السيتي

أعالي جرسيف : نماذج من قضايا مياه السقي أمام عمل الأحكام العرفية

بعد كل ما ورد في فقرة اولى من هذه الورقة، التي خصصناها لمسألة الماء ببركين حيث آيت وراين الشرقية، هذه المادة التي كانت دائما في زمن و ذهنية الساكنة هاجسا أساسيا وجوهريا. من المهم الاشارة الى أن استعمال مياه الآبار بالمنطقة ظل ضعيفا جدا، وما يتم اعتماده في سقي الزراعات وغراسة الأشجار المثمرة، مصدره الوحيد هو الأودية والعيون. ومياه الأودية تدخل في اطار ملك عام، فهي لا تشترى ولا تكرى ولا تباع ولا ترهن(nantie)، فكل واحد من أهل البلد له حق الانتفاع وحق الاستفادة مجانا منها، اذا تمكن بعمله من نقلها وايصالها الى حقله. وأن امتلاك حق التملك ونقل هذا الحق، يتبع عموما مصير الأراضي المسقية. فاذا ما قام أحد ببيع أرض مسقية، فان المشتري يأخذ معها قنوات السقي الخاصة بالأرض ويعمل على حيازتها.

وفي عقود البيع والارث (successions)  وتقسيم الارث، تتم الاشارة الى امكانية السقي الخاص بالأراضي المنقولة. كما أن مالك أرض مسقية ما بواسطة ساقية قادمة من واد ما، يفقد حقوقه في السقي اذا تخلى عنها أو لم يقم بأعدادها وحمايتها. ومن هنا فحق استفادة من مياه مصدرها واد ما، ليس حقا قارا ومحددا. فهو مرتبط بالعمل على استعمالها والعناية بها وتتبعها منذ بدايتها عند خروجها من مجراها الأصل.[1]  وحول مسألة السقي ومياه السقي القادمة من الأودية، كانت هناك بالمحاكم العرفية، عددا من القضايا ذات الصلة. التي تهم حماية المياه من الفيضانات، وأخرى تتعلق بممرات السواقي في أراضي الغير، كذا قضايا تهم تغيير اتجاه السواقي والاعتراضات حول تملك المياه (contestation).

وقد ارتأينا ابراز نماذج من أحكام صادرة عن محاكم عرفية بمنطقة بركين عند احداثها. ففي حكم بتاريخ2فبراير1930 ورد أن مشتكيا كان يملك ساقية في “تبرت” tabbert ، تطلب حفرها عملا مدته شهر ونصف. وأن هذه الساقية تسقي حقل المشتكي تم تذهب لسقي حقول وأجزاء أخرى، في ملكية ستة أفراد آخرين. وعليه فان المشتكي تقدم بشكاية من أجل مطالبة مستفيدين من المياه، بتعويض عن عمل قام به. ولبلورة قرار حكم في النازلة، تنقلت الجماعة الى عين المكان لتقييم التكلفة، التي حددتها في خمسون ريالا لفائدة المشتكي، قدر تم توزيع أداءه على المستفيدين الستة. [2] ووفي حكم آخر بتاريخ 3 شتنبر1934، ورد أن مستفيدين من عملية سقي أراضيهم يعتمدون على ساقية، وهذه الأخيرة قام مشتكيا بترميمها واصلاحها لوحده وعليه فهو يطالب بتعويض التعب. شكاية كانت وجهة  نظر المستفيدين حولها وردا عليها، أن المشتكي قام بأعمال ترميم إنما دون استشارتهم، وأكثر من ذلك هذه ساقية غير مهمة لسقي أراضيهم. من أجل قرار حول هذا النزاع المائي، انتقلت جماعة المحكمة الى عين المكان. فتبين لها أن أراضي المستفيدين لا يمكن أن تسقى، إلا عبر هذه الساقية التي رممها المشتكي والذي يطلب تعويضا عن أتعابه. وأن عملية الترميم احتاجت لأعمال هامة تم تقويمها من قبل المحكمة. وأن المشتكي لا حق له في الاعتراض على جيرانه. لأن الماء عندما يغادر حدود ضيعته لا يدخل ضمن ممتلكاته نهائيا، وأن الماء الذي انتقل من ضيعته تم استعماله.[3]

وفي حكم آخر حول نفس النزاعات ذات العلاقة بالمياه بتاريخ 13 اكتوبر1930 ، ورد في شكاية أحد أبناء المنطقة. أنه قام بأعمال هامة من أجل حماية ضيعته من فيضانات الواد، وبذلك حماية حتى أراضي جيرانه الذين يرفضون أي تعويض عن العمل. شكاية رد عليها المعنيون بها أنهم لم يحددوا أي ثمن للقيام بهذا العمل، وأنهم لا يعرفون الواجب أداؤه. نزاع دفع ثلاثة أفراد من الجماعة بمعاينة المكان، من أجل تقييم وتقسيم تكلفة التعب. مع اشارة وردت في الحكم حول تقدير العرف الخاص بالعمل المنجز، من طرف فرد لفائدة جماعة، رغم أن من قام بالعمل لم يفكر سوى في ضيعته وملكيته الخاصة.[4]  وفي شكاية أخرى بتاريخ 5مارس1934، دائما عن محكمة منطقة بركين بأعالي جرسيف على عهد الحماية الفرنسية بالمغرب. اشتكى أحد الأفراد من أن أحد جيرانه قام بتحويل وتغيير اتجاه مياه خاصة بساقية، ما تسبب على اثر فيضان واد في إغراق ضيعته. وعليه طالب من خلال شكايته بارجاع حياة الساقية كما كانت لتجري وتتبع مجراها العادي. المشتكى به أنكر وقال بأنه لم يغير مجرى الساقية القادمة من الواد، بل قام فقط بأعمال لحماية ضيعته من الفيضانات. وضعية انتقل على اثرها شخصان عن المكمة بزيارة لعين المكان، حيث وضعا رسما جديدا للساقية بما ينصف الطرفان. وفي اكتوبر1933 وردت شكاية بشخص قيل فيها أنه استغل فيضان واد مللو الذي غير مجرى المياه، ويعترض على امتلاك ارض لم يتم بيع منها الا جزء فقط وأن هناك شهود. شكاية قال حولها المشتكى به أنه اشترى كل شيء قبل هذه المحاكمة، وأن لديه عقد يثبت ذلك. إشكال ترابي ومائي دفع الجماعة للانتقال الى عين المكان، من أجل إثبات مدى تطابق الحدود مع ما هو موجود في عقد البيع، كما تقرر الاستماع الى شهود لم يتمكن المشتكي بإحضارهم، ما جعل الجماعة تسقط بالتقادم ملكية المشتكي للأرض وبالتالي رفض الدعوى.[5]

وفي شكاية بتاريخ يوليوز1934 جاء عند أحد المشتكين، إن واد مللو غطى أرضا تركها لي والدي وأنه على اثر هذا الفيضان قام المشتكى به بإخضاع هذه الارض، وعليه فهو يطلب العدالة. شكاية قال حولها المشتكى به أنه لا يستغل سوى أرضا توجد في ملكيته الخاصة، وبما أنه ليست هناك أية عقود إثبات للملكية، توجه فردان عن محكمة بركين الى عين المكان، قاما برسم حدود جديدة لقطع أرضية في مصلحة الطرفان[6]. نماذج من مئات أشكال النزاع حول الماء والسقي بالمنطقة، تعكس سبل التدبير العرفي للمسألة من جهة، وطبيعة الاهتمامات والانشغالات كذا دهنية الأهالي في علاقتها بالماء كهاجس جوهري من أجل العيس والتعايش بالمنطقة.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى