السيتي

ليلة القبض على مدينة جرسيف..سفر في أقطار الكلمة النابضة

غمرة الشوق إلى مدينة كرسيف

همسَ لي الشاعران إبراهيم ديب والزبير أفراو بالحضور والمشاركة في مهرجان جرسيف . لم أتردد في الموافقة فورا، لأفسح مجالا لذاكرتي صوتا وصورة، فتلتقط بعضا من مشاهد هذه المدينة التي يرن في مسمعي اسمها فقط، ولم يسبق أن زرتها..حجزت تذكرتي مساء يوم الخميس والشوق يطوقني بأذرعه النبيلة، وأشرعة اللهفة فياضة، والرغبة ملحة ، لأرتوي من طبيعة جنان مقذوفة بين أقدام أرضنا الحبيبة، فأضم إلى حوزتي وجوهاً نيرة جديدة لم أرَها من قبل..

على جناح السلامة

لما أدركت امتداد المسافة لساعات، هيأت لها زادا محترما من جرائد وكتب لاغتيالها دقيقة دقيقة، حتى لا تختنق النفس باتساعها، ثم رميت جثتي على مقعد في القطار في انتظار بداية الرحلة …
بعد دقائق، زمجر القطار معلنا الانطلاق؛ تقدم ببطء ريثما يسوي جثمانه بإحكام، ثم ثابر على التهام المسافة بشراهة كما شاءت له نفسه أن يشتهي؛ أما أنا فقد اعتدلت في جلستي كي أستأنف نقر أعمدة الجرائد، والشبكات المسهمة ، وابتلاع ما في صفحات بعض الكتب بالتناوب..
ظلت الأضواء مشتعلة بداخل القطار، ورؤوس المسافرين تتمايل خدرة بخمرة النعاس، وأخرى تبدد الملل بالاستماع إلى معزوفات موسيقية أو أغاني مسترسلة من الهواتف النقالة ، التي كانت أحيانا تستفز النوام، فيطير صواب بعضهم ثائرا غاضبا يتلفظ بكلمات نابية دون أن يتلقى الرد..وأنا بين الحين والآخر أجول بعيني في سياح الجرائد، وأخرى أملأ بياض بعض الأوراق بما يتجنح من أفكار، وحين تهيمن سلطة النعاس، أكسر شدقها بغفوة أو غفوتين، ثم أصحو منتشية من جديد على صهيل القطار وطقطقات عجلاته ، وهو يواجه نزوة اختراق المدى، كان الدجى يحكم الأطناب يبتلع بحلكته القطار، وتلألؤ المصابيح المترامية في فوضى توشح جداره السميك..

لحظة تبوئي عرش مدينة كرسيف

أشحت الأستار عن محيا النافذة، فلاحت ضفائر الفجر تتسلل إليّ ببسمة استقبال الضيف، تَلُوح من خلفها واحات صحراوية تعبق برائحة الطين والرمل، تتخللها بعض الأشجار والأحراش ونبات الحلفة، يلامس سحناتِها سيل من الضباب المتدفق بين جذوع النجود، ومغاور الشعاب وسطوح السهوب، تحتضن في الغالب منازل من الطوب أرجواني اللون، تقمصتْ لونها من وجنات مكارم أهلها…
كانت الساعة تشير إلى السادسة وثلاثين دقيقة صباحا، حين قطع القطار رأس المسافة وتركها جثة هامدة…نزلتُ متأبطة حقيبتي، اتجهت إلى أول مقهى، وطفقت أدهس حلزون الوقت إلى أن اكتملت طلعة بدر النهار..كنت في مهب نسائم رخية تصافحني بنبلها الوفي وجهاً لوجه،
وسماء صافية يتعنقد على صدرها قرص الشمس، الذي سربل جدائله الذهبية باعتدال على الأحياء..برهة من الزمن خاطبتني نبرة صوتية رخيمة من الشاعر الزبير أفراو، يستفسر عن أحوال الوصول بغية الاطمئنان، وحين أدرك أني تبوأت عرش المدينة، التحق بي ليأخذني إلى فندق ميلانو…

الذوق الفني بفندق ميلانو

انسرح الفندق على أحد الشوارع الجميلة، يبدو رقيقا بنقوشاته الدقيقة ولوحاته الرائعة، وأرضه الرخامية النظيفة، راقيا بتعامل الطاقم المشرف عليه..صعدت إلى غرفتي المحجوزة تسبقني حقيبتي..على السرير رتبت أشلائي بعدما تخلصت من ملابسي الثقيلة، ثم استسلمت لذئب التعب .. حاولت سد ثغر النعاس بقسط ضئيل من النوم، غير أن مقلتي احتجّتا علناً ، وأبتا أن تطبقا جفنيهما فتُحرَما من بهاء نجمة جرسيف؛ كانتا تشرئبان من النافذة، إلى الآفاق المسحورة، وترتميان في أحضان الحسن والجمال المتناثرة في كل بقعة، يداعبهما هواء عليل أقبل بلطف من البراري الفسيحة، وبارتياح شديد تسجلان شريطا مدهشا من اللقطات الرائعة..ما هي جرسيف إذا؟؟

تضارب التفسيرات حول اسم “جرسيف “

جرسيف هي مسقط رأس الشهيد علال بن عبد الله، الذي امتلأ ضيما وحنقا بالشنآن الاستعماري الفرنسي، واشتعل بين أضلعه لهب الوطنية ، فتقدم بسكينه ليغتال ابن عرفة…
تقع هذه المدينة في الشمال الشرقي من المملكة المغربية، ولاسمِـها “جرسيف” على حد قول أهلها عدة تفسيرات حسب ما تداولته الألسن، سأقتبس منها ثلاثة :

– التفسير الأول:
قامت معركة بين قبيلتين بين واد ملوية ومللو، ولما انتهت ، كان عنصر من المقاتلين حيا، لكن سيفا مغروسا في ظهره، فقال لصاحبه جرّ السيف بمعنى انزَعْ السيف من ظهري، لذلك سميت بهذا الاسم :جرسيف

– التفسير الثاني :
يقال أن نباتا يشبه السيف كان ينبت فيها فيقولون هذا شجر السيف ؛ فاستقرت الكلمة أخيرا على “جر السيف “

– التفسير الثالث: أمازيغي
سيف تعني : واد
جار : تعني بين
وجمْعُهما تعني جار سيف أي المدينة بين الوديان.
من أهم قبائلها : قبيلة هوارة و قبيلة آيت وراين.
من مآثرها : قصبة امسون من منجزات المولى إسماعيل…
وتقع مدينة جرسيف الشامخة في موقع استراتجي بين عدة مدن مغربية هامة: الناظور/ تاوريرت / تازة ، فتشكل حلقة وصل بينها ..

بين معالم مدينة جرسيف وخمائل الجمال

دق الأخ الزبير ناقوسَ بداية رحلة عبر أطراف المدينة، لتزكية معالمها بالعين المجردة فنعود منها مملوئي الجراب؛ رافقنا إلى حيث تُهنا بين الخمائل، عابرين أفخم قنطرة مغربية على نهر وادي ملوية الذي يتبجح بزلاله بين حافتيه، فيمد بسخائه جاراته من المناطق المجاورة العطشى؛ في سحر عاشق صافحتنا أعناق حوض” الرثم” الذي اختبلت فيه أشجار الزيتون بسيقان القصب، فبسطت الطبيعة الخلابة أجنحتها بيفاعة الاخضرار، لتخلق حزاما جذابا يعبق بروعة الدهشة..ونحن نتابع الجولة اعترض طريقنا واد “مللو” الذي حفر نفسه في خلد المدينة، تراه غاضبا مهتاجا في فصل الشتاء ، وهادئا راحلا في فصل الصيف، تاركا بعضا من أطيافه حتى يعود ثانية، على مقربة منه برج من مخلفات الاستعمار الفرنسي لا ندري اسمه، مازال منتصبا في شموخ بطَلَلِه الصامت، يبتهج بصفحات من أمجاد تاريخ هذه المدينة إلى جانب بهائها الطبيعي ، ورفعتها الثقافية، ومسيرتها الاجتماعية الموفقة..وحتى نجتر ما شهدناه ونستسيغه بذوق رفيع، نصبنا خيام الراحة في مقهى على حافة المسبح البلدي، بين جنان الورد وشواهق الأشجار، وشدو الطيور ومعزوفات خرير المياه، ننتظر ساعة تلاقح الأرواح على درب الكلمة النبيلة…

عرس جمعية الزيتون الثقافي بجرسيف

بالتوازي مع هذا الخلق الساحر، كانت المدينة ترفـل في لوحات من الحماسـة والفرح، كل فرسانها نساء ورجالا على موعد مع النسخة22 لمهرجان جمعية الزيتون بجرسيف، متأهبين بحرارة وعزم لتنفيذ فقراته المرصوصة بدقة في موعده (الجمعة الثالثة من شهر أكتوبر2011) ضمن برنامج احتفالي موسع ومتنوع ، كما الشأن مع المهرجانات السابقة التي نُظمت على أعلى مستوى، وطُبقت بشفافية بنفس التاريخ على مدى 22 سنة، جامعة فيه بين ما هو تراثي شعبي، وما هو حداثي راق، تهُم محتوياتُه كلَّ شرائح المنطقة دون استثناء، توازي فيه بين ما هو اجتماعي، وما هو ثقافي، وما هو تراثي، وما هو فني في احتفالية من طراز آخر، مع التنفيذ والتتبع بخطى دقيقة وثابتة تحت سهَر اللجن المشرفة .. فكان للطفولة حقها من إعذار الأطفال، وللشيوخ نصيبهم من انطلاق ألعاب الفروسية والفلكلور المحلي، وللشباب قسطهم في إعداد ورشات جدارية وألعاب رياضية مختلفة ، وللمسنين حقهم بإكرامهم وتتويجهم بتكريمات وهدايا وجوائز، اعترافا بما أسدوه لهذه المدينة الرائعة من جهود جسام، وما قدموه من خدمات جليلة بهدف التنمية والارتقاء..إضافة إلى ماقامت به الجمعية من زيارات لمعارض وأروقة بالمنطقة…

لوحات الحماسة والفرح

بما أن الأطفال هم الامتداد من بعدنا، حاملو المشعل في المقبل لتأسيس التاريخ كدعامة أساسية للمستقبل، باشرتهم الصبيحة لتاريخ 21/10/2011 بمبادرة الإعذار الطيبة، حيث استفاد أكثر من 200 طفل تحت إشراف الطاقم المنظم ، مع نخبة من الأطباء المختصين، فأعطيت للعملية ما تستحقه من عناية واهتمام حتى تكون في المستوى الذي يليق…وليكتمل العرس في أبهى تجلياته ، ويزهو اليوم بأوراق ألوان قوس قزح، قامت الفروسية بتشكيل لوحات فلكلورية مبهرة عبر شوارع المدينة، وكأنها بذلك تُذَكّر حين تنفع الذكرى أن التراث مازال بأمانة محمولا على الأكتاف كما تداوله الأسلاف، وأن الفرسان الجرسيفيين ببساطتهم، استطاعوا النحت من دمائهم بما يُحيي هذه المدينة ، ويضخ في جسدها وجها جديدا كل سنة ، ويجعل أغصانها منعنعة في بستان تاريخها الأمجد ، فخلقوا أجواء مشرقة بأحداث غير عادية ، تهز أرجاءَها حركةٌ جديدة لامعة غير معهودة .

اللحظة الشعرية وهيجان القرائح

أقبل المساء بطقوس نوعية مقتحما فضاء خيمة زاهية، موشحة بتحف فنية وباقات من الأزهار، وحبات الثريا المتلألئة، ليرحب بفلول الشعراء الوافدين من كل صوب، كي يسافروا في أقطار الكلمة النابضة، عابرين أرواحهم ومشاعرهم وقلوبهم، راكضين خلف هواجسهم اللاهبة، لينفضوا غبار جراح غائرة سكنتهم بجنون، وبالتالي يصافحون وجوها نيرة جديدة على مهد المحبة وركن التعارف..
كانت الأمسية تزخر بطاقات كبيرة وأقلام نابضة لم تَعرف النضب، ينتظرون بلهفة إفراغ صندوقهم الضاغط على ضفاف المنصة، لينجلي حملهم الثقيل ، الذي ينخر بإزميله الصدور، فتترمّم شقوق النفس ويعاد إليها التوازن..
توزعت الأمسية الناطقة بنزف الكلمة الروحية على مرحلتين فخمتين، من تسيير الأخوين الفاضلين الزبيرأفراو وأحمد شقوبي، يفصد لحمتها الفنان سامي بن محمد بتقسيماته المتميزة على العود وأغانيه المربكة من روائع فريد الأطرش بصوته الشجي مع معزوفات بهية ، على إيقاعها تربعت ثلة من الشعراء عرش مملكة الشعر…ثم تلاه الفكاهي عبد القادر عالم ، فقدّم مقتطفات هزلية من الواقع انبسط على إثرها الجمهور، وانشرحت لها الصدور..وعلى سبيل الختم أمسك خيط تسيير المرحلة الثانية البهي أحمد شقوبي، ليتمم الأمسية بتأثيث أسماء أخرى خلفت في الحقل الأدبي صدى طيبا…

تمرير المشعل من الأسلاف إلى الأبناء

بعد فتل أطراف الشعر، حمل الشعراء مع جمهورهم سحناتهم إلى القاعة بابن الهيثم، حيث الجرسيفيون يتداولون ذاكرة المدينة لتمرير مشعلها من الأسلاف إلى الأبناء حتى يقتدوا بهم، ويسيروا على نهجهم، فذكّروا بفقرات المهرجان، مشيدين بما نُفّذ منها بنجاح، عازمين على تهييء أساليب مُحكمَة لتنفيذ الباقي، كما نوّهوا بأعمال غابرة لأبطال مازالت أسماؤهم على الألسن وفي سجل التاريخ، مصرّين على صيانة التراث بكل ما لديهم من إمكانيات، خاصة الفروسية التي تعدّت هذه السنة “أربعين سربة”…ثم اختتم اللقاء بحفل عشاء على شرف الضيوف الذين حجوا إلى المنطقة بعزة وافتخار…

العودة ونشوة المتعة

لملمت أغراضي، وتوجهت إلى القطار في واضح النهار، حتى لا أُحرَم من زينة الحياة الدنيا، وما تتمختر به من أسرار كونية دافقة، تنفرد بها بلادنا دون غيرها…وبلح المهرجان عالق في فمي…محملة بالحب والبسمة والفرح.

*مالكة عسال شاعرة وروائية مغربية.

بتاريخ: 23 أكتوبر 2011 (سينشر قريبا ضمن أدب الرواية).

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. إخوتي الأشقاء أهل جرسيف المحترمون ،الحقيقة الشاعر الزبير أفراو شاعر محترم ،واحترمه بقوة ،كما احترم تماما أهل جرسيف الطيبيين ،فلما استدعاني لبيت الدعوة احتراما له ولأهل جرسيف الرائعة ، وكان ذلك سنة 2011 ،ومنذ ذلك التاريخ إلى حد اليوم ،لم يعد لي تواصل لا مع الأخ الزبير ولا مع أهل جرسيف ، اللهم الذكريات الجميلة ،التي عشتها في المهرجان بكل فقراته والتي مازالت عالقة في ذهني وروحي إلى الآن ، ودونتها بفخر واعتزاز ،لتبقى شاهدة على مدينة راقية اسمها جرسيف ،وروعة لقاءاتها القوية ..وأتمنى أتمنى من أعماق قلبي أن تظهر براءة الشاعر الجميل الزبير أفراو ،كما أتمنى لجرسيف مزيدا من التألق في مهرجاناتها الثقافية لكبيرة 000

  2. لو كانت العدالة تطبق لما كان المجرمون أحرارا طلقاء ، فكم من برئ مسجون ظلما و عحدواناو كم من من مجرم حرا طليق ، في هذا الزمن أصبحت أصابع اﻹتهام تشار إلى كل من من رفض أن يتخلى عن مبادئه . ارتقوا قليﻻ و ابدؤا بانتقاد دواتكم أوﻻ و أصلحوها . « لم يجدوا في الحهب عيبا فقالوا بريقه يضر العين » الزبير إنسان محترم و سيضل كذالك أحب من أحب و كره من كره .

  3. السلام عليكم اخي الفاضل هشام لو اناتك التزمت الصمت لكان افضل من قولك اتهامات لا علم لك بها اللهم احاديث المقاهي في جرسيف وانت اعلم باحاديث المقاهي لو سالت جيدا و استبينت الخبر اليقين لعلمت من هم اللصوص الحقيقيون اللذين نهبوا المال العام في صفقات مشبوهة والكل يراها امام عينه صباح مساء، اما الاخت الشاعرة فتستحق كل الاحترام والتقدير والف الف مرحبا بها شرط ان لا يستدرجها المحسوبون على الهامش الشعري ومن معهم.سلام

  4. الشاعر لم تمنعه رقة الكلمة من السرقة والمناضل اليساري لم تمنعه المبادئ ومشروع المجتمع الذي يوهمنا انه يحمله

  5. لا أحد يجرد شخصا من شاعريته والزبير و زميله بوجمعة هما متهمان فقط والعدالة ستقول في الأخير كلمتها فكفى من خلط الأوراق أرجوكم

زر الذهاب إلى الأعلى