أولى زخات الثلج تعظني و تبكيني
فجأة ودون سابق انذار’ يكسر المشهد البعيد مشهدٌ قريب’ وكم من بعيد اخفى نعمة القريب…إنها زخات ثلج ناعم هفهاف ؛تتنزل في صمت من السماء؛فتلامس أغصان الشجر؛و تدغدغ أنوف البشر؛و تحكي قصة (البياض الذي يقهرالسواد)؛و هي في ذلك لا تفرق بين سعيد وشقي و لا بين فقير و غني …لكن واحد من هؤلاء على اختلاف مصدره و مورده ؛يستقبلها حسب سعة قلبه؛وو فق إنشاره وقبضه…فكم من مترف نظر إليها نظرة شوراء بلهاء حانقة؛و كم من معدم بسط كفيه إلى السماء ؛و التقط واحدة من “حبات الخير”فأودعها فاه راضيا مرضيا؛حامدا شاكرا؛سعيدا منعما …”كأنما حيزت له الدنيا بحدافرها”.
زخات الثلج تقول:أخي؛أختي؛الدنياهي قلبك؛و قلبك هو الدنيا؛فإن يك واساعا رحبا صفق الكون مرحا و رحابة ؛و إن يكن هذا القلب –واحسرتاه-ضيقا حرجا عبس الوجود و قطب حاجبيه حسرة و أسفا .فانظر ماذا ترى ؛و ارسم على لوحة الزمن أي شكل تريد و أي لون تشاء .
بعض الناس ما أشقاهم ؛يضمخون العالم بالأحمر الفاقع ؛و اخرون يسودونه عنوة و يحاربون البياض بشراسة ؛فهم أحلاف” اللا لون ” و” أحلاس اللا معنى” …و اخرون… و اخرون…
أما بعض من عباد الله ؛فتجدهم يفرشون الفقر وردا وزهرا؛و يعبقون الدنيا عطرا و عنبرا؛و تأبى شفاههم وصف شيئ بالسلب؛إذكل شيئ –سوى الشر-في مذهبهم قابل للقبول؛و كل أمر سوى الفساد أهل لأن يلتفت إليه …إن هؤلاء رسل من السماء ؛و خلائف الأنبياء ؛و رواد الأصفياء …فهم الثلج الذي تتناثر حباته النورانية من السماء رحمة من رب الثلج و رب السماء.
اه؛ماإن انتهيت من خط أولى كلماتي المرتعشة في وصف أولى الزخات المتساقطة حتى افترشت الأرض بياضا ناصعا؛وهاهي ذي النباتات و الحيوانات و الحشرات تهلل و تستبشر؛فتعلنه حفل زفاف لهذا العام السعيد؛تعلنه بالحمد و الشكر والاعتراف بالنعمة للمنعم الحميد…أما الكثرة من البشر-المستعدون لحفل الكريسماس-فهم غافلون سادرون عن المنعم؛عائمون غرقون في محيطات النعم و بحارها ووديانها و لسان حالهم يردد:هي هكذا جاءت ؛وهي من هبة الطبيعة المعطاء؛أو هي شراكة بين الأب و الابن و روح القدس ؛أو هي الصدفة اثرتنا على العالمين…بل هو التطور ؛و سلسلة الأسباب المادية ؛و الفهم العلمي …كل أولائك أنعم علينا هذا الخير العميم…فلم
!الحاجة إذن للايمان برب واحد أحد ؛فرد صمد؛لا نراه ؛و لا نعرفه؟
فتحت النافذة و التقطت بيدي اليمنى زخّة واحدة لا أكثر؛ ثم عجلت في إغلاقها حتى لا أزكم؛ والتفت الى الضيفة ؛ وسألتها بصوت هادئ رفيق: من ربّك ؛ من خالقك ؛ من ذا اللذى ألقاك من السماء ؛ ومن اللذي اعتنى بك فهبطت من المسافات الشامخة دون أن تتهشم عظامك ؛ومن أمرك بسقي نبتة أو دودة أو طفلة …أو حتى ملحد جاحد كفار؟
سكتت برهة و أزاحت النقاب عن وجهها الصبوح؛و ما درت أنها قتلتني بعينيها الحوراوين الكحلا وين النجلاوين؛و بخدها المبلل بدمع سخين ؛و المجمل بخان و حنين ؛قالت:أهذا سؤال يسأله عاقل؟
قلت :أنا من أبي إبراهيم تعلمت السؤال ؛ألم يسأل ربه : (رب أرني كيف تحيي الموتى)”البقرة 260 “؛أفلم يجبه سبحانه:(أو لم تومن )ألم يقل بعد ذلك (بلى و لكن ليطمإن قلبي)”البقرة”
كذلك أنا :”ليطمإن قلبي”؛”ليطمإن قلبي””ليطمإن قلبي”…
تنهد ت وسبحت و استغفرت ثم قالت :نعم ؛صدقت؛إنه الله ربي وربك و رب كل شيئ ؛فسبحانه هو القائل:”و نزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات و حب الحصيد ؛و النخل باسقات لها طلع نضيد ؛رزقا للعباد و أوحينا به بلدة ميتا كذلك الخروج”(ق 9-11)
قلت بأعلى صوتي “سبحان الله”…ثم إلتفت إلى يدي فألفيتها مبللة وقد ذابت الثلجة المعلمة؛ولكنها تركت كلمة محفورة على راحة يدي ؛فقرأتها مشفقا منها ؛باكيا:
أخي لا تقف في “بلدة ميتا” ؛ولكن واصل واتلو قول الحق مؤمنا موقنا:”كذلك الخروج”.
اللهم نجنا يوم الحشر ؛و يوم البعث؛و يوم الخروج….امين.
د.محمد بابا عمي .”مجلة حراء”العدد 32




