السيتي

هل نحتاج حراس السيارات أم حراس المدينة؟

هشام المكي

في مدينتي الصغيرة التي أعشقها، حيث ولدت وترعرت، إيقاع حياة جميل وبسيط، بفضل سكانها الطيبين؛ حيث يمكنك أن تسأل أي فرد حتى ولو لم تكن تعرفه، عن أي مكان تقصده، وسيمنحك وقته واهتمامه ويرشدك بلطف، حتى ولو تطلب الأمر منه أن يرافقك الطريقَ كله أو جزءا منه..

وفي مدينتي الجميلة، يمكنك أن تترك دراجتك أمام صاحب دكان، أو شخص يجلس في المقهى، وتطلب منهما بكل بساطة حراسة دراجتك، وسيتطوعان بفعل ذلك، دون معرفة سابقة بك..

في مدينتي الصغيرة، تستطيع أن تركن سيارتك في أي مكان بالشارع، وتغيب عنها اليوم بأكمله، وتعود لتجدها آمنة في مكانها، مجانا ودون أن تخشى من سرقة محتوياتها.

إن هذه الأجواء الطيبة، والمتسامحة، والسلمية، هي جزء بسيط من ممارسات اجتماعية أرقى وأجمل، يتذكرها سكان المدينة بشجن وحنين، ويتحسرون على أن المدينة لم تعد كما كانت سابقا..، ومع ذلك؛ ففي المدينة وأهلها خير كثير.

إن هذه الأجواء الآمنة والإيجابية للعيش، هي نتيجة لتعلم اجتماعي دائم، حيث يُدمج الصغار والوافدون في قيم المدينة وأخلاقها، ويتعزز عندهم السلوك الإيجابي والطيب والتعاوني عبر دورة تبادل معقدة، حيث أكون طيبا ومتعاونا مع مجموعة من الأشخاص، وأتلقى في المقابل دعما وتعاونا من أشخاص آخرين؛ فيتعزز عندي الإيمان بجدوى الطيبوبة والتعاون، وتعيش المدينة بأكملها على إيقاع السلم والهدوء.

لذا فإن المدينة تُفاوض الوافدين عليها وتحاول إقناعهم بقيمها، خصوصا وأن الوافدين من بعض المدن الأخرى، قد يحملون معهم – معذورين- قيما صراعية وتنافسية، ويكمن الخطر هنا في أنهم ببعض سلوكياتهم المفهومة في سياقهم السابق، يكسرون دورة إنتاج الخير والطيبوبة، ويُضعفون عملية تعزيز التعاون الاجتماعي والتطوع، فيغيرون بذلك قيم المدينة وتقاليدها وثقافتها.

لهذا السبب، كنت أصاب بحيرة وتردد كلما مررت قرب رجل كهل، يرتدي سترة حراس السيارات، ويقف بركن يعرفه سكان المدينة بلا شك، يبدو مثل متقاعد من مهنة بسيطة، أو مثل رجل يحمل عبء أسرة كبيرة يُرهقها الفقر؛ لا أدري كيف ولمَ اختار ذلك الشارع بالضبط ليحاول فيه جمع دريهمات يستعين بها.. وفي كل مرة أحتار ما بين الاستجابة إلى حاجته البادية على ملامحه، فأتعاطف معه وأمنحه درهمين أو ثلاث مقابل حراسته سيارتي رغم أنني لا أحتاج إلى حراسته أصلا في مدينتي الآمنة؛ وبين خشيتي بأن يكون الرجل – دون أن يقصد هو ذلك- بداية مسلسل تحول مدينتي الجميلة إلى نسخة مكررة من مدن أخرى بئيسة، بعد أن يقلده آخرون؛ حيث تحتاج كلما توقفت إلى أن تُغازل الحارس بدراهم معدودة، وحيث يصير كل شيء في المدينة بثمن ومقابل، وحيث تخشى على سيارتك من العبث والسرقة؛ وحيث ينظر إليك بارتياب -يجعلك تحس أنك متسول محترف- كل شخص قصدته للسؤال عن وجهة ما!

رغم أنني متأكد من طيبوبة صديقي الكهل، ومن حاجاته إلى المال، ورغم أنني أحترم طريقته في العمل الشريف حارسا للسيارات؛ غير أنني لم أستطع منع نفسي من النظر إليه باعتباره سيحمل وزر تحول مدينتي إلى نسخة سوداء من مدن “اللاأمن” والمصلحة “واللاتعاون”؛ فأنا أعذر حاجته وأخشى في المقابل أن يقلده آخرون، فيتناسل حراس السيارات في كل مكان في مدينتي.

أُطلقت هذه الأيام حملة ضد فوضى حراس السيارات، حيث تفاجئ كل يوم بشخص جديد يرتدي سترة صفراء، في مكان جديد، يسارع ليأخذ منك إتاوة الوقوف، بإحدى صيغتين: الابتزاز أو التسول؛ مع ترويع النساء والفتيات، ومظاهر أخرى سلبية وسيئة تغرق فيها المدن الكبرى، وتسيء إلى صورة المدينة والوطن.

وبغض النظر على الإشكاليات المرتبط بهذه الظاهرة، ومسؤوليات الأطراف المتدخلة بها، فإن انتشار هذه الظاهرة في المدن الصغرى، لن يجلب معه فقط كل تلك المظاهر السلبية والسيئة والقبيحة التي أشرت إليها؛ بل سيطلق مسلسل تعلم اجتماعي سلبي، يُضعف معه الكثير من مظاهر الطيبة والتكافل والتسامح والتعاون التي تصنع ميزة تلك المدن، وتجعل الحياة فيها ممتعة وغنية بحق.

ولنتذكر جميعا، أن أي ابتسامة أقابل بها الآخرين، وأبسط مساعدة أقدمها إلى أي شخص، وتجاوبي مع شخص غريب، وإفشاء السلام في كل مكان، والمبادرة إلى مد يد العون والمساعدة دون أن يُطلب مني ذلك ودون مقابل… هي مفاتيح الحياة السعيدة والآمنة، وهي هوية مدينتي التي أحبها، والحصن الذي يحميها، وهي صفات حُراس المدينة، الذين يحرسون جمالها وأمنها..

نحن جميعا حراس المدينة، فكاميرات المراقبة، والحراس المأجورون، قد يوفرون الأمن، لكنهم أبدا لن يستطيعوا أن يوفروا لنا الشعور بالأمان!

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى