السيتي

التذمر من خدمات مستشفى جرسيف يعيد الى الأذهان قصة “الحمار و البردعة”

لا يكاد يمر يوم بدون أن نسمع أو نقرأ عن تردي الخدمات الصحية بالمستشفى الإقليمي لجرسيف في وضع جعل فيه الأطر الإدارية و الطبية ومعها الوزارة في دور المدافع دائما،أمام استياء وسخط المواطن الذي يظل صاحب الحق الأصيل في  هذا المرفق العمومي.

موضوع يسيل حبرا كثيرا كل يوم على الجدران الإفتراضية للمواقع الإلكترونية و مواقع التواصل الإجتماعي،ويلقي باللوم دائما على العامل البشري بدرجة أولى،وعلى المؤسسات الوصية بدرجة ثانية.

لن نكون مدافعين لا عن زيد و لا عن عمر،لكن دورنا التنويري يفرض إمساك العصا من الوسط و البوح ببعض الحقائق التي لا يريد سماعها بعض المعارضين لنا.ونقول بأن قطاع الصحة بالإقليم مريض و يوجد في حالة كلينيكية حرجة لم تنفع معها أي من المسكنات الظرفية،أو التدخلات”الحسنة”،لكي ترضي مواطنا يشكو حقه في التطبيب الذي يكفله له الدستور.

لنعد قليلا الى الوراء و نقول بأن إحداث العمالة الفعلي في 2010،فرض بناء هذا المرفق بالإمكانيات المتاحة آنذاك و بشكل جزئي لتعقبه توسيعات تكميلية في المرافق و التخصصات و التجهيزات الطبية.وإن كانت الظروف حينها فرضت الإستجابة لهذا المشروع رغم أن الإعتماد المخصص له كان غير كاف بالمقارنة مع البنية الديموغرافية لإقليم شاسع تقدر ساكنته بأكثر من 250000 نسمة؛فإن الواقع يقول بأن الوزارة نفضت يدها عن القطاع في إقليم “محكور” تقادف به التقطيع الإداري بين الجهات ليستقر أخيرا في الجهة التي رُوّج لها بأنها حاضنته الطبيعية،إلا أن واقع الحال يقول بأن جهة الشرق “تتبرأ”من جرسيف في كل المناسبات و لا تكاد مؤسساتها الصحية تنظر بعين الرضا و العطف إلى الحالات القادمة منه،في وضع أصبح فيه المريض الجرسيفي يتمنى الرجوع الى التبعية الصحية لتازة ألف مرة في اليوم.

وبالعودة الى المستشفى الحالي بجرسيف،فما لا تعرفه العامة من الناس، أن أغلب الحالات الواردة عليه كما أكده وزير الصحة قبيل أيام بمجلس النواب في معرض جوابه عن سؤال للنائب محمد البرنيشي،ليس لها طابع الإستعجال، وبالتالي فإن إغراق قسم المستعجلات بالحالات و بمرافيقها يجعل الإرباك سيد الموقف و يزيد من تشنج الأوضاع وتفاقمها.

فإذا كنا نتكلم عن هذا القسم الذي ترتاده معظم الحالات،فيجب أن نعلم أنه لا يتوفر على العدد المطلوب من الأطر الطبية و التمريضية،حيث قبل أسبوعين فقط ثم تنقيل طبيب به الى صفرو،ودخول طبيبة أخرى في فترة حمل تعفيها من المداومة،إضافة الى خروج طبيب ثالث في إجازة سنوية.مما يعني أن القسم يتوفر على طبيبين فقط وعليهم أن يداوما وفق نظام “12 – 36″،والذي يعمل به في حالة تواجد 4 أطباء ؛بحيث يشتغل طبيب كل 12 ساعة نهارا،ويعفى لمدة 24 ساعة ليعاود المداومة لـ12 ساعة أخرى ليلا و نهارا و يستفيد بعدها من راحة لمدة 48 ساعة.

ويمكن القول بأن أهم قسم متضرر من النقص الحاد في الأطر،هو قسم الولادات حيث يجبر حاليا طبيب واحد (وهو رئيس القسم)، على مباشرة كل الحالات من 8:30 الى 4.30 يوميا من الإثنين الى الجمعة،وبالتالي عدم قدرته على الخضوع لقانون الإلزامية الذي ينص على العمل لمدة 20 يوما متواصلة ليل نهار وبعدها 10 أيام نهارا.هذا إذا علمنا بأن عدد الولادات في اليوم الواحد يصل الى 20 ولادة ما بين ولادة عادية و قيصرية،أي بمعدل شهري يتجاوز 400 حالة.

أمام هذا الوضع القاتم،الذي يحاول البعض أن يُصدّر أزمته الى جهات سياسية بعينها،وجب التذكير بأن عددا من اختصاصيي المستشفى وقّعوا على طلبات الإعفاء من الوظيفة العمومية،كما هو الحال سابقا مع أخصائيي العيون والكلي، وأخصائي الجراحة الذي ينتظر حاليا قبول الطلب من طرف الوزارة.إضافة الى ذلك يعتبر إقليم جرسيف الوحيد من بين أقاليم الجهة على الإطلاق الذي يتوفر مستشفاه المسمى “إقليميا” على مدير،حيث تعاني كل المستشفيات الإقليمية بالجهة من شغور للمنصب ويتولى مندوبو الصحة المهمة بالنيابة،نظرا لعدم رغبة الأطر الطبية في الإصطدام مع المشاكل اليومية للمرفق الذي رفعت الوزارة يدها عن قطاعه بشكل يراه المهنيون “مخجلا”،وتقدف بمسؤوليها المحليين نحو المجهول وتجعلهم شماعة يُعلّق عليها كل مُرتفِق، فشل المنظومة؛ ويطالب تبعا لذلك بالقصاص منها جراء هذا “التقصير المقصود”.

لأجل ذلك،وبعيدا عن تصفية الحسابات الضيقة أيا كانت الدوافع التي تغذيها،وجب على كافة المتدخلين محليا على الأقل،الضغط بكل قوة وفي كافة المناسبات لانتزاع حق هذا الإقليم “المظلوم”،وأول الملفات التي يجب الإشتغال عليها بجدية وبمنطق تشاركي، هي مشروع المستشفى الإقليمي وثانيهما العمل على إندماج حقيقي للإقليم في منظومة المؤسسات بجهة الشرق.غير ذلك سنكون كالقبيلة التي كانت تصب جام غضبها وسخطها على البردعة وظل أفرادها لسنوات يطالبون بوجوب تغيير البردعة وبعد تغييرها،يمضي الحمار كعادته في الرفس والعض وطرح الناس على الأرض،ولا يتوانى المتضررون في الضرب على البردعة.فتتغير البرادع، بردعة تلو بردعة؛وفي كل مرة تزداد الأمور سوءا ،حتى صاروا مضربا للمثل لمن لا يعرف المصدر الحقيقي لمشاكله،فيطلق سهام نقده  ويسدد ضرباته إلى غير الهدف الصحيح.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أصبت كبد الحقيقة أستاذنا المحترم…

    مشكلة المستشفى غير مرتبطة بالمحلي فقط، بل بتخلي الوزارة عن واجباتها أيضا…

    كيف لمدير المستشفى أن يضغط على طبيب اختصاصي هو نفسه يسعى اترك الوظيفة العمومية؟

    المشكل مركب و جدي جدا يجب معالجته بمسؤولية كبيرة لأن الطبيب مختص أو غير مختص، لا يجد مكتبا يشتغل فيه، و إن وجده فهو غير مكيف و غير مجهز بما يلزم من تجهيرزات للقيام بعمله و لا يجد الطاقم الطبي الكافي و الكفء لمساعدته، … لن يقوم بمهامه المطلوبة منه، و إن قام بها فبشكل أعوج…. خصوصا أن جهات أخرى – في القطاع الخاص على وجه التحديد- توفرله كل ما يحتاجه.

زر الذهاب إلى الأعلى