السيتي
السر المكنون – رشيد نيني

رشيد نيني – الأخبار
في البيت الأبيض, أمضى الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليلة نهاية السنة في إقناع مجلس الشيوخ بتبني قرار فرض الضريبة على الأثرياء عوض الطبقة الوسطى. وقد تم تبني هذا القرار صبيحة أمس (الثلاثاء) من طرف مجلس الشيوخ, وهو القرار الذي سيجنب الاقتصاد الأمريكي كارثة كانت محققة.
يعني أن الرئيس الأمريكي وطاقمه اشتغلوا طيلة عطلة نهاية السنة من أجل تمرير قانونهم المالي الذي ينتصر للطبقة الوسطى ويستهدف طبقة الميسورين والأثرياء الذين استفادوا من الهدايا الضريبية التي منحهم إياها سلفه بوش.
أما في المغرب, فكل القرارات الضريبية التي يتضمنها قانون المالية الجديد الذي تقدمت به الحكومة تستهدف الطبقة الوسطى وتستثني طبقة الأثرياء.
والفرق بيننا و بينهم واضح. فلكي تصبح رئيس حكومة في الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تجر وراءك تاريخا كاملا من التجارب السياسية. أما في المغرب فقد أخبرنا بنكيران في لقائه بأعضاء من حزبه, أن رئاسة الحكومة يمكن أن “تهبط” عليك بينما أنت نائم في بيتك. ويبدو أن هذا ما حدث معه بالضبط. فقد كانت الأمور سائرة في اتجاه تجمع الثمانية, إلى أن وقع شيء غامض في مكان ما, وتقرر أن يتم فسح الباب أمام بنكيران وصحبه لقيادة الحكومة.
وقد شرحنا فيما سبق كيف أن رئيس الحكومة يستهدف الطبقة الوسطى لأنها “الخزان الذي لا ينضب” فأفرادها يشتغلون بلا توقف, وكلما فرضت عليهم الدولة ضريبة اشتغلوا أكثر من أجل تدارك العجز خوفا من السقوط نحو طبقة الفقراء.
ولهذا نفهم سبب تجرؤ رئيس الحكومة على الاعتراف أمام الملأ في إنزكان خلال الحملة الانتخابية الأخيرة, بأنه هو من رفع أسعار المحروقات قائلا “أنا اللي زدت عليكم فليصانص”. فهو يعرف أن الطبقة الوسطى هي المعنية بهذه الزيادة, وأن هذه الطبقة سوف “تكمدها” وتسكت.
أما عندما اشتعلت مراكش خلال الأيام الأخيرة بعد أحداث سيدي يوسف بنعلي, بسبب الاحتجاجات الشعبية على غلاء فواتير الماء والكهرباء, فإن رئيس الحكومة التزم الصمت ولم يتجرأ على الخروج على الملأ لكي يقول للمحتجين “أنا اللي زدت عليكم فالما و الضو”.
لأن الأمر لا يتعلق بالطبقة الوسطى, وإنما بالطبقات الشعبية الكادحة والمسحوقة. وهذه الطبقات يوجد فيها الاحتياطي الانتخابي لحزب رئيس الحكومة, ولذلك فلا تجب إثارة غضبها بادعاء الوقوف وراء الزيادة في فواتير الماء والكهرباء. مع أن المسؤولية كانت تقتضي أن يذهب رئيس الحكومة إلى مراكش ويشرح للناس أسباب الزيادات التي يتوصلون بها كل شهر في فواتيرهم, وأن يتحمل المسؤولية في هذه الزيادات, بحكم أن المكتب الذي يدير قطاع الماء والكهرباء بمراكش تابع لوزارة الطاقة التي يسيرها وزير من حزب الاستقلال, المشارك في الحكومة.
لكن رئيس الحكومة قرر, عوض التوجه إلى مراكش, اصطحاب وزيره في التعليم والتوجه صوب سلا, قلعته الانتخابية, لزيارة الإعدادية التي تعرض فيها الأستاذ لمحاولة الذبح.
من يتابع مجريات الأحداث الأخيرة التي وقعت أياما قليلة قبل نهاية السنة التي ودعناها, سيلاحظ أن شيئا ما غير طبيعي يحدث في الساحة السياسية.
فالحزب الحاكم الذي لديه أكثر من مئة نائب في البرلمان, ويقود الحكومة بوزراء يحملون حقائب ثقيلة, يتعرض مقره للسرقة والعبث بمحتوياته.
ورغم خطورة الفعل فإن الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة الذي توجد تحت إمرته وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية, لم ير من الضروري وضع شكاية لدى الأمن بسبب هذا الاعتداء على حرمة مقره الحزبي, وفضل أن يشتكي شفويا لوزير الداخلية.
و قبل حدوث هذا “الاقتحام الغامض” لمقر الحزب الحاكم في حي الليمون وسط الرباط, تعرض برلماني ينتمي إلى الحزب ذاته إلى السلخ على أيدي بعض أفراد قوات الأمن أمام الملأ بوسط العاصمة, وبالقرب من البرلمان. ورغم إثارة موضوع هذا الاعتداء في البرلمان وصدور بلاغ تضامني مع البرلماني المسلوخ, وتضامن رئيس الحكومة مع هذا الأخير, فإن الأمور يبدو أنها متجهة نحو الطي النهائي.
ما الذي حدث؟
الجواب بسيط, فقد اكتشف رئيس الحكومة أن البرلماني المسلوخ الذي يريد متابعة أفراد قوات الأمن بتهمة الضرب والاعتداء والشطط في استعمال السلطة, سيجد نفسه متابعا بدوره بتهمة عرقلة عمل أفراد القوات العمومية وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بعملهم.
والواقع أن هذه التهمة لها ما يبررها, بغض النظر عن فداحة الاعتداء الذي تعرض له السيد البرلماني و نبل الموقف الذي أراد التعبير عنه. إذ ليس من حق أي أحد, مهما كان منصبه, أن يحول بين رجل أمن, وهو موظف عمومي, وبين أدائه لمهمته, حتى ولو كانت هذه المهمة عبارة عن ضرب للمتظاهرين. وهو الشيء الذي ندينه طبعا.
لكن من الناحية القانونية الصرفة فرجل الأمن لا يضرب المحتجين فقط لأنه “رشقات ليه عليهم”, وإنما يقوم بذلك تنفيذا للأوامر التي يتلقاها من رؤسائه المباشرين, الذين يتلقونها بدورهم من قلب وزارة الداخلية.
وعندما يحول أي شخص بين رجل أمن وبين تنفيذه للأوامر, فإنه يضع نفسه في مرمى الفصول القانونية المتعلقة بعرقلة عمل موظفين عموميين.
ولـذلك ربما يبحث رئيس الحكومة عن مخرج مشرف لهذه المعضلة التي تحول فيها البرلماني من ضحية يهدد بمتابعة أفراد رجال الأمن وتوقيفهم, إلى “مذنب” قد يجد نفسه متابعا أمام القضاء من طرف الإدارة العامة للأمن الوطني التي تعتبر ما قام به البرلماني تدخلا في عملها.
ولهذا السبب نجد فرقا برلمانية في المعارضة تريد من رئيس الحكومة أن يكون صارما في اتخاذ موقف مما تعرض له برلماني حزبه. وهي بالتأكيد لا تصنع ذلك حبا في البرلماني وحزبه, وإنما تريد للعلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية أن تذهب إلى أبعد مداها على مستوى الشد والجذب. خصوصا بين برلمانيي حزب العدالة والتنمية الحاكم ووزير الداخلية المنتمي إلى الحركة الشعبية.
ما يحدث داخل التآلف الحكومي, أو بالأحرى التنافر الحكومي, لا أحد يستطيع أن يتكهن بما سيؤول إليه. فهذه ليست أول مرة يشهر وزير الداخلية الورقة الحمراء في وجه رئيسه في الحكومة. فقد سبق له أن أشهرها في وجهه عندما منعه من حضور اللقاء الشعبي الحزبي في ساحة طنجة. لكن ما يهمنا هنا هو الصورة التي يعطيها الحزب الحاكم عن نفسه أمام الرأي العام.
فإلى حدود اليوم وقعت حادثتان وضحتا بالملموس أن الحزب الحاكم عاجز عن حماية مقره الذي تعرض للسرقة والعبث بمحتوياته, وعاجز عن الدفاع عن أحد برلمانييه الذي تعرض للاعتداء في الشارع العام.
فهل سيصدفق الناس أن حزبا مثل هذا يقود الحكومة ويدعي أنه سيقضي على الفساد والاستبداد, جاد في ما يقوله ؟
هل يستطيع من لا يقدر على حماية دواليب مكاتب مقره من اللصوص حماية خزائن المال العام من محترفي النهب؟
ثم كيف يمكن لحزب يملك أزيد من مائة برلماني ويقود الحكومة أن يسمح بجرجرة أحد ممثلي الأمة في الشارع وإسماعه أقذع الشتائم واتهام حزبه بالركوب على ظهر الشعب, دون أن يتجرأ هؤلاء البرلمانيون على التهديد بتقديم استقالة جماعية من مجلس النواب إذا لم يتم الاعتذار للنائب المسلوخ؟
إنها فعلا مفارقات غريبة تحدث. لكن الإيجابي فيها أنها تشرح لمن ما زال بحاجة إلى شرح أن رئيس الحكومة يمتنع إلى حدود الساعة عن ممارسة صلاحياته الدستورية الواسعة.
والسر يعرفه بنكيران لوحده. فهل يتكرم سعادته ويشاطر المغاربة سره المكنون؟




