التعدد اللغوي: عنف رمزي وتقسيم طبقي.

إن التعدد اللغوي الذي يعرفه الحقل التربوي المغربي:عربية،فرنسية وأمازيغية ولغات أخرى في التعليم الخصوصي- يشكل رأسمالا ثقافيا مهما ، كما يشكل تشتتا قيميا لدى التلميذ، لأن كل لغة تتمتع بخزان قيمي وتوجهات خاصة بها ، والدليل على ذلك اللغة الفرنسية التي تعتبر لغة نخبوية محتكرة تداوليا من طرف الطبقة البورجوازية باعتبارها الوصي الشرعي لضمان استمرارية الإرث الإستعماري في مختلف القطاعات الحيوية عن طريق التعليم، ولهذا نجد أن الطفل المنحدر من هذه الطبقات متفوق على غيره فيها : والسبب في ذلك هو التداول اليومي المباشر لها في محيطه وتوظيفها في وضعيات دالة وحقيقية، مما يجعلها لغة تواصلية بالنسبة إليه. أما طفل الطبقات الدنيا فلا يستعملها بشكل يومي مباشر وإنما فقط في وضعيات ديداكتيكية – تواصلية أي من خلال مكون التعبير الشفهي. وضعفه فيها راجع إلى ذلك الإنفصال التداولي الطبيعي بين المدرسة والبيت، كما أن هدفه من تعلمها محدود في اجتياز الإختبارات فقط ولا يتطلع إلى امتلاكها لدرجة الإتقان التام بسب الحواجز النفسية والصور الذهنية المشكلة عنها باعتبارها لغة دخيلة وأداة للإستلاب الثقافي والاغتراب اللغوي. وقد نقول انطلاقا مما سبق أن الإنتماء الإجتماعي – الطبقي – يتحكم في التفوق الدراسي / اللغوي ويجعله غير متساوي بين هذا وذاك ،بل يرجح الفكرة القائلة بأن النجاح المدرسي يتحكم فيه الإنتماء الطبقي إلى حد كبير، وأن الأطفال المنحدرين من أسر أمية وفقيرة غير قادرين طبيعيا وماديا على مسايرة نظرائهم نتيجة عدم القدرة على دفع أبنائهم للإنخراط في ساعات الدعم المؤدى عنها لهذا تعتبر دخيلة عليهم، فيواجهونها بنوع من الرفض النفسي والإنغلاق الذاتي .
والحديث عن اللغة لا يستقيم إن لم يتم ربطه بالقيم، لأنها السند والأداة الحاملة لها والضامنة الوحيدة لإستمراريتها وانتشارها من خلال تشريب الطفل بها ،هذا وإن كانت القيم كمفهوم تبدو بريئة في ظاهرها لكنها مشبعة ومثقلة بالعقائدية في باطنها وجوهرها، فهذا الإرتباط الجدلي اللغوي – القيمي هو ما دفعنا لطرح تساؤلات عدة من شأنها أن تظهر لنا مدى حضور أبعاد ايديولوجية عدة وغياب الوحدة القيمية التكاملية في كتب اللغات منها نذكر ما يلي:
– هل كتب اللغات حاملة لقيم موازية ونسقية ومتكاملة مع بعضها البعض؟
– أليست اللغة حاملة للقيم، وكل لغة تعبر عن قيم خاصة بها؟
– ألن يؤدي التعدد اللغوي إلى خلق تشردم قيمي، وطرح صعوبات في الاختيار لدى التلميذ؟
– ألا يعد معيار الشيوع و الإنتشار معيارا للتفاضل بين اللغات ؟
” هذا ما نسعى إلى كشفه من خلال تفحصنا لبعض كتب اللغات” المعمول بها في بلادنا.
لكن لماذا اللغات بالذات؟
لقد تم اختيار اللغات ووضعها تحت مدماك النقد والتحليل، لأن المغرب عبارة عن هجين لغوي وتعدد لساني غير متجانس، رغم كون الإطلالة السطحية السريعة ، تصور لنا تعايش هذه اللغات وانسجامها، لكن هذه الفرضية الأولية سرعان ما تصبح باطلة ومتجاوزة بمجرد الغوص إلى عمق المجتمع، وتناول هذا الموضوع انطلاقا من النسق التربوي، إذ سرعان ما ستزول فكرة التعايش لتحل بدلها فكرة الصراع والإصطدام من أجل البقاء والإنتشار،على اعتبار أن كل لغة تحاول إقصاء اللغة المنافسة لها، ويتجسد معيار الهيمنة والسيطرة في الساحة اللغوية من خلال الساعات الأسبوعية المدرسة في كل لغة، مما يبين أن الساحة التربوية على الأقل ببلادنا هي مجرد ميدان للمواجهات الإيديولوجية والتجاذبات السوسيو- لسانية والتي غالبا ما تفرز عن خاسر وحيد، هو الطفل المغربي بغض النظر عن انتمائه الطبقي وعن اللغة الناطق بها، وسبب هذه الخسارة هو اصطدامه المبكر بهذا التعدد التعسفي غير المتكامل.
فمن خلال تحليل النسق اللغوي، أو بالأحرى الأنساق اللغوية السائدة بالمدرسة، والمجسدة من خلال كتب اللغات بأنواعها الثلاث، تبين لنا وبعد تفحص وتمحيص دقيقين أن كل لغة حاملة لأفكار وقيم واتجاهات مختلفة عن القيم المحمولة من قبل اللغة الأخرى – اللغة المنافسة-، وسبب ذلك راجع ومن دون شك إلى ما هو عقائدي، وإلى عدم وجود نقط مشتركة بين المؤلفين وعدم تحديد أرضية انطلاق متوافق عليها بعيدا عن المبادئ الإيديولوجية الدغمائية والتعصب الإنتمائي الذي يسبب تشتتا في الخطاب القيمي المراد غرسه في النشء، مما يجعل من هذه الكتب مجرد وسيلة يتم من خلالها كشف التوجهات العقائدية التي تحرك عقلية المؤلفين وخلفياتهم. وتبقى نتيجة هذا هي: تعدد الخطاب اللغوي وتنافره ،ومخاطبة التلميذ الواحد في البلد الواحد بثلاث لغات وبثلاثة اتجاهات قيمية، الأمر الذي قد يفجر مشكلة هوياتية خطيرة قد تخلخل نظرتنا إلى إرثنا اللغوي وتزعزعها إن لم يتم توحيد الخطاب القيمي.
إن إمكانية النجاح في تدريس هذا الكم اللغوي رهين بتأهيل العنصر البشري لينجح في مهمة تشريب اللغة وبث القيم في آن واحد بعيدا عن استحضار فكرة الانتماء بين مختلف الفاعلين في الحقل التربوي من منظر ومؤلف ومدرس، لأن إقحام التلميذ في محيط لغوي متعدد قد يؤدي إلى حدوث انقسامات في شخصيتة كنتيجة للصعوبة في اختيار الجهاز القيمي المناسب لمواجهة تحديات الحياة.
إن تحليل كتاب اللغة الفرنسية بالأساس يبين أن مؤلفوه يمررون ثقافة العائلة أو بالأحرى ثقافة النخبة التي ينحدرون منها، أو على الأقل متواطئون مع من ينوب عن الثقافة الفرنسية في أرضية ومناخ مغربيين، و المقصود بطبيعة الحال العائلات والفئات التي تشكل امتدادا لنمط العيش الفرنسي.
فالتلميذ المنحدر من الطبقة العليا – وكما أكدت ذلك نظريات في سوسيولوجيا التربية – يجد في المقررات وكتب اللغات بشكل خاص حلقة ممتدة وتواصلا مستمرا ومتكاملا بين نمط الثقافة العائلية ، ونمط الثقافة المدرسية، بل الأكثر من ذلك يمتلك رصيدا لغويا خصبا وغنيا ومسترسلا، الشيء الذي يمكنه من التعبير بطلاقة وسلاسة، ويزداد تفوقه اللغوي كلما ازدادت وثيرة احتكاكه بوسائل الاتصال الحديثة، خاصة الانترنيت … والنتيجة هي أن هذا التفوق اللغوي المستمد من الانتماء الطبقي والمرسخ له والناتج كذلك عن الامتلاك التقني الذي يوفر سيولة غير متناهية من المعلومات المختلفة، أضف إلى ذلك الدور الإنتاجي المحافظ الذي تقوم به المدرسة كأحد أهم وظائفها ، فإن هذا التلميذ سيستفيد من خيرات هذا النظام التربوي مادام هو المتحكم في ماهيته. بينما يبقى طفل الطبقات الدنيا مجرد منافس وهمي وأداة ضامنة لاستمرارية اللاتكافؤ .
في مقابل ذلك لا تؤخذ رغبات واهتمامات طفل الطبقات الدنيا بعين الإعتبار – في كتب اللغة الفرنسية خاصة – الشيء الذي يؤكد فعلا بأن المدرسة جهاز اصطفائي- انتقائي ، ونتيجة هذا التحيز هي عدم الملائمة الابيستيمولوجية بين واقعه وواقع المقررات وكذا إلى إنغلاق ثقافة المحيط على الثقافة المؤسساتية والعكس ، لذا فقد آن الأوان إلى كشف هذا التباعد بين اليومي المعاش، والواقع المتعالي المثالي والمتخيل الذي يتم تصويره بكيفية زائفة ومحاربته لتجسيد الواقعية في صياغة البرامج ضمانا لتكافؤ الفرص بين الجميع .
إن انعكاسات هذا التجاذب والتقاطب اللغوي/ الثقافي تتجلى بشكل جلي ليس فقط في إحداث الفارق اللغوي ودرجات التمكن والإتقان وإنما هي تهيئة مستقبلية لعدم المساواة في الحظوظ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعتبرأهم مؤشر معبر عن التفاوتات الطبقية وتعبيرا عن اللامساواة في الحظوظ التعليمية ، التي تسبب الفشل والهدر المدرسيين، الناتجين عن إحساس التلميذ بتحيز المدرسة وميلها إلى كفة الفئة البورجوازية، وسعيها من خلال ما تقدم إلى إعادة إنتاج هذه الفئة وضمان ديمومتها، وقد يحس هذا التلميذ نتيجة لذلك بلا جدوى الدراسة، بينما يقتنع الطرف الآخر بأهميتها في الترقي الإجتماعي مادامت تخدم مصالحه عن طريق اللغة.
انطلاقا مما سبق، ألا يمكن القول بأن المدرسة يمكن أن تشتت المجتمع وتقسمه إلى طبقات بدل توحيد الجماعات داخل بناء وطني موحد مما يساهم في حفظ التفاوتات الثقافية – الاجتماعية الرامية إلى ضمان استمرارية التقسيم؟
عبد السلام لعضيم
أستاذ التعليم الإبتدائي بجرسيف




