منعطف نحو المجهول *** قصة قصيرة *** ذ.امحمد الريسي

منعطف نحو المجهول *** قصة قصيرة ***
توطئة:
الأستاذ الريسي من مواليد سنة 1966 بمدينة تازة هناك تلقى تعليمه الإبتدائي و الإعدادي و الثانوي ليتوجه بشهادة الباكالوريا شعبة الآداب العصرية سنة 1988، بعدها كان له موعد مع التحصيل الجامعي بجامعة محمد الأول بوجدة حيث تخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنيله لشهادة الإجازة في الأدب العربي.و في سنة 1993 إلتحق بالمركز الجهوي لتكوين المعلمين بتازة و عمل في ميدان التدريس منذ تخرجه بإقليمي كلميم التي أمضى بها سنتين قبل أن ينتقل الى “مجموعة مدارس تادرت” بإقليم جرسيف سنة 1997 وبها بقي أستاذا الى غاية أن إلتحق بسلك الإدارة سنة 2012، المهمة التي لايزال يزاولها الى الآن .
ويمتلك الأستاذ امحمد الريسي ملكة جيدة في ما يتعلق بفن الرواية و القصة من خلال ما راكمه من قراءات لمختلف الكتاب و المبدعين ناهيك عن صقل موهبته بعديد التجارب الإنسانية التي مرت معه ومنها هذه القصة القصيرة الجديدة.
اندحرت الشمس أمام جحافل الظلام الزاحفة ومالت نحو المغيب وهي تجر خلفها ذيول أشعتها الحمراء المتعبة تاركة وراءها قرية صغيرة على أهبة أن تذوب معالمها تحت سطوة الليل وصمته الثقيل.
التف أفراد الأسرة الصغيرة حول مائدة العشاء المتواضعة .بينما انسحبت حليمة متراجعة إلى الخلف وقد أبدت عدم رغبتها في الأكل ,فانزوت في ركن معتم تجول بنظرات حائرة في أرجاء الغرفة تتأمل الكآبة وهي تحوم حولها ,تتفرس وجوه أفراد عائلتها التي تتماوج معالمها تحت رقعة الضوء الضيقة الصادرة من مصباح غازي ذي زجاجة معتمة علاها السخام .
تململت حليمة في مكانها ثم قالت بنبرة يغلفها الحزن:سأرافقك إلى السوق غدا يا أبي .
أدار ألأب وجهه المكدود نحوها .وبعد أن ابتلع لقمة مستعصية ظل يلوكها طويلا , مرر كفه الخشنة على فمه , مسح ما علق من طعام على شفتيه الضامرتين , وقال باقتضاب : لم التعب؟
ردت حليمة بسرعة كي لا ينقطع حبل التواصل سريعا : أود بيع ما جمعت من بيض خلال الأيام الماضية ,وأظن أن الفرصة مواتية غدا .
وكعادة الأب في نزوعه إلى الصمت لم يطل في الكلام , هز رأسه بالموافقة , ثم وقف بصعوبة , وقال و هو يتجه نحو غرفة نومه المحاذية للباب الخارجي للبيت :غدا قبل انبلاج الصبح , سنكون في طريقنا إلى السوق .
قضت حليمة ليلتها تتحرق شوقا إلى قدوم الصباح والانطلاق إلى السوق ,تحركها رغبة عارمة في تنفيذ فكرتها المجنونة التي دغدغت عقلها مدة طويلة,
إلى أن نمت و ترعرعت فاحتلت كيانها..اجترتها آلاف المرات قلبتها من جوانب عديدة ..فما وجدت فيها غير السبيل الوحيد للتمرد على تسعة عشرة سنة من التعب والشقاء القاتلين اللذين جعلاها لا تختلف كثيرا عن أية دابة تجوب أرجاء القرية دون أمل . ندت عنها تنهيدة صاعدة من الأعماق وانقلبت على الجانب الاخر تتوسد كفها ..أغمضت عينيها المتعبتين من كثرة التحديق في الظلمة الغليظة التي تحتل الغرفة ثم استسلمت للنوم ,تحلم بغد جديد .
في الصباح انطلق الأب مستقلا حماره الأشهب ,تتبعه حليمة تجر قدمين هزيلتين ..الطريق خال من القرويين , و الحقول المترامية الأطراف ما زالت تغلفها ذرات الظلام الرمادية , وستار الصمت الجاف الأخرس الذي يجثم على القرية يخدشه صوت وقع حوافر الحمار و هي ترتطم بالحجارة الصغيرة المبثوثة على الطريق الترابية .. المسافة الطويلة إلى السوق دفعت بحليمة إلى الغوص في أعماقها , سافرت إلى أبعد نقطة مجهولة فيها , تحاول مناصرة فكرتها التي تتنازع معها مشاعر أخرى متناقضة ..ظلت شاردة لمدة إلى أن انتشلتها من غفوتها أبواق السوق التي تصدح بأمواج من الأصوات المختلطة .
ترجل الأب عن حماره و سار به اإلى مربط الدواب حيث تركه .. عاد سريعا , ولج السوق مع ابنته ..أوصلها إلى الموضع حيث يباع الدجاج والبيض .. أوصاها بعدم التحرك من مكانها إلى حين عودته , ثم غادر متجها نحو الخيام المضروبة في الطرف الاخر من السوق ليتناول كأس شاي – كما اعتاد كل يوم سوق- وبنظرات كليلة ظلت حليمة تراقبه وهو يسير بين الجموع إلى أن ابتلعه الزحام.
مع قدوم أول زبون ,باعته حليمة سلة البيض دون تلكؤ راضية بالثمن المعروض عليها .. تسلمت الدريهمات القليلة ,دفنتها في كفها الصغيرة ثم انطلقت تتسلل خارجة من السوق, تلتفت يمنة ويسرة ..تطأطئ رأسها كلما قابلت في طريقها من يعرفها من أبناء قريتها .
في محطة الحافلات , ودونما تردد اندفعت داخل إحدى الحافلات سوف تتجه نحو المدينة .. توجهت إلى الخلف ,ارتمت على أحد المقاعد متوارية عن كل عين فضولية ..دق قلبها دقات سريعة ,سرت في بدنها الهزيل رعشة قوية .استشعرت رغبة جارفة في البكاء لكنها غالبت نفسها كي تخفي كل المشاعر الدفينة التي تغلي داخلها وهي على وشك الانفجار.
الحافلة تنطلق ,والشريط الإسفلتي الأسود ينسحب سريعا إلى الوراء ..حنين عنيف مفاجئ جعل حليمة تلتفت وراءها.فشاهدت عبر الزجاج الخلفي للحافلة عالمها القديم يبتلعه المدى البعيد..كما تراءى لها خلال تلك اللحظة إطار عريض تتزاحم داخله صور عديدة لقرية غارقة في اللغط و اجترار الكلام .. و مشاهد حزينة لأم مكلومة غرق وجهها في سيل من الدموع الحارة و أب مفجوع منكسر من هول المفاجأة انزوى بعيدا عن الأنظار يعتصره الحزن و الألم وبضعة أطفال حيارى ضاعوا في متاهة الحادث المفاجئ وغير المفهوم .
بخطوات مترددة تسير حليمة على الرصيف .. تترنم بسماع أطيط حذائها المطاطي وهو يرتطم بصفحات الزليج الأملس ..مسحة من الدهشة علت وجهها النحيل ..عيناها المفتوحتان بشدة توزعان نظرات شاردة هنا وهناك ,,تلتقط صورا كثيفة عن العالم الغريب الجميل .. سيارات كثير تتهادى في سيرها وهي تجوب الشوارع الواسعة ..أمواج لا تنقطع من الناس يسيرون بإيقاعات مختلفة في كل الاتجاهات..وجوه جامدة ذات قسمات لأناس غارقين في وحدتهم منشغلين بذواتهم بالرغم من تواجدهم في مكان واحد..من شارع إلى شارع ومن مكان إلى مكان ظلت حليمة تقطع المسافات شاردة هائمة ,
منجذبة بسحر الأمكنة التي بهرت عقلها الصغير.
على المقعد الحديدي البارد تهالكت حليمة وهي تحاول أن تستريح من تعب رحلتها الطويلة ..الحديقة فارغة إلا من بعض الزوار القلائل المنتشرين في أماكن متفرقة..السكون الذي يغمر المكان أغرى حليمة بالاسترخاء والتمدد قليلا ..المساء يقترب على مهل ..يزحف رويدا رويدا ..ضوء الشمس القليل المتسرب من بين أوراق ألأشجار يتآكل ببطء ..يندثر..الزوار القلائل غادروا المكان منذ مدة ..تركوا الحديقة الموحشة يؤنسها المصباح الكهربائي الوحيد ,ذو الضوء الخافت المحاصر من طرف الظلمة الحالكة التي غزت كل شبر في المكان..
من على المقعد الحديدي البارد ,تلقفتها الأيادي الكثيرة الممتدة بوحشية ..حملتها بعيدا إلى جوف الظلمة ..ثقل الكابوس يجثم على صدرها الهش ..تتململ
..تحاول الانتفاض ..صوتها الواهن المشروخ يضيع في أعماقها ..بلل الأعشاب الندية يخترق ثوبها ..يلامس ظهرها الهزيل ..تحاول الاستيقاظ دونما نتيجة..يستمر الكابوس في الضغط على صدرها يخدر جسدها بكامله..يكبله .. تلاحقت الكوابيس الواحدة تلو الأخرى دون توقف .. خارت قواها ..لا حركة الآن فما عاد لليقظة من معنى .
في الأيام الأخيرة اعتادت شوارع المدينة أن تبدأ يومها وتنهيه على إيقاع خطوات امرأة تسير بلا هدى , تحمل رضيعتها اللاهية دوما في امتصاص ثدي ضامر وجاف .




قصة رائعة وان كانت نهايتها حزينة
اعتقدت ان حليمة في اخر القصة كانت فقط تحلم لكي تستيقظ على كابوس من الاحلام
شكرا استاذي المحترم وشكرا جرسيف سيتي
je viens d apprendre que c est un collegue… bravo
انا من متتبعين اخبار جريدة سيتي جرسيف واهنىء الاستاذ محمد إلإدريسي على هذا العمل واتمنى المزيد من التألق