السيتي

مصيبة إسمها المنتخب – رشيد نيني

 رشيد النيني – الأخبار (29/01/2013)
إذا كان لدى الجامعة الملكية لكرة القدم احترام لروح الدستور, فإن أول شيء عليها القيام به هو تقديم استقالتها فورا.
 
أما رئيس الحكومة فعليه أن يأمر بفتح تحقيق حول إخفاق المنتخب الوطني في التأهل إلى الدور الثاني من كأس إفريقيا, إعمالا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
 
فميزانية المنتخب السنوية فاقت 100 مليار سنتيم, ومصاريف الاستعدادات والنقل في الدرجة الأولى والإقامة في فنادق الخمسة نجوم وتعويضات اللاعبين تعد بملايين الدراهم, وأقل شيء يمكن أن يقوم به وزير الشباب والرياضة الضاحك, هو أن يكف عن الضحك ويشرح لدافعي الضرائب أين ذهبت كل هذه المليارات ولماذا غادر الحلبة الإفريقية منتخب كالمنتخب المغربي يمثل 34 مليون نسمة فيما نجح في الصمود في الحلبة منتخب كمنتخب الرأس الأخضر لا يمثل سوى 500 ألف نسمة.
إن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الكارثة الوطنية المسماة “المنتخب”, ليست أمرا من قبيل الشأن الرياضي, وإنما من قبيل الشأن السياسي بامتياز. فالمستوى المتهالك الذي ظهر به المنتخب, والتصريحات المخجلة التي أطلقها الناخب الوطني, من قبيل أن اللاعبين خذلوه ولم يتصرفوا ك”رجالة”, نجح في تحطيم الشعور الوطني للمغاربة, وساهم بشكل كبير في تغذية مرض “نقص الثقة” في نفوسهم واقتناعهم أن الهزيمة قدر وأن الخسران رياضة وطنية.
 
وإذا كان هناك احترام للدستور, الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة, فإن محاسبة علي الفاسي الفهري رئيس الجامعة يجب أن تشمل أيضا محاسبته على المليارين اللذين اقتنى بهما الشقتين الباريسيتين, وهي القضية التي كان يجب أن تثير من الغضب والاشمئزاز أكثر مما أثارته هزيمة المنتخب. لكن البرلمان, والمعارضة بالخصوص, ارتأت أن من الأفضل نسيان هذا الملف.
 
والواقع أن مصيبة المنتخب المغربي شرحها المدرب هنري ميشيل قبل سنوات, عندما وضع أصبعه على الداء الحقيقي الذي ينخر الجامعة والكرة المغربية من الداخل.
 
فقد تجرأ وقال إن الحكومة المغربية لا تمتلك سياسة رياضية واضحة. مباشرة بعد هذا التصريح أعظى وزير الاتصال آنذاك تصريحا مضادا قال فيه إن هنري ميشيل ليس مخولا للحديث في الأمور السياسية الداخلية للمغرب. ساعات بعد هذا التصريح سيتم اتخاذ قرار عزل هنري ميشيل.
 
مما يعني أنه لا نتائجه الهزيلة على رأس المنتخب ولا تصريحاته المهينة للصحافيين واللاعبين, ولا حتى تعويضاته الخيالية كانت وراء قرار عزله, وإنما لسانه الطويل هو الذي تسبب له في إقالة كلفت دافعي الضرائب حوالي 135 مليونا. وقبله كلفتنا إقالة المدرب الفرنسي فيليب تروسي, بسبب طول لسانه أيضا, والذي لم يدرب المنتخب سوى شهر واحد, حوالي 400 مليون. ولعل آخر الإقالات المكلفة كانت تلك التي راح ضحيتها دافعو الضرائب عندما كلفهم ذهاب المدرب غيريتس مبلغا يدخل ضمن دائرة أسرار الدولة.
 
وهكذا فالمنتخب الوطني مثله مثل حافلة معطلة واقفة في الطريق. وعوض تغيير قطع غيار الحافلة التي انتهب صلاحيتها يكتفون بتغيير السائق, ولغبائهم, أو لاعتقادهم أن الشعب غبي, ينتظرون من محرك الحافلة أن “ينوض”.
 
والواقع أن الخير الذي تستطيع أن تصنعه جامعة الفهري في المغاربة هو أن تنسحب من المشاركة في كل التظاهرات الكروية القارية والدولية, لأنها لا تصنع بمشاركتها غير تشويه سمعة المغربي الرياضية وتمريغ القميص الوطني في التراب, خصوصا عندما يشرعون في إغراء اللاعبين بمئات الملايين في حالة فوزهم, كما فعلوا عندما وعدوا اللاعبين بمائتي مليون للواحد في حالة فوزهم بالكأس, وكأن الشيء الوحيد الذي يحرك هؤلاء اللاعبين هو المال وليس مشاعر أخرى أكثر نبلا وشهامة.
 
والأخطر من ذلك هو أن هذه الهزائم المتكررة للفريق الوطني تتسبب للجمهور المغربي في “”الفقصة”, وهو إحساس نفسي بالمهانة يبدو أن علي الفاسي الفهري لديه مناعة ضده, “ما عندو علاش يحشم”.
 
والواقع أن الذين يستسهلون ما يحدث للمنتخب الوطني من بهدلة يجهلون التأثير الخطير لكرة القدم على نفسية الشعوب فالمنتخبات الوطنية هي التجسيد الأكثر شعبية وجماهيرية لأحاسيس الانتماء إلى الوطن ولمشاعر الحماسة المرتبطة بالدفاع عن ألوان الراية وشعار الدولة.
 
وكثير من الأشياء التي تفشل السياسة في حلها تستطيع الكرة أن تتكفل بحلها على أحسن وجه. ومن يريد أن يعرف كيف تؤثر الكرة في السياسة, ما عليه سوى أن يشاهد فيلم Invictus  لمخرجه “كلينت إيستوود” والذي يشرح كيف وحد نيلسون مانديلا بين البيض والسود وقضى على “الأبارتهايد” في جنوب إفريقيا بواسطة الكرة, وأذكى مشاعر الانتماء إلى الوطن الواحد عبر تشجيع منتخب واحد وترديد نشيد واحد والافتخار برفع راية واحدة.
 
وسواء في المغرب أو غيره, تبقى كرة القدم رياضة شعبية تمارس حسرا كبيرا على الشعوب. فهي تختزل طموحات الجماهير للنصر, وتعبر عن قيم المنازلة والمبارزة والشجاعة والافتخار. ولذلك فتحطيم المنتخب الوطني يعني تحطيم هذه القيم التي ترتبط بالكرة, مما يخلق لدى الشعب حالة من الانهزامية واحتقار الذات واستصغارها, وهي مشاعر هدامة تسعى الأنظمة إلى محاربتها.
 
وما أحوج المغاربة اليوم, اكثر من أي وقت مضى, إلى فريق وطني يحيي أمجاد الماضي, ويعيد القليل من روح النخوة والافتخار إلى النفوس المتعطشة لانتصار صغير يقطع مع هذه السلسلة المتواصلة من الهزائم النكراء, فقد كثرت علينا الهموم وتداعت علينا الأمم وأصبح فريقنا الوطني مسخرة في الملاعب.
 
ولعل الدولة والحكومة والقائمين على الشأن الرياضي في المغرب لم يفهموا بعد أن تدني المستوى الرياضي, خصوصا في لعبة شعبية ككرة القدم,  يساهم بشكل كبير في تدني الشعور الوطني للمغاربة, فالخيبة والهزيمة والعار أصبحت أكثر المشاعر التي يعبر عنها المغاربة عقب كل هزيمة كروية.
 
ومن يرى كيف تصرف الدول الأخرى الميزانيات الباهظة في تكوين اللاعبين واقتنائهم لإحراز الانتصارات في الملتقيات الكروية الدولية, يفهم أن المسألة لا تتعلق فقط بإحراز الانتصارات أو كأس أو بطولة, بقدر ما أن الهدف الأساسي وراء ذلك هو تقوية الشعور الوطني ومشاعر الانتماء إلى الوطن والافتخار برايته وبنشيده, وإلا ما الداعي إلى رفع اللاعبين المنتصرين لرايات بلدانهم داخل ملاعب الخصوم, وإبداء ملامح الخشوع أثناء عزف النشيد الوطني.
 
أكاد أجزم بأن إخفاقات السنوات الأخيرة, بدءا من مونديال 1998, مرورا بهزيمة “مالي” وإقصاء “غانا” ونكسة “بكين” ومهزلة “الغابون”, وصولا إلى الإقصاء المخجل من كأس إفريقيا, تتحمل المسؤولية المباشرة عن إضعاف الشعور الوطني للمغاربة.
 
فالفريق الوطني لكرة القدم يجب أن يجسد في الملعب تلك الروح القتالية الكامنة داخل كل مغربي عندما يواجه الخصم, وطبعا, هذه الروح القتالية التي نراها في المنتخبات الإفريقية ومنتخبات مصر وتونس على سبيل المثال, نجدها غائبة عند أغلب لاعبي منتخبنا الوطني, لماذا؟
 
الجواب بسيط للغاية. المنتخب الوطني مليء بلاعبين أوربيين من أصول مغربية, لاعبين محترفين يمارسون في فرق معروفة أوربيا, ولديهم التزامات صارمة ومحددة مع نواديهم التي تصرف عليهم الملايير لكي يكونوا في كامل لياقتهم, لذلك فهؤلاء اللاعبون يعتبرون تلبيتهم لنداء المدرب للعب ضمن المنتخب الوطني شكلا من أشكال الواجب الوطني الثقيل أو الأوامر الصارمة التي ينفذونها ببرود رفعا للعتب.
 
ولهذا السبب, ترى لاعبي المنتخب يتحركون داخل الملعب فاقدين تلك الروح القتالية التي كنا نراها في منتخب الثمانينيات المشكل في مجمله من لاعبين مغاربة خرجوا من أحياء شعبية ومزقوا أحذيتهم الكروية في فرق الأحياء وجرحوا ركبهم في البطولة الوطنية قبل أن يصلوا بعرق جبينهم إلى عرين الأسود, والنتائج التي حققوها على المستوى الدولي تشهد لهم بذلك.
 

لذلك فتغيير السائق والإبقاء على قطع الغيار الفاسدة لن يفيد في تحريك حافلة الكرة الوطنية المتوقفة في الطريق إلى المونديال منذ سنوات. المطلوب لكي تتحرك الحافلة, هو تخليصها من تلك “البياسات” التي صدئت في أماكنها, وتعويضها بقطع غيار جديدة بتاريخ صلاحية مضبوط ومتفق عليه ديمقراطيا.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى