إذاعة فاس قبل 55 سنة عندما بدأ بثها الفعلى بإشراف ملكي

من اشارات الوعي بقيمة ورش اعلام الجهة بالمغرب بعد استقلال البلاد، إنشاء محطة جهوية اذاعية بمدينة فاس.في زمن قياسي بأشراف ملكي من خلال حفل تدشين رسمي،أعطى انطلاقة فعلية للبث. كان ذلك صبيحة الثلاثاء ثاني ذي القعدة ألف وثلاثمائة وثمانين هجرية،الموافق للثامن عشر من شهر ابريل،ألف وتسعمائة وواحد وستين ميلادية. جاء ذلك في اطار أول زيارة ملكية لفاس بعد تولية العرش. وكانت هذه المدينة على عادتها وكما اوردت ذلك عدة يوميات عربية وفرنسية آنذاك. قد افردت لهذه الزيارة استقبالا حماسيا واسعا،مساء الخامس عشر ابريل امن نفس السنة. ولعل من القطاعات التي كانت تشغل بال الحكومة المغربية،مع بداية ستينيات القرن الماضي. توسيع وعاء الاعلام السمعي لما كان يوجد عليه المذياع، من قوة نفود سلطة في توجيه الرأي العام. كمتغير تقني كوني جديد/جاذب آنذاك، واكثر حضورا وتداولا في الانشغالات الفنية/الفكرية والخبرية. كان رهان الحكومة المغربية في ظل هذه الاهتمامات، انشاء اذاعات جهوية، وتحقيق مشروع تلفزة مغربية في سباق مع الزمن، لجعل المغرب ثاني بلد عربي يحققرهانا، كان البعض يفضل تسميته بالمعجزة.
ويبقى من المهم الوقوف على بعض مسارات المغرب الحديث،وعلى بعض انجازاته في زمن الاستقلال.بحكم طبيعة فترة الستينات من حيث طموحاتها في التغيير/البناء، ومن حيث كونها شكلت مرحلة انتقال بدرجة عالية من الأهمية على عدة مستويات. فإلى جانب رهان إعادة توجيه الأمور وفق الاختيارات الوطنية، كانت هناك رغبة التدبير القوية وفق المقاربة المغربية المحضة، بعد حوالي نصف قرن من زمن حرج للحماية.وسعيا من قطاع البريد بالمغرب آنذاك، للانتقال بهذه الاحلام الوطنية الكبرى. الى انجازات على ارض الواقع،في افق طبعا تعميم الثقافة والمعرفة وغيرها من الخدمات،التي يمكن ان يسهم بها المذياع ومعه الشاشة الصغيرة.اقدمت الحكومة المغربية على شراء محطة التلفزة بالدار البيضاء،بكل مرافقها وبكلفة مالية إجمالية بلغت آنذاك مائة مليون فرنك.والمسألة هنا بقدر ما كانت تعني درجة الانشغال بهذا الملف الاستراتيجي سياسيا واجتماعيا،بقدر ما كانت تعكس رغبة الانفتاح والانخراط في جميع ماهو حديث وموجه للحياة الجديدة. هذه الأخيرة التي تحول فيها الاعلام سواء عبرالصوت أوالصورةآنذاك، الى أداة أساسية مؤثثة للاهتمامات المجتمعة.في هذا السياق من مغرب مابعد الاستقلال،تحديدا بداية الستينيات من القرن الماضي،الفترة التي يتفق الجميع على أنها كانت فترة وعود ومواعد وطموحات وطنية عميقة على كل المستويات، خاصة بعد صدورظهير1958للحريات العامة،جاء مشروع إحداث المحطة الجهوية لإذاعة فاس،تجاوبا مع مكانة المدينة من الوجهة الحضارية والفكرية. واستجابة لما كانت توجد عليه هذه الأخيرة من إشعاع، يضرب به المثل في الفكر والفنون والثقافة وغيرها،هذا اضافة الى ما تعنيه هذه الالتفاتة/إنشاء اذاعة جهوية بهامن رمزية وطنية.
ومن جميل الاعتبار لفائدة مدينة كان لها وقعها وموقعها في الحركة الوطنية، من خلال إسهامات واسعة انفردت بها على عدة مستويات، بما في ذلك اسهامات الصحافة المكتوبة ذات البعد الوطني منذ ثلاثينات القرن الماضي،ومن خلال كذلك مبادرات ومحطات فاصلة ومؤثرة سياسيا،هذا اضافة الى حجم تضحيات شأنها في ذلك شأن الجهات الأخرى من البلاد.
من جميل الاعتبار لهذه المدينة كان حدث انشاء اذاعة جهوية بفاس،كإشارة قوية لقيمة الاعلام الجهوي بالمغرب. حدث وانجاز كان قد أشرف عليه رسميا الراحل الحسن الثاني، من خلال حفل تدشين انطلاق فعلي للبث.صبيحة الثلاثاء ثاني ذي القعدة ألف وثلاثمائة وثمانين هجرية الموافق للثامن عشر من شهر أبريل ألف وتسعمائة وواحد وستين ميلادية.وذلك في اطار أول زيارة ملكية رسمية لفاس، بعدما كان قد توجه بأول زيارة له بعد توليته العرش، الى مدينة الدارالبيضاء. وفاس على عادتها كما اوردت ذلك عدة يوميات بالعربية والفرنسية، افردت لهذه الزيارة استقبالا حماسيا واسعا،مساء الخامس عشر أبريل الف وتسعمائة وواحد وستين.يومية”العلم” كانت اوردت بالمناسبة مقالا بعنوان”في الزيارة الملكية الى فاس”اشارت فيه الى ان المدينة على موعد مع جملة مشاريع هامة، وأن بعض الأوراش سيكون لها طابع ثقافي علمي واجتماعي. أما جريدة”التحرير” اليومية التي كان يرأس تحريرها آنذاك ذ.عبد الرحمان اليوسفي، أوردت مقالا في صفحتها الأولى،تمت الاشارة فيه لبعض أجواء الرحلة الملكية من الرباط الى فاس،والى مستوى ما لقيه جلالة الملك من ترحيب عند وصولهلفاس،من خلال مشهد اطلاق المدافع لإحدى وعشرين طلقة.نفس الجريدة وفي مقال آخر يتعلق بمشروع اذاعة فاس ضمن برنامج الزيارة،أوردت خبرتدشين الملك برفقة وزير البريد ومدير الإذاعة الوطنية، مركز الاذاعة المحلية بفاس.
أما أسبوعية “الشعب”التي كانت تصدر من طنجة، فقد أوردت مقالا تمت الاشارة فيه الى عدة أوراش،تخص العاصمة العلمية فاس منها الاذاعة الجهوية. جريدة” الفجر” التي كانت تصدر من الرباط خصصت بدورها عدة مقالات في اطار تغطيتها للرحلة،مستحضرة حدث انشاء اذاعة جهوية بفاس، ففي مقال لها أوردت “وبعد أن ودع جلالة الملك مقر الجامعة الجديد، اتجه نحو البناية الجديدة للإذاعة المحلية، وقد استقبل من طرف وزير البريد والبرق والتليفون.ووزير الأنباء والسياحة ومدير الاذاعة الوطنية، وبعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم والإنصات لمختلف الأجواق الاندلسية العصرية والملحون،غادر صاحب الجلالة مركز الاذاعة الجديد، بنفس ما استقبل به من حفاوة وترحاب”.
ومن الجرائد الفرنسية التي كانت لسان حال المعمرين منذ فرض الحماية على المغرب،التي استمرت في الصدور لعدة سنوات بعد الاستقلال. أوردت la vigie marocaine مقالا في صفحتها الاولى،ابرزت فيه القيمة المضافة لحدث انشاء اذاعة جهوية لفاس،ضمن رهانات انمائية محلية وسياسة ولا مركزية في مغرب ما بعد الاستقلال. مقال استحضر الإشراف الملكي على عملية التدشين الرسمية. نفس اليومية الفرنسية اوردت حول تدشين الاذاعة الجهوية، ان من الشخصيات الحكومية والمسؤولة عن قطاع الاعلام التي كانت في الاستقبال، هناك وزير البريد السيد الشرقاوي،وزيرالاعلام والسياحة السيد احمد العلوي،المدير العام للإذاعة المغربية السيد محمد المختارولد البا،ثم المهندس الرئيسي المسؤول بالإذاعة السيد عبد الحق بن كيران.جريدة”le petit marocain“التي تدخل ضمن التجارب الصحفية الاولى المكتوبة بالمغرب على عهد الحماية، سنوات العشرينات من القرن الماضي،اثناء الزيارة الملكية الرسمية الاولى لفاس خصصت هذه اليومية الفرنسية تغطيات للزيارة الملكية مستحضرة مشاريعها بتفصيل.فيما يتعلق بحدث انشاء الاذاعة الجهوية لفاس اوردت مقالا بعنوان” une station d’émission de r.d.m inaugurée par s.m. Le roi“.
ومن خلال هذا العنوان”Première émission de Radio Fès “تحدثت الجريدة في عدد آخر عن أجواء استقبال جلالة الملك اثناء تدشين الاذاعة،حيث تم استقباله بباقات ورود وثمر وحليب،وبترحيب كبير في قلب الاذاعة على ايقاع الطرب الاندلسي، وكورال جمعية الانبعاث،حيث تم اعطاء انطلاقة رسمية للبث، بالضغط على زر التشغيل.حدث اعلامي جهوي كبير بفاس استحضرته الجريدة نفسها في عدد آخر من خلال صورة على صفحتها الاولى، يظهر فيها جلالة الملك وهو يحرك الزر الخاص بجهاز الارسال الاذاعي/émetteur. وفي اطار دائما تاريخ وحدث انشاء الاذاعة الجهوية لفاس من اليوميات المكتوبة الناطقة بالفرنسية والتي واكبت العملية نتوقف عند جريدة”l’écho du Maroc “التي ملأت تقريبا كل زمن الحماية، بل امتدت الى سنوات الستينات من القرن الماضي،فيما يتعلق بحدث فاس وانشاء اذاعة جهوية به. فقد استحضرته مشاريع هامة بالعاصمة العلمية للمغرب، من جملتها اذاعة جهوية.
كان بودنا ان نضيف مزيدا من عناوين الصحافة المكتوبة، اليومية منها والأسبوعية والنصف شهرية، التي واكبت الحدث. لإبراز درجة عناية الاعلام بالإعلام والاعلام بإذاعة فاس، التي تمكنت من بلوغ خمسة وخمسين سنة من الاشتغال، فكانت وراء مجد اعلامي سمعي جهوي، يشهد به وله كبار المثقفين والاعلاميين المغاربة، كبار الاسماء في مجالي الابداع والفن الأصيل منه والحديث. وتكفي الاشارة فقط الى ان معظم الذين اثثوا الزمن الذهبي للأغنية المغربية خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت مدرستهم الأولى دار اذاعة فاس الجهوية.التي كان لها فضل اكتشاف مواهب كثير منهم وابرازهم بتعبيد الطريق لهم. ويكفي الوقوف على ما تحتويه خزانتها الفنية وأرشيفها، من تسجيلات نادرة لأجمل وأروع ما أغنى به السلف الخزانة المغربية، في مجال الطرب والغناء بكل الوانه واصنافه.فدامت اذاعة فاس متألقة شامخة كعادتها، منذ أزيد من نصف قرن من زمنها وحياتها المفعمة بالحيوية، بفضل ما تحتويه من تراكمات وتجارب وخبرات وكفاءات اعلامية، تستحق تقديرا متفردا ومعه وقفة إجلال و إكبار.



