تازة: النزاع العمالي بشركة مطاحن تازة..اعتصامات،وقفات احتجاجية ومسيرات

غياب الحد الأدنى للأجر ومعه ورقة الأداء، وعدم التصريح بالأيام الفعلية للعمل ومعه اشتغال العمال، لأكثر من اثنا عشرة ساعة يوميا بدون تعويض عن الساعات الاضافية. والى جانب عدم استفادة الشغيلة من منحة الاقدمية، فهم لا يتمتعون بعطلة سنوية مؤدى عنها. واذا كانوا يشتغلون في جل الأعياد الدينية والوطنية بدون تعويض، فهم لا يعرفون معنى وحق عطلة اسبوعية. ومقابل حرمانهم نهائيا من منحة سنوية، تم خنقهم والتضييق عليهم لا لشيء الا لأنهم انتظموا في عمل نقابي كحزام قانوني حماية لحقوقهم. بهذه العبارات/ خروقات في زمن مغرب تحول سياسي وديمقراطي، وحلم مقاولة مواطنة واخلاقيات استثمار ووطنية أرباب وحدات انتاج. بهذه العبارات افتتحت ندوة صحفية أطرها الاتحاد الاقليمي لنقابات تازة، مساء 9 نونبر2015، بمقر الجمعية المغربية لحقوق الانسان، بحضور صحفيين عن عدة منابر اعلامية محلية جهوية ووطنية. ندوة كانت مناسبة لعرض كرونولوجيا نزاع شركة مطاحن تازة مع عمالها، كملف ساخن بات حديث كل المدينة بامتياز منذ عدة أسابيع.
وشركة مطاحن تازة التي تشغل أزيد من ستين عامل وعاملة، عاشت بها الطبقة العاملة ولا تزال، صراعا مريرا مع مشغل حالي على خلفية مطالبتها بحقوق مشروعة، ومنصوص عليها في جميع وثائق ومواثيق مصادق عليها. حول هذه الفئة من العمال بهذه الشركة هناك عمال قدامى مقبلين على تقاعد وهم حوالي عشرة، يستفيدون من حقوق تنص عليها مدونة الشغل. ثم هناك عمال حديثي العهد يعملون بعقد محددة المدة بدون أي حق من الحقوق وعددهم عشرة، وهناك خمسة عشرة عاملا آخر بمهام ادارية وتقنية، أغلبهم هم بدون أية حقوق عمل كاملة. وهناك خمسة عشرة عامل تم تشغيلهم حديثا بهذه المطحنة، لتجاوز النقص على إثر اندلاع النزاع العمالي الحالي مع المشغل. أما المعنيين من العمال بنزاع مرشح للتطور فعددهم اثنا عشرة، كانوا قد التحقوا بعملهم/ بهذه المطحنة ابتداء من سنة 2007، ومنذ هذا التاريخ وهم بدون أدنى ما هو منصوص عليه من حقوق في مدونة منظمة للقطاع. هؤلاء الضعاف بعد تواتر انتهاكات التشغيل وأمام احساسهم بالظلم والحكًرة والتمييز وجميع أشكال التضييق الأخرى، هذا اضافة لعدم زيارة مفتشي التشغيل لمكان الشغل/المطحنة، وتفعيل آليات الردع القانونية التي تحتويها المدونة.
أمام كل هذا الواقع الرهيب ارتأى هؤلاء العمال الالتحاق بعمل نقابي، وتأسيس مكتب نقابي تحت لواء الاتحاد الاقليمي، لتبدأ على اثر هذا كل أشكال التضييق ضدهم. ولتحصل مفاجأة شهر ماي 2015 عندما وردت أجورهم الهزيلة، في حساباتهم البنكية باسم شركة أخرى، غير اسم الشركة الاصل/ مطاحن تازة التي يعملون بها. وهو ما تبين من خلال cnss محليا، الشيء الذي أجج وضع العمال وأغضبهم ودفعهم لاستفسار المشغل حول هذا الاجراء/ التحويل. ليتبين أن الشركة التي تم تحويلهم اليها، هي شركة لنقل البضائع ولا علاقة لها بالمطاحن. ولا تحتوي سوى على ثلاث شاحنات، وممثلها القانوني ليس هو ممثل شركة مطاحن تازة. ومن خلال ما ورد في هذه الندوة الصحفية التي تمحورت حول هذا الاشكال العمالي المحلي، فإن المشغل اعترف بالأمر الواقع وأقر بالتحويل الذي حصل، بل جوابه كان ببساطة هو أن من لم يعجبه الوضع فهذا شأنه. واقع حال كان وراء توجيه مراسلة للمديرية الاقليمية للتشغيل من طرف الاتحاد الاقليمي لنقابات تازة، على اثرها تم ترتيب اجتماع صلح تمهيدي لم يحضره المشغل، بل أقدم هذا الأخير على طرد الكاتب العام للمكتب النقابي ونائبه دفعة واحدة.
وبعد لجوء العمال لتنظيم وقفة احتجاجية لمدة ساعة فقط نهاية شتنبر الماضي أمام مقر العمل/ مطاحن تازة، تم الاقدام على طرد عمال آخرين نقابيين، وتم اعتماد اشكال مضايقات وتعسف على الباقي من العمال داخل الشركة. بل بلغ التعسف درجة مطالبة العمال بالانسحاب من النقابة، وأمام صمود العمال ورفضهم لكل مضايقات المشغل، بادر هذا الأخير بطرد عدد من العمال الآخرين. وأمام الوضع تمت برمجة اجتماع ثان للصلح التمهيدي بمقر المديرية الاقليمية للتشغيل، ومرة أخرى لم يحضر المشغل رغم توصله بالاستدعاء، ورغم اتصال مسؤولي المديرية الإقليمية به لعدة مرات. كلها تعثرات دفعت العمال لخوض اعتصام مفتوح بداية شهر شتنبر الماضي أمام مقر مطاحن تازة، بالمقابل أقدم المشغل بحسب ما تم تداوله في هذه الندوة الصحفية، على تشغيل خمسة عشرة عاملا جديدا بالعقدة المحددة المدة في شركة مطاحن تازة. وفي أفق اشراك كل اطراف المسألة الاجتماعية بما في ذلك السلطات المحلية، تمت مراسلة عامل اقليم تازة في شأن طلب عقد اجتماع لجنة البحث والمصالحة، للبث في هذا النزاع بين العمال المعتصمين والمشغل. اجتماع لم يتم عقده ولا الاستجابة له علما أنه منصوص عليه في مدونة الشغل، هذا رغم عدة لقاءات اجراها المعنيون العمال من خلال نقابتهم، مع رئيس قسم الشؤون العامة بعمالة الاقليم، الذي كان يصر دائما على اعطاءه فرصة الاتصال بالمشغل، من أجل اقناعه بإرجاع العمال المطرودين لعملهم. مماطلات وتسويف دفع العمال لتسطير برنامج نضالي، بدأ بوقفات احتجاجية أمام مقر مديرية التشغيل بتازة، وبعدها وقفة أخرى يوم 15نونبر الجاري أمام عمالة الاقليم، ثم مسيرة احتجاجية من مقر مطاحن تازة الى مقر العمالة تقرر تحديد تاريخها لاحقا.
من المهم الاشارة الى أن عمال مطاحن تازة المطرودين من عملهم، ومن خلال اطارهم النقابي اتحاد نقابات تازة. وجهت عددا من الرسائل الى المدير الاقليمي للتشغيل، حملت واقع اعتداءات متكررة على العمال من قبل مالك مطاحن تازة/المشغل. وتضمنت ضرورة التحرك الفوري من أجل ثني المشغل، عن استمرارية جبروته وإلزامه بالقانون. كما تم توجيه رسالة أخرى الى وزير التشغيل بالرباط، في شأن موضوع الحريات النقابية بشركة مطاحن تازة، في ظل حديث عن تطور الحريات النقابية بالمغرب. رسالة تم فيها رصد واقع حال مؤسف بمطاحن تازة، حيث أشكال القهر والعبودية وغياب ما هو منصوص عليه في مدونة الشغل. بل تمت الاشارة في هذه المراسلة الى أن مديرية التشغيل بتازة متواطئة مع المشغل، وأنها لا تقوم بواجبها في مراقبة مدى تطبيق القانون. مراسلة أخرى الى وزير التشغيل، كان موضوعها طلب تدخل عاجل لما ورد فيها حول الوضع الكارثي لعمال مطاحن تازة، بحيث تمت مطالبة وزير التشغيل بتدخل عاجل لإلزام المشغل باحترام قانون الشغل داخل الشركة، وارجاع العمال المطرودين لعملهم دون قيد أو شرط. ناهيك عن ما تم اصداره محليا من بيانات نقابية حول هذا الاشكال العمالي، قبل التفكير في عقد ندوة صحفية لاطلاع الرأي العام على آخر مستجدات هذا النزاع، الذي يبدو أنه مرشح لمزيد من التصعيد إن لم تحصل هناك تدخلات ناجعة وانقاد ما يمكن إنقاذه خدمة للسلم الاجتماعي.
*إعلامي ومراسل إذاعة فاس الجهوية.




