللغة الانجليزية، في موضوع: “النوع، الهوية والفضاء في سينما المخرجات بالمغرب” بنفس الجامعة.

الحديث عن تجربة ذ.سعيد شملال في الميدان الثقافي هو حديث عن ركوب أمواج تحدي الزمن والجغرافيا والشخوص، فهو إلى جانب عمله المهني حاليا كأستاذ للغة الإنجليزية بثانوية المستقبل بجرسيف، هو أيضا باحث سينمائي وفاعل جمعوي، وحضر العديد من المهرجانات الثقافية الوطنية، وألقى بعض المداخلات بمجموعة منها، كما أنه كان ضيف إحدى حلقات البرنامج الأمازيغي “أسراك” الذي أنتجته القناة الأولى المغربية، وتناول فيه سيرة المقاوم الورايني محمد مزيان بنقدور (يوم البث: 10/ 09/ 2009). كما شارك في مجموعة من اللقاءات الفكرية والندوات السينمائية داخل المغرب (إيموزار كندر، فاس، الراشيدية، مكناس، سيدي قاسم، بولمان، صفرو، تاهلة، جرسيف، طنجة، تطوان ومراكش…)، وإجراء عدة مقابلات إذاعية مع إذاعة الرباط الدولية (قسم الإنجليزية)، والإذاعة الأمازيغية والإذاعة الوطنية (فرعي فاس وطنجة).
الناقد السينمائي سعيد شملال له كَمّ غزير من الإسهامات بمجموعة من المقالات في بعض الصحف والمجلات الوطنية والعربية، ومن بين هذه المجلات: “نزوى” (سلطنة عمان)، “الدوحة” (قطر)، “السينما العربية” (لبنان)، جريدة “الفنون” (الكويت)، “طنجة الأدبية”، “سينيماغ” (المغرب)، “وشمة” (المغرب)، “آفاق” (المغرب)، كما أنه راكم عدة إنتاجات فكرية، ومنها المشاركة في ثلاثة إصدارات نقدية من منشورات الجمعية المغربية لنقاد السينما وهي: كتاب حول التجربة السينمائية للمخرجة المغربية فريدة بنليزيد (2010)، وكتاب حول التجربة السينمائية للمخرج المغربي الجيلالي فرحاتي (2011)، وكتاب حول التجربة السينمائية للمخرج المغربي حكيم بلعباس (2014). بالإضافة إلى مشاركته في كتاب حول التجربة السينمائية للمخرج المغربي أحمد البوعناني من منشورات مهرجان الراشيدية للسينما (2012).
حضور الباحث في المهرجانات السينمائية مكنه من الإسهام في كتابة عدة عناوين أخرى أغنت الخزانة الوطنية السينمائية، حيث شارك في الكتاب الجماعي: “شفشاون… في عيونهم” (منشورات مهرجان شفشاون للفيلم القصير هواة سنة 2002)، والمشاركة في الإصدارات الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة لنادي السينما بإيموزار كندر بمواضيع: “الذات والآخر في السينما المغاربية”، 2011″، “الجمالي والإيديولوجي في السينما المغاربية” (2012)، “دلالة المقدس في السينما المغاربية” (2013)، “وظائف الصورة السينمائية في المجال المغاربي”(2014). وفي الإصدار المشترك بين نادي السينما بإيموزار كندر والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الموسوم ب: “عناصر الثقافة الأمازيغية في السينما المغربية”(2015).
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فقد شارك الأستاذ شملال مؤخرا في الندوة الدولية “Moroccan Transnational Cinema”، بمراكش خلال الفترة الممتدة ما بين 04 و07 أكتوبر 2016، والمنظمة من طرف جامعة EXETER على هامش مهرجان مراكش الدولي للفيلم.

بعد هذه الدينامية و التجربة الغنية،كان لابد في نهاية هذا البورتريه أن نستفسر عن غياب الباحث السينمائي سعيد شملال عن الساحة المحلية داخل مدينته،هل يرجع ذلك الى تهميش مثلا أم هو إنزواء إرادي من قبله،ليجيبنا بابتسامة خجولة، ويؤكد بأن الأمر لا يتعلق بأي تهميش، بل “هناك اختلاف في الرؤية والتصور” على حد وصفه قبل أن يضيف: “ليكن في علمكم أنني من مؤسسي جمعية الشاشة الفضية الناشطة في المجال السينمائي في جرسيف قبل أن أقدم استقالتي منها قبيل فعاليات الدورة الأولى من ملتقاها السنوي، وذلك لاختلافنا في الرؤية حول العمل الجمعوي السينمائي…فعبد ربه هو صاحب تسمية الجمعية “الشاشة الفضية” الفريدة على المستوى الوطني، بالإضافة إلى اختياري لتيمة الملتقى الذي تنظمه الجمعية، والتي كانت في الأصل “السينما والهامش” قبل أن يتم حذف حرف واو العطف وأداة التعريف من كلمة السينما،لتصبح “سينما الهامش”.كما أعتز بوضعي للتصور العام للملتقى والذي مازال معمولا به الى اليوم بعد إضافة فقرة مسابقة الأفلام القصيرة الى فعالياته.كانت هذه تجربتي على المستوى المحلي، دون أن ننسى تأطيري لبعض الندوات ومنها ندوتين سبق وأن نظمتهما جمعيتي “السفير للسينما” و”بانوراما” التي يترأسهما على التوالي الممثلين المنحدرين من إقليم جرسيف عبد الرحيم الشارفي وبدر خناشر. وحاليا، أنا أشرف على نادي محمد مزيان للسينما بثانوية المستقبل منذ موسم 2012/2013.
ويختم حديثه عن الموضوع بالقول : بعد هذه التجربة القصيرة محليا، خصصت كل وقتي للبحث الأكاديمي والحضور الدائم بأغلب التظاهرات السينمائية الوطنية المهمة.






2 كيفهمو في السينما فالمدينة سعيد شملال وربيع الصحفي ولكن للأسف جرسيف تقتل أبناءها
سعيد انسان متواضع ،جدي وطموح.
سعيد يشتغل في صمت.