السيتي

جرسيف: عندما كان معرضها الفلاحي يستقطب المغاربة والجزائريين والفرنسيين

جرسيف أين ملوية ومللو لمن لا يعرف ذلك، هي مدينة ومحيط بذاكرة غنية وإسهامات عدة في زمن المغرب ومجاله. لما كانت عليه من وقائع وأدوار، جعلتها بتفرد على عدة مستويات، كذا بأنشطة وتفاعلات وأحداث على قدر عال من  الرمزية. سواء تعلق الأمر فيها بزمن بعيد تذكره مصادر تاريخية، أو قريب لايزال بتماسات مع اهتمامات آنية ورهانات تنمية محلية. فبفضل موقعها وخاصية بيئتها، وغناها النباتي كمجال عشبي بامتياز، جعل منها أهم امتداد رعوي بشروط تكاملية في المغرب. بفضل كل هذا الكائن البيئي كانت جرسيف على عهد الحماية الفرنسية بالمغرب، تشهد سنويا وتُعرف بموعد فلاحي رعوي جهوي. بأهداف عدة وأنشطة مندمجة، وباشعاع وعملية إعداد وتنظيم، وتاريخ انعقاد لم يحدد عبثا. موعد كان رهانه ابراز موارد فلاحية محلية، كما بالنسبة لتربية الماشية والرعي مثلا مستفيدة من مقدرات هامة في هذا المجال.

     في هذا الاطار ومنذ ثلاثينات القرن الماضي، كانت جرسيف تستضيف معرضا يُعقد تحديدا خلال شهر يناير من كل سنة. ارتأت الجهات المنظمة آنذاك أن يكون معرضا خاصا بتربية الماشية تحديدا منها الأغنام، وعيا بما كان يوفره مجالها/ بواديها من إمكانات ضخمة ونوعية، وبما كان لهذا النشاط الاقتصادي المعيشي من أهمية في النماء المحلي. معرض جرسيف هذا كان ينظم تحت اشراف، ما كان يُعرف في زمن الحماية على البلاد بالمراقب المدني لجرسيف، بتأطير وتوجيه ممن كان يشرف قانونيا على قطاع تربية الماشية بتازة بحكم التبعية الادارية. موعد جهوي شكل على امتداد سنوات مناسبة لعرض منتجات المنطقة، وابراز تميزها وتفردها من حيث الجودة والعناية مقارنة بمناطق مغربية أخرى، كانت تشتهر بدورها بهذه الأنشطة الفلاحية. وكما ما هو عليه حاليا من إمكان بيئي وشروط رعي هامة، كان مجال تافراطا الشهير بالمنطقة غير بعيد عن جرسيف، يسمح بموارد كلأ طبيعي واسعة. بحيث كلما كانت السنوات مطيرة، كلما كانت عملية الرعي مناسبة وداعمة، لعرض نوعي من الاغنام خلال هذا الموعد من حيث قيمته المضافة، كما حصل مثلا خلال موسم1938.

   وكان معرض جرسيف لهذه الغاية الاقتصادية والتجارية والانمائية، يستوعب سنويا أكثر من ستين ألف رأس من الغنم، ضمن فضاءات أو”زريبات” خاصة parcs. كانت تسمح  بعرض نماذج من الماشية المحلية صنف الأغنام، بحسب مناطق الرعي التي تنتمي وتربط بها. ومن وجهات الرعي الهامة وغير البعيدة، التي كانت تحضر بمنتجاتها في هذا الموعد، هناك طبعا اضافة لجرسيف كل من ميسور ووطاط الحاج، ودبدو وولاد علي ومغراوة وتاوريرت، ثم صاكا ومزكيتام وبركين. وللإشارة فمن مجموع ستين ألف رأس من الأغنام المعروضة، حوالي خمسين ألف منها كانت موجهة للتسويق، والجزء الهام منها كذلك كان ملقحا ضد مرض جدري الأغنام. ومن جملة ما كان يعرض بهذه المناسبة من حيث جودتها ونوعيتها، ما كان يجلب من مزكًيتام بواسطة من كان يعرف آنذاك ب:القايد امحمد، ومن واد أمليل بواسطة أحد المعمرين المربين للماشية والذي كان يسمى ب:أربرو “arbero “، ومن تاوريرت بواسطة مربي شهير للماشية كان يعرف ب: بن زركًة. ويسجل أن معرض جرسيف للأغنام في فترة الحماية على المغرب، كان يحضره عدد هام من مربي الماشية وتجار مهتمين بهذا المجال. عن الدار البيضاء والرباط وفاس وغيرها من المدن المغربية، اضافة الى عدد كبير من التجار/ المشترين، عن المغرب الشرقي والجزائر تحديدا من مدن، وجدة ومغنية وغيلزان ووهران ومستغانم والجزائر وتيارت وغيرها. ومن أنواع الماشية/ الاغنام التي كان يتم عرضها بهذه المناسبة، تلك القادمة من جبال مجاورة ثم نوعا آخر كان يعرف بالصنف البربري، وآخر كان خاصا بقبيلة بني كًيل التي اشتهرت ولا تزال كذلك، بعملية الرعى الواسع في الهضاب العليا الشرقية المغربية. وأمام تنوع العرض من الأغنام بهذه المناسبة، وتباينه من حيث العناية والجودة والسمنة، ما كان يسمح بتوجيهها إما الى الذبح مباشرة أو لعملية التسويق. فان التجار الجزائريين الذين تعودوا على هذه المنتجات، كانوا يحضرون بكثافة يعمدون لاقتناء الأقل سمنة من الأغنام، ما كانوا يعتبرونه تجارة رابحة وهامة، بحكم ما كان يتوفر لذيهم من آليات تسمين، ومن كلأ ورعي paturages، يسمح بتغير حالة الماشية وفي وقت وجيز من أجل تصديرها الى فرنسا. وكانت المعاملات التجارية في معرض جرسيف للأغنام، نشيطة جدا وتهم تقريبا ثلاثين ألف رأس من هذه الماشية.

   وكانت الأكباش beliers تباع بحواي 2 فرنك وأربعين سنتيم للكلغ الواحد، أما الخرفان الملقحة فقد كانت تباع ب 3 فرنكات للكلغ الواحد. وتقريبا جميع ما كان يباع من الخرفان، كان يتم توجيهه الى الجزائر. بواسطة إما القطار اعتمادا على حوالي عشرين عربة كانت تخصص لهذه العملية. أو عبر طرق برية كانت تسمح بالاستفادة، من الكلأ الطبيعي المتوفر على طولها، وهذا الاسلوب في نقل الماشية كان يقلل من التكلفة. بالمقابل ما كان يتم نقله الى الدار البيضاء مثلا، لم يكن يتجاوز عربتين في القطار. ومعرض بهذه الدينامية، كان يسمح بتطوير الامكانات المتوفرة، وتحفيز الانتاجية المحلية من الأغنام، بالرفع من قيمة جودتها. انما كذلك إثارة عناية وانتباه المعمرين المستثمرين بالمغرب آنذاك، لما هو متوفر من إمكان هام في هذا المجال بالمنطقة، ولما يخص عملية تسمين الماشية وفق ما كان معتمدا عند مربي الماشية بالجزائر. وكانت دورة يناير 1937 لمعرض جرسيف هذا مثلا، قد افتتحت رسميا من قبل الجنرال lauzane رئيس دائرة تازة، برفقة الطبيب eyraud الذي كان رئيسا لمصلحة تربية الماشية بالمغرب. وعموما كان هذا الموعد الفلاحي السنوي بجرسيف، يروم خلق حركة تجارية بين منتجين محليين وأروبيين، وبين تجار متخصصين في هذا المجال بالمغرب والجزائر، كانوا يفضلون حضور هذه المناسبة لاقتناء أعداد هامة من الماشية. وكانت شركة الخطوط الحديدية، تسمح بأثمنة مشجعة ومحفزة من أجل التنقل أو نقل الماشية، إما الى جرسيف أو منها الى وجهات أخرى من البلاد. فماذا لو تم التفكير في إحياء تقليد اقتصادي هام، كان قائما محليا وفاعلا في ماض قريب. من خلال بناء رؤية تدبيرية ذكية ونموذجية، بأفق انمائي واشعاعي في اقليم حديث العهد. والى جانب ما تحضى به شجرة الزيتون بجرسيف من أهمية منذ عقود، بماذا يمكن أن يسهم موعد يأخذ بعين الاعتبار قطاعا آخر أكثر آفاقا، وانسجاما مع بيئة محلية داعمة. من أجل موقع قوي وبصمة أهم وأفيد، ضمن مغرب شرقي بإمكانات واسعة ومتنوعة. وتقسيم جهوي جديد الرهان فيه على تنافسية فاعلين وتميز انتاج أساسا، وعلى ذكاء ترابي للمجال وآليات تدبير رافعة وحكامة جيدة.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. نتما ان يتم أحياءه من جديد لا ان يتم تعويضه بمهرجان “سينما الهامش”ملتقى الدواب بالفنادق المصنفة

  2. Cette foire existait jusqu’au début des années 1960,elle se tenait à Chouibir à l’ouest du cimetière “Seb3atou Rijal

زر الذهاب إلى الأعلى