تازة : جديد بيوغرافي “سيرة ومسار المقاوم عبد الله الزكريتي”

لم يُكتب حول تازة – التاريخ والمجال والانسان- بما في ذلك أرياف مجاورة، سوى شيء قليل جدا مقارنة. علما أن المنطقة برأسمال لامادي واسع، مساحة هامة منه هي إرث تاريخي وثقافي. وما تم تداوله كأنشطة ذات تماس بشكل متقطع زمنيا، بكيفية خاصة خلال فترة سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي. هو دليل ودعوة لجيل جديد من أبناء المدينة الباحثين، ومعهم جميع من هو بكفاية كل من موقعه. من أجل كتابة وتوثيق ما من شأنه المساهمة في إبراز تاريخ المنطقة، ومن خلاله ضمنيا المجال ككل انصافا لما كان عليه السلف. والدعوة هنا تهم أساسا فعل مجتمع مدني مؤهل، ومدبري شأن محلي وثقافة وغيرها. وإذا كانت هذه الأخيرة أوسع من اعتقاد سائد مع احترام لمعنى الابداع، فإنه من المهم اطلاع ناشئة جديدة باتت رقمية على جوانب مشرقة من تاريخها، وذلك من أجل ذكاء اجتماعي وحس وطني بناء، وانخراط في نماء ثقافي مستدام.
والبحث في تاريخ تازة وجوارها إن بشكل كلي أو جزئي كما حال وجهات أخرى، لا ينتهي بعقد ندوة هنا وهناك، ولا بإصدار مؤلف ما حول سؤال ما. فالأمر هنا يتجدد مع كل تذكير وجيه، وإقدام بمعطيات جديدة ووثائق. وحول تاريخ المنطقة مسؤولية الجميع مضاعفة، لاعتبارات عدة منها كونها لم تنل نصيبها من العناية، من حيث فعل كتابة توثيق وبحث جدي. وما كتب حتى الآن لا يعكس ما كان ينبغي أن يكون عليه الحال، فهو قليل ومجرد بدايات في حقل يحتاج الى تنقيب أكثر اتساعا مثنا ومنهجا، بخلاف الكائن في جهات أخرى من البلاد. والى حين ما ينبغي أن يكون والأمل معلق على باحثين ومهتمين بالمجال، من ذوي كفاية وقدرة أكاديمية وليس مدرسية تربوية ضيقة. الى حين ذلك وضمن عمل بيوغرافي كشكل كتابة بات بقناعة ورؤية عند مؤرخين جدد، من حيث عمق وكيفية طرح سؤال الذات في التاريخ ومعها الحقيقة، وفي سياق الإحاطة بمجمل أحداث ووقائع المقاومة المغربية للاستعمار، كذا الحركة الوطنية والفداء وجيش التحرير والكفاح المسلح، وغيرها من وقائع زمن مغرب الحماية. وبمناسبة الذكرى 60 لانطلاق عمليات جيش التحرير بشمال المملكة، صدر حديثا عن دار ابي رقراق للطبعة والنشر بالرباط، مؤلف بعنوان:”سيرة ومسار مقاوم : ومضاءات مضيئة من تاريخ قبيلة اكًزناية زمن المقاومة وجيش التحرير،” للمقاوم عبد الله بن الحسن بن حموش الزكريتي، والذي ينتمي لعائلة مجاهدة عريقة في انتسابها للعمل الوطني. الكتاب هو بتقديم علمي رزين للباحث د. ميمون مرسي عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالرباط.
اصدار بحس تاريخي رفيع يتناول مسار وحياة المقاوم عبد الله بن حموش الزكريتي ، انطلاقا من تلقيه التعليم بالكتاب القرآني ب”مرج العين” بقبيلة اكًزناية ثم بمدارس وطنية بفاس، ومن معايشته لمحطات تاريخية عصيبة شهدها المغرب خلال هذه الفترة الحرجة. ففي خضم هذه الظروف تشبعت روح الشاب عبد الله بن حموش الزكريتي، بمبادئ العمل الوطني (1948-1953) بفاس، التي غادرها، سنة 1953 لما استشعر بقرب انطلاق العمل المسلح باكًزناية بحيث إلتحق بأبيه ليكون مساعده الأيمن و”أمين سره”. وكان نعم قائد و مستشار لوالده الحسن بن حموش الزكريتي، وهما من الأبطال البارزين الذين يحق للشعب المغربي أن يفتخر ببطولاتهم، ويمجد أعمالهم الخالدة في سبيل تحرير الوطن وسيادته ووحدته. وبعد 27 أكتوبر 1955 تاريخ وفاة المجاهد الحسن بن حموش الزكريتي، تولى نجله عبد الله بن حموش الزكريتي قيادة جيش التحرير باكًزناية. فتمركز بمنطقة “أسويل” على رأس 5 قيادات محنكة ومتمرسة لجيش التحرير، لتتوج مساهمته بمعية عناصر فرق جيش التحرير بسلسلة من المراكز بالمنطقة الشمالية، من أجل أداء الواجب الأوفى والوطني، وفي سبيل رجوع الملك الشرعي محمد الخامس من منفاه السحيق، إلى عرش أسلافه الميامين، كذا استرجاع استقلال المغرب ووحدته الترابية. وصفوة القول أن هذه السيرة الذاتية/ هذا الكتاب، تخص المقاوم عبد الله بن الحسن بن حموش الزكريتي. الذي كانت من ميزاته تعدد جوانب مسؤوليته سواء أثناء حركة المقاومة أو أثناء فترة الاستقلال. وبذلك يكون قد تمكن من تحقيق تراكمات برصيد هام، تسمح له بأن يطل على أحداث تلك الفترة بعين فاحصة. وهي التراكمات كذلك التي يتيح من خلالها للقارئ، بفرصة لرصد وقائع دقيقة لحقبة من تاريخ الكفاح الوطني، كان الراوي في صميم أحداثها وأحد صناعها الأفذاذ. فهو يسردها عبر إصداره بحس مقاوم شهم وصدق وطني غيور وملتزم بمعنى الحقيقة التاريخية، التي هي بمثابة رابط بين تدرج الأحداث وتلاحق الوقائع. متجردا وهو يدبر أفكاره من “الأنا”، مقتنعا بأن حركة المقاومة وجيش التحرير لم تكن في يوم من الأيام، ملْكاً شخصيا لأي كان مهما كَبُر شأنه أو عظُمت شوكته. وأن المقاومة هي مبادئ وأخلاق وإرادة لا يفي برسالتها إلا مؤمنون صادقون، ولا يتحلى بمكارمها إلا مجاهدون صابرون. كلها قيم ظل من أجلها المؤلف/عبد الله بن الحسن بن حموش الزكريتي، ثابت المبادئ وفيا في التزامه تجاه وطنيه لبناء وطن حر مستقل.
والكتاب الذي يعد قيمة مضافة هامة للمكتبة التاريخية المغربية، ومرجعا على قدر كبير من الأهمية لفائدة الباحثين، وعنوان فخر واعتزاز لكل المغاربة، ومنهم تحديدا قبيلة اكًزناية ومنطقة أكنول وجميع مجال ما يعرف في تاريخ المغرب بمثلث الموت. الكتاب هو دعوة للتعريف به والاحتفاء به والتأمل في مثنه، لما يحتويه من أحداث وقيم وغيرة وطنية، ما ينبغي أن تتحلى به الناشئة من الجيل الجديد.



