أي دور يراد للمدرسة العمومية المغربية أن تقوم به؟

من أهم تبعات التحولات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة ترسيخ وتوطيد وتعزيز مكانة ووظيفة المدرسة في حياة الأفراد والمجتمع على حساب مؤسسات وبنيات أخرى كان لها السبق في التربية والتنشئة الاجتماعية. تبعات اعترت، بداية، مجتمعات “ما بعد الحداثة” في الدول الصناعية المتقدمة التي تفتت فيها الأسرة وتراجع دورها بل وظهرت لها أشكال جديدة انعكست معها الأدوار الاجتماعية للوالدين باسم المساواة والحرية الفردية. لتمتد بعد ذلك لمجتمعات تنعت بالمحافظة حين قدمت الأسرة استقالتها من لعب دورها الريادي في تهذيب الأطفال وإكسابهم ما توافق عليه المجتمع من محاسن السلوك وفضائل الأخلاق، فتفرغت الأمهات للفضائيات واستكان الآباء للمقاهي والمباريات. مما أفضى إلى تضخيم أدوار المدرسة (بكل أشكالها ومستوياتها) وتحميلها مهام التربية والتعليم والتكوين والتثقيف والإدماج الثقافي والسوسيو-اقتصادي للأطفال واليافعين. فكيف ستتعامل المدرسة مع هذا الوضع؟ أية وظيفة ستوكل لها؟ وهل هي محايدة في ممارسة وظائفها؟
المدرسة في أصل تسميتها اللاتيني والإغريقي تحيل على الترفيه أو الوقت الحر المجرد من كل إجبار أو إكراه على العمل النفعي في ماديته. فهي بهذا المعنى تدل على الفضاء والوقت المخصصين للتعلم من أجل تثقيف الذات وتنمية المعارف وتنوير العقل أي لتعلم المعرفة من أجل المعرفة في حد ذاتها وليس لتوظيفها في حل مشاكل الحياة العملية. وبهذا المفهوم فالمدرسة موجهة لتنشئة الإنسان الحر والمتحرر من الالتزامات المادية أو انشغالات العمل والإنتاج. ومع الرومان ترسّخ هذا المفهوم، فصار “Otium” أو وقت الدراسة نقيضا لـ “NegOtium” الدال على وقت المتاجرة أو مزاولة الأنشطة المادية النفعية. على هذا الأساس فالوظيفة الأساس للمدرسة هي الإسهام في نقل معارف وأفكار تنير العقول وتنمي ملكات الحس النقدي والجمالي لتكوين إنسان حر يستبطن عن وعي وقناعة القيم المشتركة للمجتمع الذي يعيش فيه.
بالنسبة لدوركاييم إذا كانت المدرسة تقوم بالتنشئة الاجتماعية عبر نقل القيم الاجتماعية من جيل لآخر فإن ذلك يتم من خلال علاقة وطيدة وتفاعلية بين السطات السياسية والمكونات الاجتماعية السائدة والممارسات والنظم التربوية التي يتم تطويرها. بصيغة أخرى فإن المحتويات المعرفية والممارسات التربوية والسلوكية التي يراد نقلها للمتعلمين عبر المناهج والبرامج تكون نتيجة اختيارات تخضع لمنطق ثقل القوى السائدة. وهي بذلك اختيارات ذات صبغة سياسية تحدد على ضوئها الأدوار الرئيسية الموكولة للمدرسة في زمن معين خدمة لرؤى وأفكار وتطلعات الفئات الاجتماعية المسيطرة في مجتمع معين. ويكون على باقي الفئات الاجتماعية الامتثال والتماهي معها لأن الجهات التي اتخذتها يفترض فيها التمثيل الديموقراطي لها والنيابة القانونية عنها. وبخصوص الحالة المغربية فإن اختيار غايات المدرسة وأهدافها والمناهج والمضامين الدراسية يتم على مستوى المجلس الأعلى للتربية والتكوين باعتبار تركيبته المتشعبة الفاعلين والمتدخلين الذاتيين والمعنويين مما يجعلها تتطابق مع ما اصطلح عليه ييف شفلار مفهوم “Noosphère” . فأي مفهوم حدد المجلس للمدرسة من خلال رؤية الإصلاح 2015-2016؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من تقديم التوضيحين التاليين:
أولا: مع فجر الاستقلال اختارت الدولة المغربية تطوير مدارس أبناء الأعيان لجعلها مدرسة وطنية غايتها تكوين جيل من المغاربة القادرين على ملء الفراغ الناجم عن انسحاب المستعمر، وبالتالي تحقيق تحدي المغربة الذي شكل إحدى ركائز أول سياسة تعليمية بالمغرب. وقد تم استيحاء هذا النوع من المدارس من نموذج مدارس جيل فيري [Jules Ferry] التي واكبت إرساء الجمهورية الفرنسية الثالثة مع نهاية القرن التاسع عشر . فسنتي 1881/1882 أصدر وزير التربية الفرنسي [Jules Ferry] قوانينه الذائعة الصيت والمنظمة للنظام التعليمي الفرنسي والتي تمحورت حول ثلاث مبادئ أساسية هي: الإلزامية، المجانية واللائكية (لائكية المضامين أولا ثم لائكية المدرسين في وقت لاحق) في التعليم الابتدائي. قوانين كان الهدف منها إرساء مدرسة عمومية تتغيا تحقيق الوحدة الوطنية للأمة الفرنسية وتجييش الحس الوطني لاسترجاع الأراضي الذي فقدتها فرنسا عقب انهزامها أمام ألمانيا سنة 1870. حيث قَدَّر الفاعلون السياسيون حينئذ أن هزيمة 1870 كانت هزيمة للمعلم الفرنسي أمام المعلم الألماني وليس هزيمة للجيش. وبذلك صارت المدرسة العمومية الجمهورية في صلب السياسة الفرنسية داخليا باعبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية داخليا وآلية لنشر الاستعمار وتوطيد مقوماته الإيديولوجية في المستعمرات. مدرسة تطورت وتجددت بنياتها وأدوارها تبعا للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هذا النموذج من المدارس تجلت محدوديته في موطنه الأصل فرنسا وفي الدول التي استوحته ومنها المغرب. فرغم الترميمات والإصلاحات اللامحدودة التي أُدخِلت عليه لم يعد مسايرا للوقت الراهن وتحدياته التي أفرزت فاعلين ومؤسسات افتراضية قوضت أسسه القائمة على الانضباط والنظام والهوية الأحادية البعد. لذلك نجد أحد كبار منظري النظام التعليمي الفرنسي ينتقد هذا النموذج من المدارس ويدعو إلى الرجوع إلى أشكال أخرى للقسم الدراسي سادت قبل تشريعات كيزو 1830 وجيل فيري 1881. وهي أشكال تحاكي ما ساد في المدارس العتيقة بالمغرب حيث تتفاوت مستويات المتعلمين وأعمارهم وتتكيف المضامين التعليمية وطرق التدريس حسب احتياجاتهم قدراتهم العقلية.
ثانيا: في ظل تضخم الأدوار الموكولة للمدرسة وتعدد وتضارب المهام والأهداف المفترض فيها تحقيقها وبلوغها صار من اللازم فرز ما هو أساسي وحصري للمؤسسة التعليمية عما هو ثانوي وتتقاسمه مع متدخلين آخرين. وتحقيق ذلك يستلزم تحديدا واضحا وبشكل رسمي لوظيفة المدرسة. وعلاقة بهذا الأمر يمكن جرد 3 تصورات سائدة لهذه الوظيفة :
المنظور الأول يعتبر المدرسة آلية لتحقيق الوحدة الوطنية والتلاحم بين مختلف مكونات وفئات المجتمع من خلال نقل وتوارث القيم والثقافة والمعارف والقدرات المشتركة عبر توحيد المضامين والمحتويات التعليمية والحرص على نقها بطرق متماثلة لجميع المتعلمين. وهو منظور رغم سعيه النبيل لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع قصد تكوين مواطنين متنوري الفكر ومتسمين بالحس الوطني، فهو يطرح عدة إشكالات عملية وإيديولوجية. فمن جهة، يعد ضربا من الحلم تقديم نفس المحتوى المعرفي لتلاميذ متمايزين من حيث القدرات العقلية والاستعدادات النفسية والمؤهلات الاجتماعية بل هو مطية لتبرير الطابع النخبوي لهذا النوع من التعليم وسبب رئيس للفشل والهدر المدرسيين. ومن جهة أخرى، فإنه منظور من السهل أن ينزلق بسمو العملية التعليمية-التكوينية ويجعل من المدرسة آلية للفشل وإعادة إنتاجه والعنف الرمزي (حسب طرح Bourdieu et Passeron) أو يحولها إلى جهاز لنشر إيديولوجية النظام السياسي القائم (حسب ما ذهب إليه Bourdelot et Establet).
المنظور الثاني يركز دور المدرسة في إعداد الشباب وتأهيلهم للاندماج في سوق الشغل والحياة العملية من خلال تمنية كفايات تجعلهم قادرين على التكيف مع حركية اليد العاملة واستشراف مهن المستقبل ومسايرة التطورات والتحولات السريعة لمتطلبات سوق الشغل. وعليه، تصير وظيفة المدرسة إقدار المتعلم على تملك قدرات وكفايات عامة وخاصة يستطيع تحويلها ونقلها حسب ما تمليه ضرورات الوضعيات العملية التي تواجهه.
المنظور الثالث يتصور المدرسة كفضاء لتحقيق ذات المتعلم وتنمية شخصيته في تعدد أبعادها ومقوماتها. تصور ينطلق من حاجات المتعلم واستعداداته فيوفر له الظروف المناسبة لاكتساب المعارف والشروط الملائمة لممارسة الأنشطة التي تؤهله لبناء ذاته ومشروعه الشخصي.
فإذا كان هذا المنظور الأخير السائد في النظام التعليمي الفنلندي جذابا ويتطابق مثلا مع طرح Freinet و Montessori فهو يصطدم بمحدودية الموارد البشرية والمادية والتقنية لأبرز النظم التعليمية. أما التصور الثاني فينتشر خصوصا بألمانيا وكذا بلجيكا ويسعى إلى الربط الوثيق للمدرسة بسوق الشغل وعالم الإنتاج الصناعي والخدماتي للحد من البطالة. وبخصوص المنظور الأول فهو سمة النظام الفرنكفوني ونجده حاضرا بقوة في النظام التعليمي المغربي حسب ما بيناه في التوضيح الأول إلا أن الإصلاح الذي انطلق مع تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين عمل على الحد تبعاته الخطيرة على الفرد والمجتمع والتي منها تدني المردودية والبطالة والهدر والانقطاع وجحود فضل المدرسة وفاعليها. صحيح أن هذا الإصلاح بقي أبتر ولم يكتمل تنفيذه وكثر القيل والقال عن اختلاس مخصصاته، لكنه حقق للمدرسة “مكاسب كمية” غير مسبوقة وفتح نقاشات حول المدرسة فحوله إلى ضرورة تجويد خدماتها وتحقيق الإنصاف والمساواة في رحابها.
وبالرجوع لتصدير الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2016 نلمس “خطابا صريحا” يراهن على التجديد الجدي والشامل للمدرسة المغربية. وهو ما يتأكد من طرحها تساؤلات من قبيل ” لماذا لم تنجح الإصلاحات المتعددة المتوالية في التمكن من تحقيق النتائج المطلوبة، هل الخلل كامن في التصور أم في التطبيق؟ أم في الرؤية ذاتها؟ […] هل الخلل في النموذج التربوي والتكويني وغياب المراجعات اللازمة ؟…”. أسئلة تعيد النظر في النموذج البيداغوجي وتستقصي مكامن الخلل المزمن للنظام التعليمي وتنشد إرساء مدرسة قوامها المساواة والإنصاف والجودة وتكافؤ الفرص والرقي بالفرد والمجتمع. هي أسئلة تجعل النموذج التربوي القائم موضع نقد ومساءلة. فعل يعقل أن تبقى المدارس العمومية قفرا يجاور المقابر ومطارح النفايات؟ هل من يتبجح بحقوق الطفل يسمح لنفسه إجبار الأطفال على ارتياد أقسام بلا نوافذ ولا أسقف ولا مرافق صحية أو تدفئة لمدة تقارب خمس ساعات متتالية يوميا؟ بأي منطق “تقدس” كتب مدرسية ويجبر الأستاذ مكرها على تنفيذها والتقيد بدلائلها رغم أن الميثاق جعلها مجرد فرضية لتصريف المناهج الدراسية؟ هل وُفِّر للفاعلين التربويين (مدرسين وإداريين ومفتشين…) ظروف الاشتغال الجيد لفهم فلسفة الإصلاح والانخراط الجاد في تفعيله داخل الفصول الدراسية؟ ثم أية بدائل قُدِّمت للمتعثرين من التلاميذ وأية تحفيزات وُجِّهَت للمتفوقين منهم لتحبيب المدرسة لقلوبهم وحفزهم على التميز والاجتهاد كما نصت وثيقة إصلاح 1999؟ هي أسئلة نردفها لما تساءلت عنه ديباجة الإصلاح الجديد لنقول إن المدرسة لم يلمسها فعليا الإصلاح النوعي الذي بشر به الميثاق كي يُحْكَم على فشلها أو نجاحها في بلوغ مراميه.
كما أن تدبر فقرات تصدير الرؤيا الاستراتيجية يوحي بضرورة الإبقاء على المنظور القومي للمؤسسة التعليمية الهادف إلى تكوين مواطن متمسك بالثوابت الوطنية والهوية الوطنية المتعددة المكونات والمتنوعة الروافد ومتحلٍّ بقيم المواطنة الإيجابية والعيش المشترك. لكن فقرات منه تؤكد على حتمية ملاءمة النظام التعليمي مع متطلبات سوق الشغل قصد إعداد الخرجين للاندماج السلس في النسيج السوسيو-اقتصادي وتلبية حاجات المقاولات من اليد العملة المؤهلة للمهن الوطنية والدولية الآنية والمستقبلية حتى يتسنى للمغرب التوقع الفعلي ضمن اقتصاديات الدول الصاعدة. ملاءمة تُفَصِّل كيفياتِ بلوغها مختلفُ الرافعات التي تنص على إحداث مسار مهني منذ السلك الإعدادي وفتح مسالك البكالوريا المهنية وتوطيد التكوينات الممهننة كالإجازات المهنية والماستر المتخصص مع إرساء مسالك ورابط عضوية بين التعليم المدرسي والتكوين المهني. كما تم إعطاء مكانة كبيرة للفاعلين الاقتصاديين للمشاركة في التمويل واتخاذ القرارات ضمن المجالس والهيئات الاستشارية والتقريرية لمؤسسات التربية والتكوين.
بناء على ما سبق نخلص إلى أن النموذج البيداغوجي الذي تتوخى الرِؤية الاستراتيجية إرساءه بترصيد وتطوير وتجديد النموذج “السابق-القائم” ومنجزاته عبر عدد مهم من رافعاتها يسعى إلى التخلي عن المنظور الوطني للمدرسة العمومية إلى منظور أكثر إجرائية وتماهيا مع التوجه النيولبيرالي الذي تسير فيه الدولة المغربية – في غالب الظن إجبارا وليس اختيارا-لتساير تبعات مد العولمة الاقتصادية الفاحش. وهو نموذج يعمل على المزاوجة بين المنظورين الأول والثاني المشار لهما أعلاه لمحاولة تجاوز محدودية المنظور الأول وتجنب انتقادات التصور الثاني.
وختاما نشير إلى ملاحظتين اثنتين:
– سيرا على عادة السوء المتأصلة يستمر العبث بالزمن وقيمته. فحيث تحدد الرؤية الجديدة ثلاثة آماد للإصلاح أقربها 3 سنوات وأوسطها 6 سنوات وأبعدها ما تجاوز ذلك، غير أنه بعد موسمين من الشروع المفترض في تنزيلها يزداد الوضع كارثية ولم تَرَ الإصلاحات المبرمجة النور بعد.
– النصوص الرسمية المنظمة للإصلاحات السابقة والآنية (بنود الميثاق الوطني، مشاريع البرنامج الاستعجالي، رافعات الرؤية الاستراتيجية) تتضمن أفكارا واعدة وتصورات متقدمة لبناء مدرسة وطنية تضاهي ما يوجد في البلدان الراقية لكن واقع الحال أنها مدارس بلا “روح”. مما يدل على أن الإصلاح التي تنظر له المؤسسات العليا يبدأ واديا دفاقا ليصل إلى القسم الدراسي قطرات متقطعة لا تروي ضمأ التلاميذ المتعطشين للعلم والمعرفة. وهو أمر يستدعي تنقية المجاري الرابطة بين هرم المنظومة التربوية وقاعدتها لإزالة كل ما يسد مسالك وقنوات الإصلاح ويمنع تدفق فلسفته وأفكاره وإسقاطاته إلى المستهدفين الحقيقيين به عبر إصلاح إداري وحكامة ناجعة يجعلان خدمة مرتفقي المؤسسات التعليمية في أولى الأولويات تنفيذا للتوجيهات الملكية بمناسبة تنصيب البرلمان الجديد.
*باحث في علوم التربية – جامعة ليون2 / فرنسا



