السيتي
المغرب يطعن في حياد تمثيليات دبلوماسية ومنظمات حقوقية دولية

ارتفاع منسوب الوضوح والصراحة اتجاه المنتظم الدولي كان السمة الأوضح في خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى 38لانطلاق المسيرة الخضراء، من حيث الشكل والمضمون ، كان الخطاب دقيقا في توصيف التعامل الذي عانى منه المغرب طيلة سنوات، مع تقارير تنجزها منظمات حقوقية دولية وأجهزة هيآت دبلوماسية ساهمت في خلق مساحات كبيرة من الغموض إزاء قضية الصحراء، خصوصا في الجانب الحقوقي والاجتماعي.
« المغرب، بقدر ما يحرص على التعاون والتفاعل الإيجابي مع المنظمات الحقوقية الدولية، التي تتحلى بالموضوعية في التعامل مع قضاياه، ويتقبل، بكل مسؤولية، النقد البناء، فإنه يرفض أن تتخذ بعض المنظمات، في تقارير جاهزة، بعض التصرفات المعزولة، ذريعة لمحاولة الإساءة لصورته وتبخيس مكاسبه الحقوقية والتنموية»، يقول جلالة الملك، في توصيف صريح لما تواتر من وقائع تأكد مع مرور الوقت أنها كانت مخدومة، تركب جزئيات صغيرة لتعمم أحكامها، وتنهج وسائل غير مهنية في الرصد، بل ولجأت في بعض الأحيان إلى سرد معطيات من دون التوفر على شواهد.
صراحة الخطاب الملكي، جاءت بعد فترة طويلة من انتصاب سؤال عريض، حول مواقف بعض الدول التي تبني مواقفها بالتركيز على تقارير تعد حجر الزاوية في صنع القرار، ويكفي أن نستعرض آخر التقارير التي تم فضح ظروف إنجازها لفهم ضرورة هذه الصراحة.
منذ أن قرر المغرب طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من خلال تجربة فريدة تحكمت فيها خلفية الانتقال الديمقراطي الذي أنجزه المغرب عبر خطوات شجاعة، وولادة آلية الإنصاف والمصالحة، دخل المغرب تجربة استيعاب النقد في أدائه الحقوقي عبر مختلف تراب المملكة، سواء عبر آليات وطنية أبانت عن مصداقيتها، أو عبر فتح أبوابه لآليات دولية تسمح باختبار البعد الكوني لحقوق الإنسان، فكان البلد الأول في المغرب العربي الذي تنظم فوق أرضه لقاءات لمنظمات دولية مشهود لها كأمنيستي ، بل وتقدم من داخله تقارير لا تحابي المغرب في مجال حقوق الإنسان.
هذا الجو الاستثنائي في المغرب كان في عز التحكم البوليسي والاستبدادي الذي كانت تعاني منه دول الجوار قبل مجيء رياح ما سمي بالربيع العربي، وحينها بدا كم كان المغرب مظلوما في تقارير، لم تمنحه حقه في انخراطه الديمقراطي والحقوقي، هذه المكتسبات سمحت للمنظمات الحقوقية بالتحرك في ترابه بسلاسة، بل وتم استعمال مسلكيات استفزازية في بعض الأحيان لدخول أراضيه، كما حدث مع فاعلين إسبان بالأقاليم الجنوبية.
النعمة الحقوقية التي جاهد المغاربة لرعايتها وتطويرها، حولتها سلوكات فردية وجماعية إلى نقمة عانى منها المغرب طويلا، وتحول اندفاع أفراد يعتنقون أطروحة الانفصال إلى وظيفة يومية في تشويه الحقائق، من خلال استعمال العنف ضد الأفراد والمؤسسات، لفبركة مشاهد مبتورة عن السياق، واحتراف التشكي والبكاء على منظمات حقوقية لا تكلف نفسها عناء التحقق من الوقائع، بل وتحولت مواقفها إلى أحكام نمطية تصور المغرب كسجن كبير.
حادث مخيم اكديم إيزيك كان لحظة امتحان هذه التقارير، حيث بدت العديد من المنظمات الحقوقية وكأنها طرف معاد للمغرب، تدخل التراب المغربي بشكل مستفز، بل وفي بعض الأحيان بجرعات تجسس عسكري، بل إن عددا من الهيآت الدبلوماسية دبجت تقارير نمطت الموقف الرسمي لدولها، دون توافر حد أدنى من الحياد في وصف ما جرى.
«هل يعقل أن يحترم المغرب حقوق الإنسان في شماله، ويخرقها في جنوبه، فكل الدول ترفض أن تتعرض لأعمال تمس بالأمن والاستقرار، لأن حقوق الإنسان تتنافى مع العنف والشغب، وترهيب المواطنين. ولأن ممارسة الحريات، لا يمكن أن تتم إلا في إطار الالتزام بالقانون» يقول جلالة الملك مجسدا الاستفهام الاستنكاري الذي طرحه كل المغاربة حين لاحظوا مواقف دول تجعل من قيام أشخاص بعمليات الإحراق والذبح، أعمالا جانبية لتبئر على تدخل للقوات العمومية لفض اعتصام غير قانوني بل وشبه عسكري.
استفهام جلالة الملك يجد صداه حين يتحول وفد من ممثلات عن الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الشيوعي الإسباني وتحالف الخضر والحمر الدانماركي وحزب سيريزا اليوناني،والذي ضم من مريم الدرقاوي، ذات الأصول الجزائرية، وانكليزو إلكتاريتي من اليونان والكزر ماريا كريستينا من إسبانيا، فضلا عن قائدتهن الإسبانية مايتي ملا، إلى خادم لدى انفصاليي الداخل، يتم توظيفه بالتوقيت المحدد لإشعال أعمال تخريب وترهيب من أقلية تحول حياة الأغلبية الساحقة إلى جحيم، وفي الختام تتحول زيارة الوفد إلى ابتسار للأحداث يتم فيها التركيز على تدخل القوات العمومية، وتصويرها بطريقة مغرضة لتأليب الرأي العام والرسمي في بلدانهم.
المغاربة نفد صبرهم مع هذه الألاعيب، ولذلك كان كلام جلالة الملك واضحا في تفسير الواضحات، وكان كلام المغرب مع المنتظم الدولي صريحا في التشريح، يقول جلالة الملك «إن بعض الدول تكتفي بتكليف موظفين بمتابعة الأوضاع في المغرب. غير أن من بينهم، من لهم توجهات معادية لبلادنا، أو متأثرون بأطروحات الخصوم. وهم الذين يشرفون أحيانا، مع الأسف، على إعداد الملفات والتقارير المغلوطة، التي على أساسها يتخذ المسؤولون بعض مواقفهم».
كلام جلالة الملك يمتح مصداقيته من مراجعات بعض الدول لمواقفها التي تحملها تقارير مسؤولين لا يلتزمون بالحياد في الرصد والتوصيف، ويكفي الاستشهاد بآخر تقرير حول تصويت البرلمان الأوروبي، قبل أسبوعين، خلال جلسة عامة،على تقرير حول وضعية حقوق الإنسان بمنطقة الساحل، الذي قدمه عضو البرلمان الأوروبي البريطاني شارلز تانوك، وهو التقرير الذي سبق للمغرب أن خاض معركة حقوقية بشأنه في شهر شتنبر الماضي، قبل أن يتم التصويت على الصيغة النهائية.
التقرير الأصلي كان مشحونا بلغة عدائية ضد المغرب، واستند إلى معطيات صورت المغرب كشيطان، بل إن عددا من المسؤولين غير المحايدين في البرلمان الأوربي ، جعلوا ثلثي التقرير عبارة عن محاكمة للمغرب، لكن بعد معركة دبلوماسية تستند إلى الوقائع، عاد البرلمان الأوربي، لتصحيح هذا المتن الحقود على المغرب، ليصرخ بعدها برلمانيون في وجه زملاء لهم تحولوا إلى أبواق للجزائر وصنيعتها البوليساريو.
عبد الكبير اخشيشن:الاحداث المغربية




