جرسيف : بلاد هوارة بين اتساع المجال وتباين الموارد المائية

تُجْمِع أبحاث التَّعَرف التي أنجزت حول المغرب، وحول مناطقه الشرقية تحديدا ملوية الوسطى، سواء قبل أو بعد فرض الحماية الفرنسية عليه. على أن مجال قبيلة هوارة بقدر ما هو بموقع فاصل انتقالي بين شرق البلاد وغربها، بقدر ما هو واسع وممتد ومتنوع في بنيته ومشاهده ومعطياته وموارده البيئية. مجال يمتد بين الضفة اليسرى لملوية على طول حوالي أربعين كلم، تحديدا بين قصبة شلوفة cheloufa الى ساقية ولاد مدهي medhi. ومن جهة الشمال يحد بطيات وثنيات منحدرة وعرة هي جزء من جبال الريف، ومن الغرب هناك هضاب مغطاة بالأحجار تتجه صوب مرتفعات الأطلس المتوسط، عبد وادي مللو ثم سيدي مبارك والصفصفات، في اتجاه الغرب تمتد بلاد قبيلة هوارة الى غاية ما يُعرف محليا بباب تيمالو ووادي بولجراف. حول هذه البلاد الممتدة مجاليا والمغطاة برواسب بحرية ذات تكوين جيولوجي حديث/ زمن رابع، نجد جبالا محيطة منها جبال بني بويحي beni bouyahi ومطالسة والأطلس المتوسط. الى الغرب منها تحديدا بين تازكة ومرتفعات البرانس، ينفتح ممر يُعرف بممر تازة.
وتتعد المعطيات الفاصلة المكونة لبنية مجال وسهل قبيلة هوارة، منها تلالين يمتدان من الشمال الى الجنوب هما درع بومخارج draa bou m’khreg، الذي يمتد عبر بشكل موازي مع وادي ملوية بحوالي أربعة عشرة كلم، غرب جبل كلسي بطول حوالي عشرة كلم، وهو بمثابة رأس شاهد مرتبط جيولوجيا بهضاب مغطاة بأحجار “دزيرة”، أين يقطع واد مللو مجالا بممرات عميقة تم حفرها على امتداد فترة طويلة من الزمن. وتتقاسم بلاد هوارة الممتدة بالمغرب الشرقي شبكة هيدرولوجية هامة يُعتمد عليها في السقي، تضم واد ملوية ومللو وامسون وبولجراف.
فوادي ملوية الذي يقطع المنطقة على مسافة حوالي أربعين كلم، يتسع بحوالي خمسين مترا ويتميز بجريان سريع ومياه صافية، من حيث عمقه لا يتجاوز المترين ومن حيث نظامه هو شديد التقلب capricieux . خلال فصل الخريف(أكتوبر) والى غاية نهاية الشتاء(مارس)، يتميز بجريانه القوي وحفره لجنباته الطينية، متى يعمل على ترسيب حمولاته من المواد على أطرافه ومنعطفاته. خلال هذه الفترة يكون وادي ملوية غير قابل للعبور حيث تضطر قطعان الماشية للتوقف بعض الوقت الى حين تراجع منسوب المياه. ومن شهر أبريل الى غاية شهر أكتوبر كل المعابر gués تكون سهلة وجيدة، كم بالنسبة لمقطع شلوفة وسيدي بن جعفر وجرسيف ومرادة (طريق السلطان) وسيدي عبد الله صباغي. وكانت أول قنطرة خشبية تلك التي أقامتها فرقة الهندسة العسكرية التابعة للقوات الفرنسية، في منطقة مرادة بطول حوالي ثلاثمائة متر.
بالنسبة لوادي مللو Mlelou فهو ينبع من جبال بني وراين تحديدا من زاوية سيدي مبارك، وابتداء من هذه المنطقة والى غاية مقطع عميق في درع بو مخارج يضع واد مللو حدا بين بلاد هوارة وبلاد بني وراين. وعلى امتداد حوالي خمسة عشرة كلم من مجراه انطلاقا من درع بومخارج الى غاية جرسيف اين يلتقي بوادي ملوية، يجري واد مللو وينتمي لبلاد هوارة ضمن مجال بيئي يتميز بغطاء نباتي ضعيف. وفيما يتعلق بواد امسون الذي يأتي من الشمال، فهو يقسم الجزء الجنوبي لجبال الريف الى قسمين، تاركا جبال مطالسة وبني بويحي شرقا ضمن وضع معزول، مع أهمية الاشارة الى أن منابعه قريبة من منابع واد كرت. والى حدود قصبة أمسون يجرى هذا الواد من الشمال الى الجنوب، وعند هذه النقطة يتحول فجأة الى الشرق حيث يجري في سهوب بلاد هوارة على امتداد حوالي خمسين كلم.
وواد امسون من حيث خاصياته مخالف تماما لوادي ملوية ومللو، فهو يأتي من منطقة بارتفاعات وعرة ومن مجال تطبعه تأثيرات متوسطية. وهو بمياهه الضعيفة يمتد على مساحة واسعة قرب منطقة مرادة ، كما أن المنطقة التي تتشكل منها منابع مياه واد امسون تتأثر بما يوجد بها من مكونات معدنية، فواد بوسعاب bousouab يتميز بملوحته الشديدة، وعلى امتداد واد امسون هناك تلال بمكامن ضخمة من مادة كلورور سوديوم، وعليه فمياهه هي بنسبة عالية من مادة المانيزيوم. خلال فصل الصيف ونظرا لعامل التبخر تصبح المياه غير قابلة للشرب، وعليه، يضطر السكان لحفر آبار قرب الوادي من أجل توفي مياه أقل ملوحة وقابلة للاستهلاك. أما بالنسبة لواد بولجراف فهو ينبع من منطقة بين جبال غياتة ومرتفع معزول يُعرف ب: أوريرت aouirerth. متجها الى منطقة الشبكة chebka في اتجاه الشمال الشرقي، قبل أن يتجه عبر تلال كًوربيس ودرع سيدي سعادة الى ممر تازة. في أعاليه يستقبل واد بولجراف مياه أودية صغيرة منها واد أغبال وواد بوشيخ، وهو بناء على تسميته يجري بين جبلين عبر عدة ممرات عميقة وأجراف، تبقى الاشارة الى أن تأثير الوضع المائي ببلاد هوارة، هو ما دفع السلطان المولى اسماعيل لبناء صهريج مائي ضخم بين منطقتي مرادة وامسون.
*باحث في التاريخ



