السيتي

وفاء لروح ابن جرسيف محمد مزيان السينمائي الوحيد والمتمرد

في اطار العناية بذاكرة المغرب السينمائية عبر توثيق اعمالها ورد الاعتبار لتجاربها، بما يسهم في تثقيف ناشئة جديدة واطلاعها على بصمات السلف. واعترافا بما بذله جيل مواطن من سينمائيين مغاربة، خاصة منهم من عمل وعاش في صمت، نقيا قنوعا نظيفا بقيم ومبادئ في حياته بدون أي ادعاء لمعرفة وبعيدا عن أية انتهازية ضيقة. كما حال محمد مزيان الذي ارتبط اسمه بتقنية المونتاج في السينما المغربية، رفقة مخرجين كبار مغاربة، ممن كانوا بفضل في تأسيس فعل سينمائي هادف نصا وإجراء. أمثال مصطفى درقاوي وسعيد شرايبي ونبيل لحلو حميد بناني، وكمال كمال وحسن بنجلون ومحمد الركًاب وأحمد المسناوي، والطيب الصديقي وعمر شرايبي وحكيم نوري، وفريدة بليزيد وجيلالي فرحاتي وعبد القادر لقطع، وغيرهم من مخرجين عرب وأفارقة عبر أعمال لا تزال تحفظها الخزانة المغربية.

في هذا الاطار وعرفانا بما أسداه لفائدة الفن السابع، وبمبادرة جمعوية فاعلة في مجال السينما بسيدي قاسم. صدر مؤخرا عن منشورات جمعية النادي السينمائي بهذه المدينة، كتاب بتأليف جماعي اختير له كعنوان “محمد مزيان سينمائي وحيد ومتمرد”. اصدار من قطع متوسط بحوالي مائة وخمسون صفحة، موزعة على جزء بالفرنسية وآخر بالعربية. بتقديم لعز الدين الخطابي ناقد سينمائي وباحث رزين في علم الاجتماع، اختار له “الانسان” عنوانا في إحالة ذكية على معنى ودلالة صفة. من جملة ما ورد فيه بتعبير حكيم وعال، يعكس كتابة وتكوينا درجة تتبع مسار فعل ابداعي تعبيري ونقدي عندما كانت الثقافة ثقافة. متسائلا عن أهمية صمت الذات لفهم أشياء محيطة، وعن قيمة فعل الصمت في حياة الكائن كما مع محمد مزيان. وحول كيف تمكن هذا الأخير من تقدير واحترام الآخر له، كفنان وإنسان رغم خياره للصمت كثقافة. مؤكدا على نقاط ثلاثة متداخلة ميزت الرجل، جمعت بين عمق رؤيته للحياة وإتقانه لعمله وتميز شخصيته. فقال:” تضمنت الأشرطة التي قام بإخراجها رؤية فلسفية، عبرت عن قلقه الوجودي والفني ودفعته الى اثارة تساؤلات حول الوجود الانساني، ومسألة الحرية والعنف الممارس على جسد ورغبات الانسان، ورد فعل هذا الأخير (محمد مزيان) المناهض لقيم الخنوع والامتثال لما هو نمطي ومبتذل”.

أما ذ.أحمد سيجلماسي من كان بفضل إعداد الكتاب، فقد أشار اضافة لمهنية محمد مزيان السينمائية، الى مرجعيته كابن هامش ورجل مناضل من داخل هامش كضمير للسينما المغربية. لما طبعه من غيرة صادقة على الفن السابع، وما كان له من نقد لاذع أحيانا للجهات المشرفة على شأن السينما. ولما كان عليه من تفان في خدمة فعل وفاعلين وعشاق هذا المجال، من هواة وأندية سينمائية على امتداد ثلاثة عقود1974- 2004. والراحل محمد مزيان عشق صمت ذاته وحياته قبل صمت الأبد، ارتبط اسمه بالجامعة الوطنية للأندية السينمائية. من خلال تأطيره في مجال المونتاج وكتابة السيناريو والاخراج والتصوير، وبجميع ما هو تقني بصلة. كما ارتبط اسمه بتأسيسه للجامعة الصيفية للسينما بتازة عام1993، وبفيلمه الشهير “نوح” الذي ساهم فيه أجانب ومغاربة من ممثلين متميزين، أمثال مصطفى سلمات وصلاح الدين بنموسى وغيرهم. وتكريما لروحه بعد عشر سنوات عن وفاته، واعترافا بخدماته لفائدة السينما المغربية. أحدث النادي السينمائي القاسمي الذي يرأسه ذ. عبد الخالق بالعربي، في اطار مهرجان سينمائي ينظم سنويا بالمدينة. مسابقة لهواة السينما تحمل اسم هذا العلم السينمائي المغربي المتميز “محمد مزيان”. وكان قد حضر عن مدينة تازة في دورة هذه السنة التي نظمت مؤخرا، كل من المبدع رشيد فناسي وعدادي مداني اللذين تعلق عليهما كثير من الآمال في هذا المجال، من خلال سينما هواء طلق بتازة خلفت دوراتها السابقة صدى قويا وصيتا وطنيا محترما.

وكتاب “محمد مزيان سينمائي وحيد ومتمرد” الذي صدر مؤخرا، عن مطبعة كوثربرانت بالرباط في طبعة أولى. جاء معززا بصور ذات دلالة ابداعية سينمائية، وبقراءات لعدة أقلام حول تجربة محمد مزيان في سينما المغرب منذ سبعينيات القرن الماضي. حيث قدسية عمل ابداعي للاحتماء من رعب وجود، هذا اضافة لأهم محطات الجامعة الصيفية للسينما، وأهم أعمال الراحل مع الكبار. يبقى من المهم الاشارة الى أن محمد مزيان رحمه الله، كان بعشق خاص لمدينة تازة ولدروبها رفقة ثلة من أصدقائه خلال شهر رمضان، وبعشق خاص لمعهدها الموسيقي أيام زمان خلال تسعينات القرن الماضي، حيث فترة ذهبية انتهت. وبعلاقة خاصة فنية وانسانية مع مديره انذاك ذ.عبد اللطيف المزوري، الكفاءة العلمية والموسيقية والتكوينية والفنية والتدبيرية، التي برحيلها الى جهة الرباط منذ حوالي العقدين من الزمن، رحل معها كل شيء جميل موسيقى ذو قيمة، كما رحل في صمت مقام محمد مزيان عن سينما المغرب وعن هذا العالم، رحمه الله وهو في عالمه القدسي المكين.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى