السيتي

أعالي جرسيف : الماء والزمن وتقاليد التدبير بآيت وراين الشرقية

تدخل هذه الورقة في اطار إثارة المسألة المائية ضمن مجال ترابي جبلي، وبقبائل أمازيغية كانت خاضعة زمن الحماية من حيث تدبيرها الاداري. لمكتب شؤون أهلية بمنطقة بركين كإحدى أعالي جرسيف، وهي آيت جليدسن وآيت تايدا عن قبيلة آيت وراين الشرقية. ومسألة مياه السقي كما في غيرها من جهات المغرب تحديدا منها ذات الخصاص، كانت تطرح وتعالج ضمن تقاليد محلية ووفق ما تقتضيه العملية من اجراءات وتنفيد في علاقته بأساليب سقي معتمدة. ولا نروم من خلال هذه الورقة ما هو اجراءات تشريعية، تخص هذه المادة الحيوية في الارياف لما لها من علاقة بالزراعة. كما أن هذا لا يعني غياب نظام قانوني ثقافي ثراتي، ولا فقرا في تقاليد محلية تخص هذا الاشكال. فالأعراف القانونية المائية (les coutimiers) هي ذات أهمية رغم أنها غير محددة بدقة، ولا تدعو الى عناية بتطبيقاتها القديمة والمهجورة (desuétes). فهي حايا مجال دراسة وبحث، ووجهة لمعرفة كيف كان يتم تدبير هذا المجال في الماضي كما على عهد الحماية الفرنسية بالمغرب.

إن التقاليد عموما تتطور مع الزمن، وتحولها باتجاه مفاهيم جديدة يحتاج معه الامر الى نوع من التتبع والتسجيل والتصحيح، وكل حالة من الحالات ينبغي الحفاظ عليها، أو ادخال تعديلات عليها بحسب الفترة الزمنية. ان الأعراف قوانين في طور التكوين، وهي على شكل بطاقات (fichiers) إن صح التعبير تضم خانات تحتوي بدورها على نماذج عرفية.[1] على عهد الحماية تحديدا خلال فترة الثلاثينات من القرن الماضي، كان هذا الاشكال مثار اهتمام عسكريين فرنسيين عملوا بمحكمة بركين. سمحت لهم ظروف عمل بفتح واحدة من هذه الخانات، للتعرف على واحدة من قضايا البيئة المحلية، والتي تطرح بشكل كبير بالمنطقة من وجهة نظر قانونية، ويتعلق الأمر باستعمال الماء.[2]

وقبل وضع المسألة المائية في سياقها الجغرافي الطبيعي، من المهم اثارة ما هو أروغرافي/علم جبال، وما هو جيولوجي ومناخي حول المنطقة. فمن شأن هذه الاثارة أن تسهم في تكوين صورة حول هذا المجال من حيث التربة والتنوع البيئي بمنطقة آيت وراين الشرقية.

ان سؤال الماء بهذه الوجهة الجبلية من المجال الجبلي المغربي حيث آيت وراين، لا يعني الأهمية التي تحاط بهذا الاشكال في الجنوب المغربي/الصحراء، بحيث من الصعب اثبات نقص المياه تماما بداخل البلاد تحديدا في مجال جبلي هو جزء من الأطلس المتوسط. والذي هو خزان مياه أساسي (château d’eau central) ، ومن الصعب إثبات ذاك حتى في أسافل جبلية لتجميع المياه، كما بالنسبة لجبل موسى وصالح/ بويبلان . ومع ذاك المشكل المائي بآيت وراين الشرقية، يطرح بنفس الحدة ونفس التخوف كما بجهات أخرى من البلاد/سوس مثلا.[3]

واذا كانت المناطق المرتفعة من آيت جليداسن (آيت بحار- آيت بوهليل – آيت مقبل)، تستقبل كميات كافية من المياه، فبخلاف ذلك هناك مناطق منخفضة مفتوحة على جرسيف وامسون، هي تقريبا شبه جافة بسسبب نقص التساقطات. وهذا المجال الذي ينحصر تقريبا بين واد زبزيط ومللو وبوراشد، يطبعه نوع من الجفاف الذي يمتد  الى منطقة أهل الثلث وهوارة. هذا بالاضافة الى أن حياة (bien etre) السكان محليا تقوم على مقدار المياه التي يستقبلها مجالهم، من أجل سقي الزراعات وتوفير شرب الماشية. وعبر التاريخ استعمل سكان منطقة آيت وراين الشرقية الماء، من أجل زراعة الحبوب وغراسة اشجار مثمرة. ونادرا ما استغل الأهالي من الفلاحين، أرضا بورية باستثناء بعض المناطق الجبلية. وعليه فكل آمالهم توضع على ضيعاتهم المسقية. من هنا فان كل ما يتعلق بماء السقي، كان دائما هاجسا أساسيا وجوهريا (primordial) . وعبر قرون كان هناك صراع دائم بين الافراد حول هذه المادة الحيوية/الماء، وحول حيازتها ووضع اليد على نقطها الاساسية (possession). وهذا الصراع لم يكن فقط بين الافراد بل حتى مع عوامل الطبيعة خلال بعض الفترات من السنة. وذلك من أجل حماية الأراضي المهددة بفيضانات الأودية. ومن اكتساب السكان لثقافة وتقاليد هامة وخبرة عالية حول الماء وفن بناء ورسم السواقي، وحول كل ما يتعلق بحفر هذه السواقي والآبار، وبناء المدرجات لحماية الضيعات من فيضان الاودية. اضافة الى التنظيم الجيد لعملية السقي، وهو ما سنعرض له في ورقة قادمة بحول الله.[4] (..يتبع)

*أستاذ باحث في التاريخ 

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى