السيتي

المحكمة تتفاعل مع محيطها وتعتبر التصدي لـ”العنف ضد النساء” مسألة أخلاقية قبل أن تكون زجرية

أطّر كل من القاضيان بالمحكمة الإبتدائية بجرسيف ذ.محمد الحدّاد و ذ.خالد سعيد والمحاميان ذ.حسن مرزو و ذة. مريم الطوالي من هيئة المحامين بتازة ندوة قانونية تحت موضوع “الآليات القانونية لحماية النساء والفتيات من العنف بجميع أشكاله”.

الندوة التي إحتضنتها قاعة دار الثقافة بمدينة جرسيف مساء الجمعة وكانت من تسيير ذة.مريم الطوالي،نُظّمت من طرف جمعية “الأفق الأخضر للتنمية المستدامة و البيئة و حقوق الإنسان” و التي ترأسها الحقوقية الوطنية المعروفة ربيعة مرضي،وشهدت حضور عدد مهم من النساء من مختلف الأعمار وثلة من رجال القانون و المهتمين المحليين.

وفي كلمتها بالمناسبة أكدت ذة.مرضي بأن تنظيم هذه الندوة النوعية يأتي في سياق الإحتفال باليوم العالمي لحقوق المرأة الذي يخلده العالم سنويا في الثامن من مارس،وأن اختيار شعار “حماية النساء من العنف مسؤولية الجميع” تبرز أهميته من خلال الدور الذي تحتله المرأة في المجتمع باعتبارها أُمّا و أُختا و زوجة، وأيضا نصف المجتمع.وأضافت العضو السابق  المساهم في هيئة الإنصاف و المصالحة بأن اهتمامها بموضوع النساء جعلها تؤسس مركزا للإستماع و الإرشاد القانوني للنساء و الفتيات ضحايا العنف تحت إسم”تودة” والذي اشتغل على عدة ملفات وأعطى نتائجه الإيجابية رغم بعض الإكراهات والعوائق الموضوعية التي تعترض عمل المؤسسة خلال عام من تأسيسها.

وأوضحت الحقوقية بأن مساهمة الجمعيات النسائية والحقوقية في تكسير جدار الصمت عن ظاهرة العنف ضد النساء،جعلت المغرب ينخرط في مكافحتها بدءا من وضع الإستراتيجية الوطنية لمواجهة ظاهرة العنف ضد النساء ثم بعده إقرار الخطة الحكومية للمساواة في أفق المناصفة 2016/2012.

عرض الأستاذ محمد الحدّاد القاضي بمحكمة الأسرة بجرسيف تناول دور القضاء الوطني في حماية النساء من العنف،وأوضح بداية بأن المشرع المغربي على غرار التشريعات الدولية الأخرى استشعر خطورة ظاهرة العنف ضد المرأة وأنتج عدة قوانين تجرم الظاهرة سواء في شقها المدني أو الجنائي،محاولة منه للحد منها وتقليصها.غير أن القوانين – يقول الحدّاد – لا تُسعف لوحدها للتصدي للظاهرة بل يجب الرقي بالأخلاق،وأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى بالقوانين بل بالمودة و الحب و الرحمة و التعايش،وأن القانون لا يتدخل إلا عند الإخلال بأحدٍ من هذه المبادئ الإنسانية.وشدّد المُحاضر على الدور الكبير الذي يجب أن يضطلع به المجتمع المدني في تنمية الذوق والرفع من قيمة المرأة في المجتمع و إعطائها الإحترام اللازم،”لأنها ليست نصف المجتمع كما يقال فحسب بل هي المجمتع كله” يقول الحدّاد.

ومن خلال تجربته العملية،أكد قاضي الأسرة بأن لجوء المرأة الى القضاء يجعلها محل عنف معنوي من طرف المجتمع الذي لا يستسيغ هذا الأمر،وقال بأن عددا مهما من دعاوى الطلاق أو التطليق من طرف الزوج،تكون مسبباتها بسيطة و لا ترقى الى المشاكل الموضوعية التي قد ينحل بها ميثاق الزوجية،من قبيل لوم الزوج لزوجته للجوئها الى القضاء لإجباره على النفقة مثلا أو تقدمها بشكاية ضده سواء لدى النيابة العامة أو لدى الضابطة القضائية.وفي هذا السياق دعا الأستاذ الحدّاد الى عدم اعتبار لجوء الزوجة الى القضاء لصون حقوقها كبيرة من الكبائر التي لا تغتفر،ويجب أن تترسخ فكرة “أن العدالة أنشأت من أجل خدمة المواطن ومساعدة له لتكوين أسرته و ليس العكس”،وشدد المتحدث على أن مرفق القضاء يعتبر مثله مثل باقي المرافق و المصالح التي يرتادها المواطن والمواطنة لقضاء حوائجهم المختلفة.

من جهة أخرى اعتبر القاضي بأن العنف ضد المرأة يقع خلف الجدران المغلقة و يصعب إثبات وقائعه المادية، وأشار الى أن الشهادة الطبية لا يعتد بها كقرينة قاطعة بل يلزم الإحتكام الى وسائل أخرى و منها الإقرار بالنزاع بين الطرفين ومعاينة الجروح و شهادة الشهود في المشادات الكلامية و الضرب و الجرح..إلخ،وأن المحكمة غالبا ما تستحضر مصلحة الأسرة في أحكامها في دعاوى العنف ضد النساء ولا تميل الى العقوبات الحبسية ضد الزوج لاعتبار أن ذلك لا يحل المشكلة بقدر ما يزيد من تعقيدها لما ينجرّ عنه من انقطاع للإنفاق على الأسرة وتداعياته على استقرارها.

وأشار الأستاذ الحدّاد في ختام مداخلته الى أن مسألة زواج القاصرات يضع القاضي أما حيرة من أمره وهو يفكر في الإذن بزواجهن أو عدمه،مستحضرا خوفه من اللجوء الى الزواج بالفاتحة وما يترتب عليه من آثار قد لا تحمد عقباها كما هو الحال في دعاوى النفقة أو الخيانة الزوجية، لعدم توفرها على عقد للزواج.وخلُص المحاضر الى أن الأمر يحتاج الى مقاربة تشاركية بين مكونات المجتمع لتنوير هذه الشريحة من الناس التي تستعجل زواج القاصرات في سن هن في حاجة ماسة الى التمدرس والى عيش طفولتهن على طبيعتها،واستغرب في هذا الصدد قائلا: “كيف لنا أن نعتبر الممارسة الجنسية مع الفتاة دون سن الثامنة عشرة إغتصابا،ولا نسقط نفس الحكم على تلك العملية في إطار الزواج”.

الأستاذ خالد سعيد رئيس خلية التكفل بالمرأة و الطفل ونائب وكيل الملك لدى المحكمة الإبتدائية بجرسيف،تحدث في مداخلته عن دور الخلية التي أحدثت بكافة محاكم المملكة للتكفل بقضايا النساء والأطفال،لما لهذا النوع من القضايا من بعد إجتماعي وإنساني.وذكّر القاضي بعدد خلايا التكفل القضائي بالنساء والأطفال بالمحاكم الإبتدائية ومحاكم الاستئناف وطنيا والذي يصل الى 86 خلية من بينها جرسيف،تتواجد مقراتها بالنيابات العامة وتتألف من مختلف مكونات الجسم القضائي داخل المحكمة،وأوكلت مهمة استقبال النساء ضحايا العنف الى مساعدات إجتماعيات.

من جانب آخر أوضح المتحدث بأن الخلية يمتاز عملها بالفورية اللازمة و تتوفر على مكتب وسجلات مستقلة عن باقي القضايا بالمحكمة، تحال بالسرعة المطلوبة على الضابطة القضائية،حيث سجلت خلال سنة 2015 ما مجموعه 437 شكاية،وسجلت خلال سنة 2016 ما مجموعه 435.

واستعرض ممثل النيابة العامة أهم الإكراهات التي تواجه الخلية في قضايا العنف ضد النساء،وأهمها إثبات واقعة العنف،وأكد على أن المحكمة لا تعتمد على أداء اليمين في القضايا الزجرية،وتبقى شهادة الأبناء و الجيران ووقائع المشادات الكلامية و إقرار الطرفين بنشوب النزاع..الخ،أهم الوسائل لبناء قناعة القاضي.ولم يُخف القاضي في ذات السياق صعوبة تنفيذ أمر إعادة الزوجة المُعنّفة الى بيت الزوجية لما يرافق العملية من مخاطر في تفاقم الوضع أو ارتكاب أفعال جرمية أفضع،وكإجراء إحترازي حسب قناعة المحكمة تأمر بإيداع الزوج تحت الحراسة النظرية في بعض الأحوال الصعبة.

وختم رئيس خلية التكفل بالمرأة و الطفل عرضه،بالتأكيد على أن كل المؤشرات تدل على أن المغرب عازم على التصدي لظاهرة العنف ضد النساء،في وقت يجب فيه على المجتمع المدني القيام بدوره في جعل موضوع صون كرامة المرأة محل تحسيس و إيلائها العناية الكاملة في أنشطته الإشعاعية والميدانية.

هذا،وتميزت الندوة بسيل من المداخلات من طرف الحاضرين،لامست من خلالها المواضيع المناقشة من زوايا متعددة و أعطت الإنطباع على تفاعل وترسخ مجموعة من الأفكار والمفاهيم لديهم،مما يدعو الى تكثيف مثل هذه اللقاءات و الندوات التي تجعل المحكمة متفاعلة مع محيطها وتجعل المواطن و المواطنة في لقاء مباشر مع القاضي و مساعديه في جو بعيد عن أجواء التقاضي.

 ذ.حسن مرزو يستعرض أهم ما جاء في مداخلته و التي كانت تحت عنوان” ملاءمة التشريعات الوطنية مع الإتفاقيات الدولية”:

 لمتابعة جميع الصور المرجو الضغظ على الرابط اسفله:

صور الندوة هنا

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى