السيتي

سرداب الطوسي وقداسة كاسياس – بدر الدين الإدريسي – جريدة المنتخب (11 يونيو 2013)

 

 

بدر الدين الإدريسي – جريدة المنتخب (11 يونيو 2013)

سرداب الطوسي وقداسة كاسياس

أغبط رشيد الطوسي الناخب الوطني على روحه المتفائلة، فلربما هو اليوم أكثر منا قدرة على إضاءة شمعة في السرداب المظلم الذي يمشي فيه الفريق الوطني منذ فترة ليست بالقصيرة، إنه لا يأبه للإشاعات ولا للغليظ والقاسي من الكلام الذي يذبح الأمل في المستقبل من الوريد إلى الوريد، صحيح أنه متأثر بما كان من أعاصير هزت خيمة الحلم وصحيح أنه تعلم الكثير من الدروس، ولكن لا يحسب له أنه لم يدفن رأسه طويلا في الرمال، لذلك نتمنى أن يكفر عما كان من أخطاء ويصلح ما كان من أعطاب في المنظور وفي التدبير وفي القناعات، فلو قدر أن أزيح الطوسي غدا أو بعد غد عن الفريق الوطني فإنه سيظل مدربا وطنيا بالإنتماء وبالفكر وبالمرجعية أيضا.

قد لا نكون بنفس طول النفس وبنفس حجم التفاؤل اللذين هما اليوم للطوسي وقد تأكد أن صوامع الحلم المونديالي تهاوت كلها مع الخسارة الموجعة بدار السلام، ولكن ما من شيء يبيح لنا أن نقاطع الفريق الوطني وأن نتركه وحيدا يصارع طواحين الطايفا التانزانية يوم السبت القادم بمراكش، لا الوطنية ولا الغيرة ولا الحب الساكن في الأعماق يسمحون لنا كمغاربة وأيضا كمراكشيين بأن نهجر الملعب يوم السبت ولا نقف خلف فريق يريد أن يتخلص من ذنب تعذيب الذات وتعذيب كل المغاربة.

قد لا يكون الفوز يوم السبت على منتخب تانزانيا ذو قيمة عالية فيما لو نجح المنتخب الإيفواري في تحقيق الفوز على غامبيا، ولا أظنه يعاني من أجل ذلك، لأنه في تلك الحالة ستظل النقاط الخمس كفارق عن الفيلة وكأنها جبال حاجبة للرؤية ومانعة لإحياء الأمل ولكنه سيكون فوزا يطيب الخاطر ويعيد الفريق الوطني مجددا إلى سكة السفر الطبيعي، إنه بهذا المعنى فوز إستراتيجي منافعه أكبر من نقاطه، لذلك فشرط تحقق الفوز هو أن تكون الجماهير كعادتها مع أسودها تناصرها وتدعمها وتشد عضدها في الضراء كما في السراء.

جملة صغيرة وبسيطة في حروفها، كبيرة وعميقة في مبناها قالها القديس إيكر كاسياس حارس مرمى ريال مدريد ومنتخب إسبانيا عندما سئل عن الذي بينه وبين المدرب المثير للجدل «السبيشل وان» جوزي مورينيو ساعات بعد رحيله عن ريال مدريد..

قال كاسياس: «لا أحمل أية ضغينة لمورينيو» جملة لا تصلح للخبطات الصحفية التي يلهث وراءها رجال الإعلام، فمن طرحوا السؤال بسبق إصرار وبلا أدنى تحفظ توقعوا الحصول على ما يضع خاتمة لمسلسل درامي أنجز فصوله بمكابرة وعناد وإصرار على أنه صاحب البطولة المطلقة مورينيو، توقعوا أن يحبس كاسياس كل الأنفاس ويبدأ في إطلاق الصواريخ على مورينيو، ما يقتلع الرأس من العنق وما يحول الجسد إلى أشلاء وما يؤثث صفحات الجرائد الإلكترونية والورقية بجدل قوي، جذاب وضامن للربح السريع.

حزن الصحفيون على أن كاسياس لم يبتلع الطعم، فالرجل الذي يحمل لقب القديس عبر ويعبر إلى اليوم عن كل ما هو رائع وإنساني وأخلاقي في الفرسان عندما أبى أن يقذف مورينيو الميت في عرف ريال مدريد بعد الإنفصال وعندما أصر على أن يترك الآخرين ينسجون لحكايته الصادمة مع مورينيو فصولا وفق أهوائهم ومزاجهم واحترافيتهم.

يوم قرر مورينيو الإبقاء على كاسياس في دكة البدلاء بعد أن شفي من الكسر الذي تعرض له، فهم جميعنا على أن هناك تصفية حساب قديم بين الرجلين وأبدا لم يحرك كاسياس ساكنا، لا هو تبرم ولا هو تأفف ولا هو ضجر، أبقى فمه مقفولا حتى لا تدخله ريح الإسفاف في القول، ويوم تمادى مورينيو في معاقبة القديس حتى أن الأمر تحول إلى إذلال لرجل يحمل رمزية كبيرة في قلعة الملوك، لم يتزعزع كاسياس عن موقفه الثابت حتى أن هناك من قال أنه قبل بالإذلال لأنه يعرف حجم الجرم الذي إرتكبه ذات يوم، فقد بدا واضحا أنه كان المقصود بمن نعثه مورينيو ذات وقت بالجاسوس، طبعا هاجت الصحافة الإسبانية الموالية للريال وهاج لاعبون بعينهم جرت معاقبتهم على الفور وهاجت الجماهير حتى أنها طالبت بالخلع، ومع ذلك ظل القديس وفيا للمبدأ الإحترافي وأبدا لم ينبس ببنت شفة، وحتى عندما إنزاح الهم بذهاب مورينيو منفصلا عن الريال إكتفى كاسياس بالقول أنه غير حاقد على مورينيو.

كم من لاعب عندنا يملك هذه الحصانة وهذا الرقي في التفكير وهذا السمو في الصفح عن الآخرين؟

إن حصلتم على إسم واحد دلوني عليه أكون لكم شاكرا. 

عرفت ماذا تكون الديموقراطية، ما علاقتها بالحرية وما ارتباطها بالتعددية التي تقول بأن الإختلاف مولد للإبداع متى لا يكون هناك خلاف على الثوابت، وأقنعت نفسي ذات وقت أن الأصوات متى لم تتفق كان الإختلاف لها رحمة، وأبدا لم أكن أتصور أن يكون ذلك مدعاة للتفرقة وللتشردم ولبناء خنادق للإقتتال مع أن الأمانة تفرض التلاحم والموت من أجل وحدة الصف.

محزن أن نسمع في المغرب باسم الإختلاف الذي يفسد للود القضية والمفهوم عن نشأة جمعيات تتبنى وصاية على الصحافة الرياضية وتدعي أنها ما وجدت إلا إنتصارا للتعدد مع أن الحقيقة أنها تريد أن تنتصر لأجندات وتريد أن تنتصر لحالة من الخيلاء ولنوع من الإسترزاق وتريد أن تنال بطولة مع أن المشهد الإعلامي لا يعطي بطولات ولكنه يعطي أوسمة الخلود لمن يخلصون له ولمن يقاتلون من أجل مصداقيته ونزاهته وكرامته. 

محزن أن يكون قد أريد سوء بالصحافة الرياضية عندما ينزع من لم يقدروا على تكاليف المهنة وهم ليسوا مهنيين بالمطلق وحتى بالصفة، ومن لم يقدروا على الصمود في جبهة العمل الجمعوي إلى مزيد من زرع الكائنات الغريبة في محيط الصحافة الرياضية للنيل من الهيئات التقليدية والعريقة ولتمييع المشهد الرياضي والإعلامي ولن يسامحهم التاريخ القريب والبعيد للصحافة الرياضية الذي يشهد بأريحية الفرسان الأوائل على أنهم أرادوا به سوء.

ذات وقت سيسقطون صرعى وضحايا لأنفس أمارة بالتفرقة والتشتت والإسترزاق، فالزبد يذهب جفاء أم ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى