السيتي

رائد المونتاج السينمائي بالمغرب .. اعتراف قليل وتهميش كثير

في مستهل يناير الماضي تكون قد مرت اثنتا عشرة سنة على رحيل أحد أبرز محترفي الفن السابع بالمغرب، نقصد الموضِّب السينمائي الراحل المرحوم محمد مزيان، الذي قدم للسينما المغربية الشيء الكثير، خاصة في مجال المونتاج أي التوضيب أو التوليف وتركيب الصور الفيلمية، أو التقطيع بموازاة مع قصة الفيلم أو السيناريو، وهو ربط شريحة فيلمية (لقطة واحدة) مع أخرى، واللقطات ترتبط مع بعضها لتُكوِّن مشاهد، والمشاهد ترتبط معا لتكوِّن مقاطع متسلسلة، ما يقود إلى إزالة الزمان والمكان غير الضروريين والارتباط الوثيق بالأفكار واللقطات الهامة والدالة في الشريط. وأكثر المشتغلين بهذا الفن يعتبرون التقطيع/ التوليف عنصرا أساسيا، بل هناك من يعده حجر الزاوية في أي عمل سينمائي مثل المخرج السوفياتي سيرجي إيزنشتاين.

وطبعا حصل ويحصل حاليا تطور هائل في هذا المجال تبعا لتقدم الوسائل التواصلية والتكنولوجية الحديثة. ورغم كل ما قدمه الراحل محمد مزيان فإن اسمه هُمِّش وتُنوسي – عن قصد وعمد غالبا – تبعا لما عُرف عن الرجل من صمت ممتد وعدم ادعاء، لكن مع صراحة وتجرد وتمرد ونكران ذات. وهي عناصر أصيلة في الإنسان تزعج الكثيرين، فما بالك بعالم الفن والإبداع، الذي تتقاسمه كثير من التشوهات الخِلقية والخُلقية..رغم كل ما قدمه الراحل لم يُكتب عنه الشيء الكثير، في وقت يتم الاحتفاء بالتافهين والتافهات وترتفع أسهم الأدعياء والأشباه …

وإن كنتُ قد استجبت (وأنا عاشق للسينما والفن الجميل فحسب) لنداء داخلي غامض بالكتابة ولو بهذه العجالة عن هذا الرجل الفنان الصموت المتمرد، فإن التاريخ، وخاصة ما تعلق منه بالذاكرة الإبداعية للمغاربة، لا يمكن أن ينسى / تنسى أو تتناسى، هكذا بجرة قلم الأعلام الأفذاذ، سواء منهم الرواد المؤسسون أو النوابغ المبدعون ولائحتهم غنية وخالدة…ومنهم الموضب والمخرج السينمائي محمد مزيان .

وعودا على بدء فباستثناء كتاب يتيم موقع بتأليف جماعي تحت إشراف الناقد السينمائي أحمد السيجلماسي، عن منشورات جمعية النادي السينمائي/ سيدي قاسم صدر سنة 2015 بمناسبة مرور عشر سنوات عن رحيل مزيان، تحت عنوان “سينمائي وحيد ومتفرد”، وإذا احتسبنا ما كتبه الناقد السينمائي خالد الخضري حول محمد زيان وأعماله، إلى احتفاء رمزي بمهرجان سينما الهامش بجرسيف وتسمية مسابقة للهواة بسيدي قاسم، ومهرجان سينما الهواء الطلق بتازة…إذا استثنينا هذه الومضات القليلة، فإن عموم المؤسسات والإطارات الفنية والسينمائية بالمغرب لم تقدم حوله شيئا يذكر، وأضعف الإيمان أن يسمى مهرجان وازن باسمه، فلن يخسر القوم الشيء الكثير. وهذا نداء متجدد ضدا على ثقافة العقوق والنسيان والتناسي والتهميش.

رأى محمد مزيان النور بإقليم تازة سنة 1945 (بالضبط جماعة الصفصافات ناحية بركين التابعة حاليا لإقليم جرسيف) في أجواء الجوع والقهر والحصار المفروض على المنطقة خلال المرحلة الاستعمارية ونهاية الحرب العالمية الثانية، وشب وسط أسرة أمازيغية عريقة أنجبت عددا من المشاهير، وتابع دارسته الابتدائية والثانوية بتازة وأزرو والرباط، ولما بلغ الرابعة والعشرين أي سنة 1969، التحق بمدرسة فوجيرار Vaugirard بباريس، حيث درس فن التصوير والمونتاج .

وفي سنة 1975 التحق بالتلفزة المغربية إلى غاية 1977، حيث وضب العديد من الأعمال التلفزية والاستطلاعات، ومن ضمنها برنامج تلفزة 3 للراحل حميد بن الشريف؛ ثم انتقل في السنة نفسها إلى المركز السينمائي المغربي كمُرَكِّب لجل الأفلام المغربية الطويلة والقصيرة، حسب الناقد السينمائي خالد الخضري، وفي سنة 1980 استقال من المركز السينمائي المغربي ليتابع عمله في التوجه نفسه بالقطاع الخاص، وبالموازاة مع ذلك درَّس مادة المونتاج بمعهد الحسن الثاني للتواصل السمعي البصري بالدارالبيضاء من 1978 إلى حدود سنة 1983، كما درَّس التصوير بالمعهد العالي للصحافة بالرباط في موسم 1982 / 1983.

عُرف مزيان أيضا في وسط الجامعة الوطنية للأندية السينمائية منذ انطلاقتها الثانية بداية تسعينيات القرن الماضي، كمنشط ومساهم في الورشات واللقاءات والمهرجانات والمحترفات عبر مختلف المدن التي كانت تنشط بها الأندية السينمائية، كالرباط وفاس وتازة وسيدي قاسم وسدي سليمان والقنيطرة وخريبكة وبن جرير ومرتيل وآزرو…وتوزعت ورشاته بين كتابة السيناريو والمونتاج والتصوير..ولن أنسى مداخلته الصريحة حول واقع القاعات السينمائية بالمغرب في ندوة هامة ضمن برنامج الجامعة السينمائية الصيفية التي نظمت بتازة صيف 1993.

ولم يتوقف عمل محمد مزيان عند مهمة المونتاج (التوليف)، بل حاول ومنذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي ولوج علم الإخراج بتوقيعه لثلاثة أفلام روائية قصيرة ملونة من حجم 35 ملم، وكان شريطه القصير الأول بعنوان “نوح”، كتبه وأخرجه كما لعب فيه دور البطولة ومدته 20 دقيقة، وضمنه تساؤلات وجودية ومجتمعية كبرى، ثم شريط “حورية”، أخرجه سنة 1998، وفيلم “رؤى”، وهو شريط تركيبي عن المهرجان الرابع للسينما المغربية بطنجة المنظم سنة 1995. وفي هذا المهرجان حصل محمد مزيان على جائزة أحسن مونتاج للفيلم الروائي القصير “لعبة القدر” للمخرج عمر الشرايبي، كما فاز الجائزة بنفسها عن تركيبه للفيلم الطويل “بحر الرمال” للمخرج المالي أبدولاي إسكوفاري بمهرجان جوهانسبورغ السينمائي بدولة جنوب إفريقيا سنة 1998 .

وبينما كان يستعد لإخراج أول فيلم روائي تلفزيوني طويل له، لفائدة القناة الثانية وقتذاك، فاجأته المنية ليلة عيد الأضحى (10 ذي الحجة 1425 هـــ) 20 يناير2005 م، في أحد الفنادق الشعبية المتواضعة بالدار البيضاء، بعيدا عن الأهل والأصدقاء والأحبة، ولم يُعرف خبر وفاته إلا ساعات بعد الذي شاءته الأقدار، وكأنها تعيد رسم خاتمة هذا المبدع بنفس مسار حياته الذي تميز بالصمت الممتد والكلام الهادف الصريح حينما تستوجبه الظروف والملابسات، فلم يكن الرجل من هواة الثرثرة الفارغة، ولا من متحذلقي آخر زمن في المفهومية والمفاهيمية والمفهمة والتمفهم، بل كان دائم الصمت العميق، لكأنه كان ينصت لدواخله أكثر بكثير من اهتمامه بالعالم الخارجي الشرس والمنافق، كان حسب رفيق دربه في الرباط ابراهيم إغلان “سخيا، كريما في كل شيء، لا يأبه بالحدود الحمراء أو السوداء، تمنى بصدق أن تلعب الجامعة الوطنية للأندية السينمائية دورها الحقيقي في تكريس قيم الجمال والسؤال؛ لذا ناضل، كي نكون نحن جماعة الأندية السينمائية جماعة مستقلة من الأوامر والمقالب، أغدق علينا بمشاريع عمل وبنصائح قابلة لترجمتها إلى الواقع…لكنه رحل، ولم يتحقق من ذلك شيء”..رحمه الله.

نشر بهسبريس في : 11 ماي 2017

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى