أعالي جرسيف: مياه السقي أو السبيل في الثقافة الزراعية عند آيت وراين الشرقية

بحكم طابعها المناخي كان لفعل فيضان الأودية بأعالي جرسبف أين آيت وراين الشرقية وبركين، أثر في تغيير معالم اراضي زراعية بالمنطقة. بحيث كان يتم إغراق كل شيء من حدود بين الحقول وأشجار مثمرة وغيرها، كما أن الأراضي الصالحة للزراعة كانت تغطى بالأتربة والأحجار، وبجميع ما كان يتم نقله بواسطة مياه جارية. فقد نتج مثلا أثناء فيضان واد بني بونصر مع بداية شتنبر 1935 خسائر عدة، منها ثلاثة قتلى وحوالي ألف ومائتي رأس من الماشية جرفتها المياه، ومعها خمسمائة هكتار من أراضي الذرة ومائتي هكتار من اراضي مسقية، اضافة الى ألف ومائتي شجرة مثمرة وأربعة وأربعين منزلا عبارة عن خيام وبيوت من خشب ومن مواد محلية. وكلما حصل هناك فيضان للأودية محليا كلما كان يصعب على أصحاب الأراضي، العثور على علامات وعلى كل ما يشير للحدود بين الأراضي (bornes). كلها صعاب عيش كانت تنضاف لما كان يرتبط بمياه السقي المعتمدة على الأودية، ولما كان هناك من أعراف وتشريعات على بساطتها، كانت بأثر في علاج عدد من المشاكل التي كانت تطرح بين الأهالي. كما أن أصحاب الأراضي المستفيدين من هذه المياه، لم يكن يصلهم سوى القليل منها، أمام مجموع من كان في حاجة لمياه السقي من أجل العيش. وعليه فإن جل الفلاحين كانوا يعتمدون على مياه العيون لسقي أراضيهم. في هذا الاطار من المهم الاشارة الى أنه بمنطقة آيت جليدسن وآيت تايدة، هناك عدد كبير من عيون المياه تعرف زيادة في صبيبها أثناء فترة سقوط الأمطار، وتسهم في تغدية الأودية وتوسعها. هذا بخلاف ما يحدث خلال فترة الصيف عندما يضعف صبيب مياه العيون، ولا يتمكن من جريان سوى لمسافة قصيرة في مجال واسع، بحيث تدريجيا عند خروج المياه من العيون تتعرض للتسرب (infiltration) وتتبخر. ولهذا فبالقرب من هذه العيون يلجأ الأهالي، لربط ساقيتهم بقصد نقل المياه الى حقولهم. ومن هنا تبدأ وتظهر الصعاب التي كان يواجهها السكان، عند إقدامهم على فتح سواقيهم خاصة في مناطق صخرية، وعندما تكون هناك مسافات كبيرة تقدر بالكلمترات. ولهذا فالمسافة تدعو لتعاون بين الأفراد لتحقيق هذه المنشآت، وبناء السواقي من أجل توزيع المياه بينهم، وعادة ما يتم تجميع المياه في مخزن يسمى “تيجنت”. وكل من ساهم في بناء الساقية، وفي حفر مخزن المياه يستفيد من كمية مياه “قسمة” تناسبه، فماذا عن أصل قانون مياه السقي بهذه المنطقة. إن ملكية مياه السقي لا تدخل في ملكية الأرض، ولهذا فقط عبر عقود البيع والتقسيم العادي والحيازة، يمكن التعرف على كيفية انتقال ونقل ملكية المياه الخاصة بالعيون. وهذه العقود هي أربعة أنواع عقود بيع أرض مسقية بدون ابراز وتحديد الحق في الماء، ثم عقود بيع اراضي مسقية بدون حق في السقي، ثم عقود بيع أرض مسقية مع تحديد وابراز الحق في مياه السقي، وأخيرا عقود بيع الماء فقط. وكانت هذه العقود تتم وفق هذا الشكل: ” عقد بيع رقم …في…المسمى …باع للمسمى…والذي قبل أرضا مسقية مساحتها…بقدر ما هو…”
إن بيع مياه السقي خاصية أساسية في بلاد آيت وراين الشرقية حيث بركين، وهي وضعية تثبت أن المياه متوفرة بقدر كاف لسقي الأراضي. وأن الفرد لا يبيع منه سوى فائض مما يتوفر علي (l exedent)، ما يشكل أمرا حقيقيا في بعض الحالات. كما أن هذا الأسلوب يسمح عموما بانعكاسات وأثر اقتصادي واجتماعي، مما يقلل من منع بيع هذه المادة الحيوية في الأرياف مادام أنها ممكنة. إن الماء كتجارة هامة لا يمكن أن يكون بأثر ايجابي ومصدر ربح سوى بالنسبة للأفراد الأغنياء، الذين يمكن لهم بيع جزء من مياههم دون أن تعاني أراضيهم من نقص في هذه المادة الأساسية للزراعة. أما الفقراء الذين لا يتوفرون سوى على ضيعات ضيقة، فهم يضطرون للمعاناة أكثر من أجل شراء ماء كاف للسقي. مع الإشارة الى أن كسل بعض المزارعين يدفعهم أحيانا لبيع مياههم، على أساس أن دخلهم من عملية البيع، تكون أفيد وأحسن من سنتين أو ثلاث فلاحية، والتي لن يتم فيها العمل بالحقول. وكما حال نقل ملكيته فإن فقدان حق مياه السقي، يتبع مصير الأرض التي يسقيها والتي تكون معزولة عنه، والحالة الأكثر انتشارا والعادية بمجال آيت وراين الشرقية وبركين، هي البيع مع الأرض وبدونها كذلك، كما أنه عند الوفاة يتم تقسيم الممتلكات على الورثة المستفيدين من الماء. وفي ما يتعلق بالشكايات الخاصة بالمسألة المائية بهذه المنطقة، فهي على قدر كبير من الانتشار. فالمحكمة العرفية محليا عرفت عددا من الدعاوي حول هذا الاشكال، والتي همت إكراهات مفروضة بسبب سواقي مائية ومخازن مياه وتغيير لوجهات قنوات مياه وسرقتها كذلك. وكمثال عن هذا الوضع بالمنطقة دعوى قضائية خلال غشت 1934، جاء فيها عند مشتكي، أن ضيعته تعرضت لاجتياح بمياه قادمة من ساقية جيران مشتكى بهم، وهو ما تسبب في ردم وانهيار جعله يلجأ للعدالة بقصد طلب تعويض. شكاية رد عليها المشتكى بهم أنهم ليسوا الذين كانوا يسقون الأرض عندما حدث ما حدث، شكاية وردود دفعت بعنصرين عن المحكمة العرفية بزيارة للمكان من أجل معاينة الضرر. حيث تبين أن الخسارة شملت مساحة تقدر بحوالي ثلاثة عشرة متر على مترين، ليتم تقدير تكلفة الضرر في خمسة عشرة دورو، مع أجل للمشتكى بهم من أجل دفع القدر في مدة لا تتجاوز الأسبوعين. ويبقى عند آيت وراين الشرقية أنه لا يمكن لأي أحد كيف ما كان، أن يعترض على مرور مياه السقي المسماة “السبيل”. وحتى اذا كانت هذه المياه تقطع أرضا في ملكية فرد ما ولا يستفيد منها، لم يكن له حق المطالبة بأي تعويض. وهو ما سيأتي ضمن ورقة قادمة بحول الله.
*أستاذ باحث




شكرا جزيلا للقائمين على هذه الجريدة الرائعة والذي أبانوا عن إحترافية ونضج كبير في تناولهم وإختيارم للمواضيع الإخبارية التي تنم عن كفائتهم ومهنيتهم.
كأحد أبناء جرسيف الغيورين على مدينتهم اليوم أصبح بإمكاني الإفتخار بمدينتي وأبنائها المبدعين والرائعين قولا وفعلا والفضل كل الفضل يعود لكم طاقم جرسيف سيتي المحترف.
شكرا لكم
وأتمنى أن أساهم معكم يوما في أحد أركان هذه الجريدة الرائعة خصوصا في الميدان القانوني الذي أختص فيه
شكرا لكم مرة أخرى ومتمنياتي لكم بمزيد من التألق