«تنغيـر – جيروزاليم»

ما أسهل أن تضع كوفية على العنق وتخرج كي تشتم الصهيونية والإمبريالية والتطبيع، على بعد آلاف الكيلومترات من غزة والضفة الغربية دون أن تخاطر بأي
شيء، ما عدا احتمال الإصابة باللوزتين من كثرة الصراخ. لا أثق في الحلول السهلة للقضايا المعقدة، لذلك أقلعت من زمان عن المشاركة في مثل هذه التظاهرات التي لا تنفع في شيء، ماعدا التنفيس عن كبت من يرفعون الشعارات وإراحة ضمائرهم حين تكون النزاهة، وتحقيق مكاسب سياسية لا علاقة لها بالقضية التي يدَّعون الدفاع عنها حين تحضر النذالة. منذ أكثر من ستين عاما والعرب يتظاهرون في الشارع دفاعا عن فلسطين وضد التطبيع مع إسرائيل، لا «الأرض» رجعت ولا «العدو» هزم، المكاسب القليلة التي أسفر عنها «النضال الفلسطيني» جاءت عن طريق المقاومة بالبندقية وليس بالشعارات أو عبر المفاوضات. لقد تغير العالم، وتعبت فلسطين من التضامن «البدائي» الذي لم يؤد سوى إلى تعقيد محنة شعب مشرد، وشبعت من المزايدات والعنتريات التي آذت القضية أكثر مما أفادتها. القدس لن تحرر بالشعارات، بل بالوعي وقليل من البراغماتية وبعد النظر، حين تهزم عليك أن تتأمل الأسباب لا أن تنبح من بعيد مثل الكلب الذي ألقموه حجرا. ليس هناك مغربي واحد لا يدافع عن فلسطين، لكننا لا يمكن أن نكون ملكيين أكثر من الملك، ولا يمكن أن نمارس الوصاية على الفلسطينيين أنفسهم، إذا كانت «السلطة» تجلس مع الإسرائيليين وتفاوضهم للحصول على دولة تعيش جنب إسرائيل، وإذا كانت حماس مستعدة للاعتراف بالدولة العبرية، كيف لنا نحن أن نظل معتصمين في سنوات السبعينيات، نرفع شعارات أكل عليها الدهر وشرب، ولم تسفر إلا عن تضييع الفرص وإضعاف الموقف الفسلطيني، لا هم رجعوا القدس بالشعارات والبنادق الخشبية ولا هم تركوا من يملكون حنكة سياسية يفعلون. نظام البعث في سوريا بنى أسطورته على العداء لإسرائيل، طوال أكثر من نصف قرن، عن طريق الممانعة والخطب والشعارات، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة على «العدو»، وعندما خرج الشعب يطلب «حرية» أباده عن بكرة أبيه، لذلك يخيفني هؤلاء الذين يرفعون شعار العداء لإسرائيل من عواصم بعيدة، وأجد المعركة التي يخوضها البعض ضد فيلم «تنغير-القدس: أصداء الملاح» مجرد حرب دونكيشوتية، مع احترامي للمشاعر النبيلة التي تدفع بعضهم إلى التظاهر. دون الحديث عن الحق المقدس في «حرية التعبير»، فإن الشريط ليس بالسلبية التي يريد أن يصوره بها بعض من لم يشاهدوه أصلا. الفيلم يحاول فهم أسباب هجرة يهود المغرب إلى إسرائيل، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ويقدم توثيقا نادرا لهذه الرحلة المكلفة، ما يساعدنا على تأمل تاريخنا، من جهة، وفهم مسار القضية الفلسطينية، من جهة ثانية، لذلك لا أفهم كيف يمكن أن نقف ضده بحجة الدفاع عن فلسطين! لقد شاهدته مرتين، وباستثناء بعض الملاحظات الفنية، وجدته على قدر مهم من المتعة والفائدة، لأنه يتأمل منطقة حساسة من تاريخ المغرب المعاصر من نافذة المسار الشخصي لمخرجه. صحيح أنه يسكت عن بعض الحقائق، مثل تواطؤ السلطات المغربية في ترحيل اليهود وتفادي الإشارة إلى أن يهود المغرب -و»السيفارديم» بصفة عامة- هم من يغذي الأحزاب الأكثر تطرفا في إسرائيل، لكن الشريط يعكس في النهاية رؤية صاحبه، ولا شيء يمنع من تصوير أفلام أخرى تتطرق إلى هذه المواضيع، كي نفهم تاريخنا ونتعرف أكثر على الدولة التي تغتصب حق شعب أعزل، بلا أوهام ودون شعارات. إذا كان البعض ذهب طواعية إلى «أرض الميعاد» المزعومة، فإن كثيرا من اليهود المغاربة هجّروا قسرا إلى إسرائيل، ولا شك أن قطعة ذهبية من التعايش الحضاري بين المسلمين واليهود رميت في القمامة مع رحيلهم. بعضهم مازال يعود كي يزور قبور العائلة ويبكي على الأطلال، ومعظمهم يملك حنينا جارفا إلى أصله، مثلهم مثل الموريسكيين وبقية الشعوب التي دفعت فاتورة صراعات دينية وعرقية، ستبتلعهم ثقوب التاريخ السوداء إلى الأبد، لذلك يظل تصويرهم مغريا لأي سينمائي… ليس هناك إبداع دون غواية، لذلك لا أعتقد أن المخرج أذنب عندما استسلم للغواية وذهب يفتش عن «أصداء الملاح».



