السيتي

المسلسل المصري “خلي بالك من زيزي”، إطلالة جميلة على عوالم نفسية خفية

د. هشام المكي

من المسلسلات الرمضانية الجميلة لهذه السنة، المسلسل المصري “خلي بالك من زيزي”، وهو وإن كان يخرج عن الحبكة التقليدية التي ألخصها في قصة انتقام أساسية مع قصة حب موازية، فإن هدوء أحداثه لا يمنع من التعلق به، لطابعه المرح، والتشويق الذي يطبع أحداثه التي تدور بقالب فكاهي حول شابة مدللة تعاني من عصبية زائدة تجد نفسها في مواجهة قضية طلاق وقضية ضرب واعتداء، رفعهما زوجها ضدها، وتجد نفسها مضطرة لأول مرة للاشتغال على نفسها ومحاولة التحكم بعصبيتها -فقط- لإقناع القاضي ببراءتها؛ غير أن توالي الأحداث يضعها أمام مفاجآت عدة.

الجميل في المسلسل أنه يدمج بين رؤيتين شهيرتين في علم النفس: المنظور الفرويدي التقليدي الذي يربط الاضطرابات النفسية بأحداث وقعت في الماضي والطفولة، والمنظور الذي يهتم بالعلاقات التي يعيشها الفرد وكيف تؤثر على صحته النفسية.

وإذا كان المسلسل يسلط الضوء أساسا على اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)؛ الذي يصيب شريحة واسعة من الأطفال الموهوبين والأذكياء، فيقعون فريسة لضغط الكبار وتصنيفاتهم الجاهزة والمحبطة، والتي تؤدي في الغالب إلى دفن حماس أولئك الأطفال وإطفاء تميزهم؛ فإن المسلسل يقدم أيضا قصصا نفسية موازية لأغلب شخصياته؛ أجمل ما فيها أنك تعيش معهم أحداث المسلسل بشكل عادي ومشوق ولا تشعر أن الأمر يتعلق بتشريح نفسي دقيق.

في نهاية المسلسل، نودع أحداثه بثقافة نفسية محترمة، وبشعور جميل من الهدوء والتسامح والسلم الداخلي، إذ يخاطبنا جميعا، ويخاطب إيقاع الحياة وطبيعة العلاقات في أسرنا العربية:

فنتعلم أن نتسامح مع بعضنا البعض، ونتفهم أن استعداداتنا مختلفة وأن قدراتنا مختلفة، وأن طرقنا في التعبير مختلفة أيضا، وكل هذا لا يمنع من أن تجمعنا علاقات إنسانية إيجابية؛
ونتعلم كيف نحترم مساحات الفعل واتخاذ القرار عند أحبابنا وأفراد عائلتنا ونمنحهم حرية أكثر في التصرف ونتقبلهم بقراراتهم؛

ونتعلم كيف أن الإحباطات الصغيرة المتراكمة يمكن أن تصنع مع مرور الوقت برودة خانقة في علاقاتنا الاجتماعية والأسرية والزوجية؛

ونتعلم أن أساس نجاح العلاقات الزوجية هو الحوار، والثقة المتبادلة، والاستعداد لتأويل كل سلوك بحسن نية، والتفكير في أشكال التجديد والحيوية؛

ونتعلم أن الآباء والأمهات يخطؤون كثيرا في حق أبنائهم، حينها يستسلمون لضغط الحياة ويفقدون الاهتمام بتفاصيل متابعة أبنائهم عاطفيا بالحنان والتواصل والحوار الدائم لاكتشاف حاجياتهم النفسية أيضا؛ ويركزون فقط على توفير حاجياتهم المادية من طعام ولباس وغيرها؛

ونتعلم أن النجاح المهني مهما بلغ من علو، يبقى منقوصا إذا لم يصاحبه استقرار أسري إيجابي، وأن السعادة والاطمئنان داخل الأسرة، تعطينا طاقة لمواجهة كل صعوبات الحياة الأخرى؛
ونتعلم أن الدعم المتبادل بين الأفراد، وصبرهم على بعضهم، وتشجيعهم لبعضهم، يسعدهم جميعا، بل هو أهم وصفة للسعادة.. فالسعادة عمل جماعي، وليس نجاحا فرديا.

يقدم المسلسل بنجاح، لوحة نفسية متنوعة، وواقعية لشخصياته، ننظر عبرها إلى ذواتنا، وإلى علاقاتنا الاجتماعية بنجاحاتها وإخفاقاتها، وبطاقة إيجابية تؤمن أن وقت إنقاذ علاقاتنا الاجتماعية والأسرية لم يفت بعد!

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى