السيتي

الشقاق وجارنا الشقيق – إدريس شحتان

 إدريس شحتان*

بين تاريخ استقلال الجزائر سنة 1962 وسنة 2013، تكون قد مرت على الصراع الجزائري – المغربي ما يزيد عن نصف قرن من الزمن، وهي “حقبة زمنية” شهدت فيها العلاقات الثنائية بين البلدين كثيراً من الشد والجذب، حتى أضحى التواصل بينهما استثناء، والاختلاف والاحتقان خبزاً يوميا على مائدة الإخوة الأشقاء.

تاريخيا – أي حوالي نصف قرن من الزمن – ظلت الجارة الشقيقة تنظر إلى المغرب كشبح يتأهب لابتلاعها، أو ككائن أسطوري قادر على أن يفعل ما يشاءوقت ما يشاء، حتى تظل أرض المليون شهيد بدون هوية أو عنوان تاريخي تعود إليه بنوع من النوستالجيا عند المطبات.. والحال أن ذات التاريخ يحتفظ للمملكة بنبل رموزها، وبياض أياديها التي ما تزال لمساتها حاضرة في زمن الكفاح الجزائري ضد المستعمر، وحتى بعد استقلالها..

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أطال الله في عمر ولايته الرئاسية، يتذكر جيداً، كيف كان المغرب المستقل يخصم من ميزانيته الهزيلة لدعم كفاح الشعب الجزائري بالسلاح والأموال حتى لا تظل أرضه مجرد ولاية تابعة للأيالة الفرنسية، ويعرف قبل غيره، أن مملكة الراحل محمد الخامس أفرشت للنخبة الجزائرية الطريق بالورود حتى يمارسوا العمل السياسي ويكملوا تكوينهم الأكاديمي، بل وحتى توظيف بعضهم في الإدارات المغربية لتدبير معيشهم اليومي.. والأدهى من كل ذلك، يدرك بوتفليقة جيداً، أن هناك في الطرف الآخر، مملكة وليست إمبراطورية، وأن في إمكانها آنذاك (ستينيات القرن الماضي) أن تطبق “شرع يديها” وترسم حدودها التاريخية مع الجارة الشقيقة، بل وتسترجع أراضيها المغتصبة كاملة من ولاية بشار إلى القنادسة وتندوف دون عناء، لكن وحتى لا يقال إن المملكة استغلت ضعف جارتها المنتشية وقتذاك باستقلالهابعد استعمار دام 131 سنة – أجل الراحل محمد الخامس فتح نقاش الحدود حتى تستعيد الجارة عافيتها.. لكن عوض أن يبادر النافذون في الجزائر إلى تحصين علاقات الجوار بين البلدين، بادروا إلى توجيه طعنات غادرة من الخلف..

توجيه الطعنات للمملكة المغربية أصبح منطقا اعتياديا عند الماسكين بزمام السلطة بقصر المرادية، وتحول في عز الشقاق إلى “فصل” في دستور الجمهورية الشقيقة، بل أصبح أشبه بشُعبة خاصة تُلقن بتأنٍ للجيل الجديد من الضباط بالمؤسسات العسكرية، حتى يضمن السلف – خاصة الكتلة الهرمة من الجنرالات ورجال الاستخبارات – احتياطيا وافرا من الحقد والكراهية للخلف، وهو منطق يسعى من خلاله رجال العسكر إلى صناعة عدو دائم خلف الحدود، يستغلونه عند كل التفاف منهم على مطالب الشعب الجزائري الشقيق. وقد رأينا ذلك من خلال حوادث السير الكثيرة التي وسمت علاقة البلدين، آخرها استفزاز المملكة أثناء مطالبة القصر الرئاسي بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء المغربية بقمة أبوجا” النيجيرية، حتى يصرف انتباه الشعب الجزائري عن خلفيات تمديد الفترة الرئاسية لـ “المنهك” عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة.

الاستقرار السياسي للمملكة، ومشاعر الود التي يحتفظ بها المغاربة للشعب الجزائري يشكلان اليوم “فزاعة” لنظام بوتفليقة، هكذا يقول أغلب المحللين الذين اشتغلوا على النزاع بين الجارين الشقيقين، لذلك، فإن الحل الأنسب الذي يراه بوتفليقة ومن خلفه مؤسسة العسكر و حزب جبهة التحرير الوطني هو ضرب هذا الاستقرار في عمقه، عبر تصدير مشاكلهم الداخلية للمغرب بشكل مكثف ومطرد، وإثارة القلاقل لقطب نواتها المتمثلة في الملكية وإمارة المؤمنينمن هنا حركت الأجهزة الاستخباراتية ترسانتها الإعلامية للتشويش على الاستقرار المغربي، خاصة في الآونة الأخيرة التي ارتفعت فيها وتيرة الإصلاحات السياسية بالمغرب، فبالإضافة إلى محاولة تشويشها على الزيارة الملكية لمالي التي تربطها بالمملكة علاقات وثيقة، وتأكيد عدد من المهتمين تورطها في إصدارها لشريط مطول نسبته لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، يتضمن تهديدا صريحا للملك محمد السادس باعتباره أميرا للمؤمنين، حركت ذات الأجهزة إعلامها (قناة مغمورة تسمى نوميديا) لزرع الفتنة بالمملكة، لكن هذه المرة بتصدير مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للمملكة، وادعائها “بلا حيا ولا حشمة” مرض العاهل المغربي، مع نسجها سيناريو بليد بإخراج سيئ وغبي.. لتزامن هذا الادعاء مع تواجد الملك بإمارة أبو ظبي، قبل أن تنتشر صوره في كل البقاع وهو في كامل أناقته، نشيط، حيوي ويتحرك من قلب عوالم الموضة العالمية.

للأسف، إن النظام الجزائري الذي يرقد على ثروات هائلة، ويبتلع ملايير الدولارات، لم يفلح إلا في إنتاج الكذب والافتراء والتضليل والحقد والكراهية، في محاولة لتقزيم دور المغرب في محيطه الجيوستراتيجي، والتشويش على إمارة المؤمنين التي تجذرت في إفريقيا جنوب الساحل والصحراء، لكنه لم يفلح إلى حدود الآن في نقل هذه المشاعر الخبيثة للشعب الجزائري الشقيق، الذي يعد الخاسر الأكبر من تعنت قادته عن فتح الحدود مع المغرب، بل لم يفلح هذا النظام حتى في استثمار ثرواته من أجل تنمية حقيقية لبلده الغارق في وحل من الفقر.

لقد دأب الدبلوماسيون الجزائريون والمسؤولون بالجارة الشقيقة على إطلاق تصريحات نارية مكثفة ضدا على إرادة الشعب المغربي ووحدته الترابية، لكن بالمقابل ظلت المملكة متشبثة بسياسة دبلوماسية رزينة، عنوانها الأبرز، حسن الجوار واليد الممدودة، وإن كان المنطق يقول: اتق شر من أحسنت إليه.

 *مدير يومة المشعل / 7 نونبر 2013

 

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى