السيتي

الأستاذ إبراهيم المكاوي يكتب عن الدخول المدرسي: مقارنة بين المغرب وفرنسا

انتهت العطلة الصيفية وحل الدخول المدرسي من جديد حيث يستعد التلاميذ للالتحاق بأقسامهم ومعانقة أصدقاء الصف، بينما يضرب أولياء أمورهم الأخماس في الأسداس لتدبير تكاليف اللوازم المدرسية وأقساط المدارس الخاصة خصوصا وأن الدخول المدرسي تزامن هذه السنة مع عيد الأضحى المبارك. والمتتبع لأجواء هذه السنة يلمس الارتباك الحاصل في تيسير التحاق التلاميذ بفصولهم: خصاص مهول في الأطر التربوية، أقسام مكتظة، إلغاء التفويج، تقليص الغلاف الزمني لبعض المواد، غياب كتب مدرسية وارتفاع أثمان أخرى، تباين في تواريخ التحاق التلاميذ بين القطاعين العام والخاص، مزايدات بين الأحزاب السياسية حول إصلاح المدرسة. وكأن الأمر يتعلق بدولة مغمورة بلا أمجاد وليس دولة ضاربة في التاريخ وتطمح لأن تكون من الاقتصاديات الصاعدة. طموح لن يتحقق والمدرسة العمومية المغربية لا ترضي أحدا بل ويفر من “خدماتها” المعسرون قبل الميسورين.

60 سنة مرت على استقلال المغرب ولا زال تعليمنا غارقا في التخلف والارتجالية، أو هكذا يراد له أن يكون. 60 سنة من الاستقلال ومدرستنا أشبه بالقفار، لا مرافق صحية ولا أنشطة موازية أما فضاؤها فلا مضياف ولا جمالية؛ استراتيجيات وشعارات رنانة لكن بمناهج ومقررات عوجاء لا تساير مستجدات البحث العلمي في المجال التربوي.

في هذا المقال الافتتاحي سنحاول تقديم عرض موجز لبعض التدابير المواكبة للدخول المدرسي بفرنسا هذه السنة. تدابير تقف وراءها وزيرة ذات أصول مغربية. كباحث في المجال، فاعل تربوي وأب لطفلين يدرسان بالتعليم الفرنسي سأقتصر على عرض كيفية تدبير الدخول المدرسي بفرنسا تاركا للقارئ الكريم مقارنتها بالوضع في بلدنا الحبيب.

على المستوى المادي والتنظيمي:

*التنظيم المسبق والدقيق للإجراءات الضامنة لدخول مدرسي جيد بتوفير عدد كاف من المدرسين وتوزيعهم على المدارس والأقسام مع نهاية الموسم السابق مع توفير أستاذ فائض (maître plus) في المدارس الكبرى مهمته تقديم الدعم للمتعثرين وتعويض من تغيب من الأساتذة عند الاقتضاء.

*تكفل الجماعات والبلديات بتوفير الكتب واللوازم المدرسية لجميع الأطفال بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي. كما تتكفل بتوفير كل ما يحتاجه الأساتذة من تجهيزات ووسائط ديداكتيكية.

*علاوة على ما سبق، عند كل دخول مدرسي يمنح صندوق التعويضات العائلية (caf) منحة دراسية عن كل طفل متمدرس تقارب قيمتها 2500 درهم. ولتشجيع التلاميذ على الانخراط في الأندية الرياضية يمنح المجلسان الجماعي والإقليمي دعما ماليا (على صيغة شيك رياضي) بحوالي 700 درهم عن كل تلميذ منخرط. وبذلك فالدخول المدرسي فرحة للأطفال وتوسعة للأسر وليس هما يجثم على صدور الآباء لتحمل تكاليف ممارسة حق وواجب مكفول بالدستور.

*التحاق جميع التلاميذ بأقسامهم صبيحة يوم فاتح شتنبر. وتستمر الدراسة بشكل فعلي إلى غاية مساء 5 يوليوز مع احترام مطلق للزمن المدرسي طيلة السنة الدراسية. وكم هو مؤثر منظر التلاميذ ومدرسيهم ومدرساتهم وهم يتبادلون الهدايا (باقات الورود) والعناق عشية يوم 5 يوليوز.منظر جعلني أتساءل: لماذا تنتهي الدراسة في بلدي شهرا قبل موعدها ولماذا هذا الهدر للزمن المدرسي؟ ثم هل يسود الحب والاحترام علاقات الفاعلين التربويين والمرتفقين من التلاميذ وذويهم أم أن العنف والعنف المضاد سمة تلكم العلاقات المتشنجة أصلا؟

على المستوى البيداغوجي:

*المدرسة عبارة عن فضاء حقيقي للتربية والتكوين بتجهيزات مادية متكاملة وطاقم بشري مؤهل ومتنوع (مدرسون، مدرسون مختصون، أخصائيون في علم النفس، مساعدون تربويون وإداريون).

*ساعات الدراسة الأسبوعية 24 ساعة مع عطل مدرسية من أسبوعين بعد كل 7 أسابيع من الدراسة.

*عدم الاقتصار على القسم والمدرسة كفضاء وحيد للتعلم حيث يتم الانفتاح على فضاءات أخرى كالمتاحف والمسارح والسينما والمسابح والمواقع الأثرية من خلال خرجات مدرسية مدرجة في إطار الحصص الدراسية. بالإضافة إلى ذلك يتم الانفتاح على فاعلين آخرين (فنانون، آباء وأمهات…) لتقديم أنشطة للتلاميذ في إطار مشاريع الأقسام.

*حرص البلديات على توفير الإطعام المدرسي وكذا رزنامة من الأنشطة الموازية خارج الزمن المدرسي مما يسمح بتنمية مواهب الأطفال في مجالات مختلفة منذ اليوم الأول من السنة الدراسية.

*مأسسة التواصل والتعبئة بين مختلف المتدخلين على المستوى المحلي من خلال الإجراءات التالية:

– خلال الأسبوع الأول من السنة الدراسية يستدعى أولياء التلاميذ لشغل مقاعد أبنائهم بالفصل الدراسي ويقدم المدرس (ة) بتفصيل برنامج عمله السنوي مع شرح لطريقة عمله ويجيب عن أسئلتهم وملاحظاتهم.هذا الإجراء يمكن من تعاقد واضح بين الأسرة والمدرسة بخصوص سيرورة تعلم التلميذ طيلة السنة الدراسية.

– انتخاب ممثلي أولياء التلاميذ عبر الاقتراع المباشر خلال الأسبوع الأول من شهر أكتوبر. ويتجسد دورهم في المشاركة في تدبير المدرسة وتنظيم مجموعة من الأنشطة لتوفير موارد مالية لتمويل بعض الأنشطة غير الصفية كحفلة وخرجة نهاية الموسم الدراسي. ومن هذه الأنشطة تنظيم معارض لبيع لوحات التلاميذ أو الشتلات أو الحلويات التي تحضرها الأمهات.

– الدورات الثلاث لمجلس المدرسة الذي يحضره زيادة على الطاقم الإداري والتربوي وممثلي الآباء منتخبون عن المجلسين البلدي والإقليمي ورئيس المصلحة المدرسية بالبلدية. هذه الدورات تشكل فرصة حقيقية لعرض برامج عمل الأقسام ومناقشتها مع طرح الصعوبات والعراقيل التي تواجه إنجازها ويبدي كل الأطراف ملاحظاتهم وانتظاراتهم.

ويحرص المنتخبون على حضور هذه الاجتماعات للتواصل مع المدرسين وممثلي الآباء.

يلمس من جملة التدابير المنظمة للدخول المدرسي أهمية ومكانة المدرسة وتعلم الأطفال بالنسبة لجميع المتدخلين: دولة ومنتخبين وأسرا ومدرسين. كما أنها تعكس قوة الإصلاح الذي تقوده الوزارة المعنية للرفع من جودة الخدمات التربوية خصوصا فيما يتعلق بتعزيز تعلم اللغة الفرنسية واللغات الحية (إصلاح التعليم الإعدادي مثلا) والتمكن من التخصصات العلمية. وذلك ليس بمواثيق ومخططات ورؤى استراتيجية بمتمنيات وأحلام وردية لا ترى النور أو تنهب مخصصات تنزيلها، وإنما بإجراءات عملية وإجرائية تستهدف التلميذ والمدرس بصفة أخص. ومن بين الإجراءات المتخذة في هذا الإطار، الرفع من أجور المدرسين، رفع الحيف عن مدرسي الابتدائي بمساواة تعويضاتهم مع أساتذة الثانوي، سن تعويض عن المردودية لتحفيز المدرسين مع إجراء عملية توظيف واسعة في قطاع التربية الوطنية. وللرفع من كفاءة المدرسين يتم حفزهم على استكمال تكوينهم الجامعي بالكليات والمعاهد المتخصصة في البحث في علوم التربية (مثل FSE, ISPEF) والانخراط في المراكز المتخصصة في البحث التربوي(IREM مثلا) وإعداد العدد الديداكتيكية الملائمة (CDDP, CRDP)، زيادة على تنظيم دورات للتكوين المستمر خارج الزمن المدرسي.

إن الإصلاح الحقيقي هو الذي يستهدف قطبي العملية التعليمية -التعلمية الذين هما التلميذ والمدرس والذي تقع انعكاساته على مخرجات المنظومة التربوية المتمثلة في المواصفات الفعلية للخريجين لحظة ولوجهم سوق الشغل ومواقفهم وانشغالاتهم تجاه القضايا الوطنية والكونية.  فهل الإصلاحات الأخيرة التي عرفها المغرب مع العهد الجديد دخلت حجرات الدرس أم أنها بقيت حبرا على ورق وموضوعا للنقاش في قاعات الفنادق المصنفة والمكاتب المكيفة؟ ما سر الهوة الواسعة بين النصوص المؤطرة لهذه الإصلاحات وما تحقق فعلا لدى المتعلم المستهدف والتي وقفت عليها تقويمات المجلس الأعلى للتربية وللتكوين؟ هل فعلا مدرستنا العمومية فاشلة وتعلم “الخرايف” للتلاميذ أم أنه يراد إلصاق هذه الصفة بها خدمة لجهات معينة؟ يتهم مُنَاوِئُو هذه الإصلاحات بأنها مستوردة من الغرب وبأنها لا تتماشى والخصوصية المغربية، فهل الأمر كذلك؟ وإلى أي حد تطابق ما هو موجود بالأنظمة التعليمية الفرنكوفونية الاوروبية (فرنسا وبلجيكا)؟

سنحاول مقاربة هذه التساؤلات من زوايا تاريخية وبيداغوجية وديداكتيكية في مقالات لاحقة.

*باحث في علوم التربية – جامعة ليون 2 بفرنسا.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. ما اثار انتباهي اخي فضيل هو حديثك عن مشروع التربية الدمجية، لقد كان فعلا مشروعا يحمل في طياته نية الاصلاح ولو على المستوى المحلي، غير ان التسرع في القرارات وفردنتها احيانا دفع المنخرطين (بفعالية) في اتجاه ملاحظة هبوب رياح الاستحواذ و الركوب على بصيص الامل لاغراض ليست فقط في نفس يعقوب وانما لال يعقوب.

  2. اشكرك جزيل الشكر سي ابراهيم على هذه المقارنة الواقعية بين المغرب وفرنسا فيما يخص الدخول المدرسي واتمنى ان تكون بداية لمقارنات اخرى و التي ستكشف لا محالة عن مفارقات عجيبة على مستويات متعددة في وطننا الحبيب. واحييك من هذا المنبر الاعلامي المتميز عن الغيرة التي تدفعك نحو نفض غبار الواقع الذي اصبح مالوفا ونقبل به كما لو قدر لنا ان نعيش واقعا رسمه حاملي الشكارة,

  3. شكرا سي ابراهيم على هذه المداخلة الرائعة و شكرا لجرسيف سيتي على النشر
    من خلال المقال يبدو أن الكل منخرط في الاصلاح ادارة و مدرسين و اسر و منتخبين هذا ما كنا نحلم به من خلال انجاز مشروع التربية الدمجية

زر الذهاب إلى الأعلى