السيتي

قراءة في الثقافة الحزبية السائدة

لعل المتتبع للممارسة السياسية بالمغرب ،خصوصا مسار اﻷحزاب التاريخية التي أثرت في تاريخ المغرب السياسي وأسهمت في اتساع دائرة الوعي الثقافي والاجتماعي والنقابي لدى شرائح اجتماعية مهمة من خلال الأوراش التنظيمية وأشكال الانخراط الشامل في حركية المجتمع للدفاع عن المشروع السياسي الذي من شأنه الارتقاء بمستويات العيش الكريم والطموح لبناء دولة المؤسسات…، يقف مشدوها أمام تراجع مستوى أخلاقيات الممارسة السياسية التي كانت إلى وقت قريب مساهمة في إنتاج وصناعة النخب ومجالا خصبا للسجال الفكري والإديولوجي الحقيقي الذي أتاح لنا قراءة افتتاحيات نارية جسدتها أقلام مضيئة همها توزيع الكلمات الدلالية ونشر ثقافة سياسية واعية.

كان مثقف الحزب يسائل العقل ويسهم في إغناء النقاش بمرجعية فكرية واضحة المعالم، ، مما يساعد على زيادة صبيب التمثلات ويرفع من شأن مخيالك لترتيب الأفكار و السمو بها لتجعل منك منخرطا فعالا ومناضلا تواقا للتغيير .

لن أنسى نافذة عبد الرفيع الجواهري التي علمتني ممارسة الجلد والنقد بين أجنحة كلمات تهيم بك وتمارس عليك طقوس السحر لتجبرك على ترديدها باستمرار.

لن أنسى تلك العين العاقلة للأشعري التي كانت ترسل الرسائل المشفرة في زمن التضييق والمواجهة.

لن أنسى إسهامات العروي والجابري وجسوس الفكرية بين ثنايا الجريدة الحزبية التي كانت تلبي شغفنا للقراءة وترسم بزخمها طريقنا لإستلهام قيم الحب والتسامح والجمال وتطوير وعينا السياسي في انتظار تساقط أمطار التغيير.

ربما توارى المثقف الحزبي بعيدا، لأن المشهد السياسي أصبح غريبا بعناوينه الكبرى وصوره القاتمة ويعج بالانتهازيين الذين يتحينون الفرص ويتصيدونها باسم المبادئ وتحت الشعارات الكبرى وصور الشهداء للتنافس على المناصب القيادية والامتيازات المعجونة بالريع.

عندما تغيب القدرة على صيانة الذاكرة الحزبية من خلال استحضار أهم المحطات المسيجة بمستويات التنظير اللائقة والحافلة ببصمات رجال من طينة الكبار الذين ساهموا في تركيز أخلاقيات ثقافية وسياسية انطلاقا من إيمانهم الراسخ بقيمة الصياغة الفكرية لتحفيز الاداة الحزبية. ..لا يمكن لك أن تستغرب الآن أمام هذا الاندحار والتراجع على مستوى الصناعة الفكرية الحزبية التي لا تطرح أو تقدم البدائل الخاصة بالمشروع المجتمعي ، بل هي تخوض غمار خطابات سياسية هجينة منصبة على الأشخاص بدل مساءلة السياسات العمومية والبرامج والاختيارات.

الثقافة الحزبية المتداولة تعيش على الكلام الفضفاض وتغرف من وعاء رخيص مبتذل عنوانه السب والشتم واﻷلفاظ النابية .

الثقافة الحزبية الآن تحركها الحسابات الشخصية والمزاجية و إشهار البطاقة الحمراء في وجه مخالفي الرأي الذين ملوا الجلوس على كراسي الاحتياط.

الثقافة الحزبية في زمن التردي و أزمة الممارسة السياسية تبرر فشلها بخطاب المؤامرة وتتفاوض تحت جنح الظلام لاقتسام الكعكة والتحالف مع الشيطان لدخول القبة و البرلمان.

لا يمكن العزف على وتر المشروعية التاريخية في المؤتمرات والمحطات لاسترداد الهوية.

ينبغي وضع آليات للفهم العميق وتوسيع رقعة تدبير الاختلاف والنقاش الهادف في مجال أزمة الثقافة الحزبية بترو وهدوء وجلد للذات لتبيان مناحي اﻷزمة ومحاولة

إيجاد الحلول المناسبة لاسترجاع هوية الثقافة الحزبية الحقيقية.
دمتم للعمل والعطاء.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى