السيتي

الربيع الذي يعقبه الخريف.. – محمد أزروال

لاشك أن المتتبع للشأن السياسي بدول ما يسمى بـ”الربيع العربي” عموما و للمصري خصوصا سيصاب بالإحباط و بضياع الأحلام و الآمال التي عقدتها شعوب تلك الدول في التغيير الى الأفضل و الإنتقال الى الديموقراطية المنشودة في جو يحفظ الكرامة للمواطن و يعيد اليه الحرية و الأمن و العيش الكريم.

إن ما تشهده مصر اليوم هو مخاض سريع لمرض سرطاني ينتشر في جسم الوطن كما تنتشر النار في الهشيم  سيقضي لا قدر الله على أرض الكنانة و على حضارة السبعة آلاف سنة في غضون شهور معدودة، بعد ان تعم الفوضى  وإنعدام الأمن و إستفحال الإنقسام الفكري والطائفي في كل الأرجاء تمهيدا للإنقسام الجغرافي كما حدث في الجارة السودان قبل عامين، إذا لم تعي النخب السياسة و دول الجوار التي تذكي نار القتنة و تدخل الحرب الطائفية اليها قسرا في حربها على الحزب الحاكم الإسلامي، الدرس جيدا و تنصاع الى الشرعية الدستورية التي بنيت بدماء الشباب في ثورة 25 يناير.

إذا كانت الديموقراطية مطلبا إنسانيا، وأن تحقيقها يأتي عبر صناديق حرة و نزيهة يعبر فيها المواطنون عن توكيلهم لمدة معينة قيادة الشأن العام لأشخاص بعينهم ، و محاسبتهم على تلك المسؤولية بعد إنقضاء مدة حكمهم ، فما معنى ما تنادي به قوى المعارضة المصرية الآن غير شعار ” الحكم لنا أو الطوفان” و هم الذين حصدوا نتائج مذلة في الإنتخابات الرئاسية قبل عام و ظهر حجمهم الحقيقي في الشارع؟

إن الحرس القديم من أزلام الحزب الوطني و بتحالف مع العلمانيين الجدد وجد الفرصة سانحة لزرع الفتنة على نطاق واسع و التشويش على العمل الجاد و التاريخي الذي تقوم به الحكومة المصرية بغض النظر عن مرجعيتها الأديولوجية وإخفاقاتها في تحقيق الرخاء الإقتصادي ، معتمدين على سلاح فتاك أقوى من كل الأسلحة الحية ، ألا وهو سلطة الإعلام المدعوم بسخاء من بعض الخليجيين ،و الذي سخر كل الأقلام و الأفواه المأجورة من الإعلاميين لأزيد من سنة من التضليل للقضاء على حزب الحرية و العدالة و هم نسوا أو تناسوا أنهم يجهزون على الدولة المصرية و على مؤسساتها برمتها،عندها لن يكون لهم في مصر غير لقب “أمراء الحرب” الذين سيستخدمون الميليشيات و النعرات الطائفية و العرقية إيذانا بخراب واسع النطاق و تشتت لأرض مصر ، التي خصها الله بالأمان في كتابه العزيز.و ليست التجارب بتونس و  ليبيا واليمن بأحسن حال من نظيرتها بمصر في نهاية المطاف.

يبدو أن القوى الغربية التي تدير فصول المعارك و تراقبها بشكل أو بآخر في بلدان الربيع العربي ،السياسية منها و اللوجستيكية، تجد نفسها أمام نهاية تنفيذ خطتها المسماة بالفوضى الخلاقة و التي ظهرت كمصطلح  لأول مرة عام 1902م على يد مؤرخ أمريكي يدعى تاير ماهان، وقد توسع الأمريكي مايكل ليدين فأسماها «الفوضى البنَّاءة» أو «التدمير البنَّاء»، وذلك بعد أحداث شتنبر بعامَيْن في 2003، وهذا يعني الهدم، ومن ثم البناء! ويعني هذا إشاعة الفوضى، وتدمير كل ما هو قائم، ومن ثم إعادة البناء حسب المخطط الذي يخدم مصالح القوى المتنفذة، وقد يكون أكثر المفكرين الذين تحدثوا عن هذا الأمر هو اليميني الأمريكي صامويل هانتنكتون صاحب نظرية «صراع الحضارات» و الذي  بنى نظريته على أساس أن الصراع العالمي القادم سيكون حضارياً، مع التركيز على معاداة الحضارة الإسلامية، التي يرى أنها لا يمكن بحال أن تنسجم مع الحضارات الأخرى، وبخاصة الحضارة الغربية.إنها  فوضى تساهم في خلق الفتن الطائفية، التي تقود في النهاية إلى تقسيم الدول؛ وبالتالي إضعافها، كما أنها تسهل عملية التدخل العسكري الخارجي للقوى المتنفذة.

إن الحراك العربي الذي عرفته الثلاث سنوات الأخيرة خرج سلميا في مجمله، وأراد تغيير الأوضاع من داخل مؤسسات الدولة ، غير أن خصوم الأمة العربية و الإسلامية تلقفوا هذه اللحظة التاريخية و رفعوا سقف مطالب المحتجين لتصل الى تغيير أنظمة برمتها ، الأمر الذي حصل فعلا في ليبيا و تونس و مصر و اليمن و هناك جهد جهيد لإسقاط النظام السوري الذي لازال مستميتا الى حد الآن.

والمغرب عرف بدوره حراكا إجتماعيا سلميا مهد الأجواء وجعل القيادة الراشدة بهذا البلد الأمين ببعد نظرها السديد لكي تستجيب لمطالب المحتجين و تطلعات الشعب المغربي، و ذلك  بإحداث تغييرات تاريخية في النظام القانوني المغربي من خلال أمر جلالة الملك بتعديل الدستور سنة 2011 و الذي يضاهي دساتير أعرق الديموقراطيات في العالم من خلال تقوية السلطة التنفيذية والتي نص في مجموعة  من فصوله على صلاحيات الوزير الأول الذي تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين تحت مسؤوليته (الفصل 61) ويحق له التقدم بمشاريع القوانين (الفصل 62) بالإضافة إلى تحمله مسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية (الفصل 65)،ويعرض الوزير الأول المغربي أمام كل من مجلسي البرلمان (النواب والمستشارين) البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويكون هذا البرنامج موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين قبل التصويت عليه بالثقة.ويتولى الوزير الأول المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي.ولعل من بين أهم النقاط في الدستور هو تكريس “تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها” ما يعني احترام نتائج صناديق الاقتراع.وتهدف هذه الرؤية الإصلاحية إلى بث نفس جديد في الحياة السياسية من خلال الاعتماد على مبدأ المحاسبة خاصة وأن أصواتا كثيرة داخليا تنتقد غياب أي محاسبة للأداء السياسي سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.

لكن بتقييمنا للتجربة المغربية نجد أننا و إن أفلتنا من الفوضى الخلاقة و تدمير الوطن بإسم الديموقراطية ، نجد في المقابل أن الحكومة الملتحية بدورها على مشارف الفشل الذريع في تجربتها مبكرا رغم سلطاتها الواسعة في تسيير الشأن العام، عندما فتحت جبهات واسعة النطاق بدون تخطيط مسبق و إستقراء للمجتمع المغربي .حيث نجد مثلا رئيس الحكومة لا يجد حرجا في قطع الأمل و بث اليأس في حربه ضد المعطلين و الذي لا يخلو  بيت مغربي من معطل على الأقل،بالإضافة الى حربه على إقتصاد الريع و على المقاولات ، والعمل على الزيادة في الأسعار دون أن تواكبها مشاريع بديلة وملموسة تشعر المواطن بالتغيير ، الأمر الذي يجعلنا أمام قنابل موقوتة قد تعصف بالإسلاميين في هذا البلد و تجهز على تجربتهم القصيرة في تدبير الشأن العام ،و تمهد الطريق أمام خريف أو بالأحرى ربيع آخر على الطريقة المغربية سيركب موجته  هذه المرة حميد شباط زعيم حزب الإستقلال  قريبا من خلال إنتخابات مبكرة سابقة لأوانها.

 نشر في 30 يونيو 2013

  للتواصل مع الكاتب:[email protected]

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. توصيف سطحي أقرب للمخزن وبعيد جدا عن الموضوعية يعزف على لازمة الاستثناء المغربي، دستور ممنوح يكرس سلطات الملك ويعفيه من المحاسبة، أما القشور هي سلطات رئيس الحكومة، وهذا السيناريو هو نفسه الذي اتبع في الأردن وهو من إنتاج مجموعات الضغط اليهودية، والدليل هو الأزمة الحالية على كل الأصعدة مما يذكي مؤشرات ثورة ثانية تكون أنجح وتحقق العدالة والحرية والديموقراطية لهذا الشعب المقهور

  2. بسم الله الرحمان الرحيم
    نحييك اخي الكريم على جراتك الخلاقة لتناولك هدا الموضوع الدي بات يشغل بال الكثيرين من الغيورين على الزطن العربي
    بوركت اخي
    ونتمنىاوكلنا امل ان هدا الربيع سيعقبه صيفا لا خريفا

زر الذهاب إلى الأعلى