“الروا”.. تقليد أصيل صديق البيئة مهدد بالانقراض

ارتبط موسم الدراس أو ما يعرف عند قبائل الأطلسين الصغير والكبير بـ”الروا” أو “ارواتن” بمظاهر اجتماعية تمتح أصالتها من التقاليد المغربية، التي تميز هذه العملية الموسمية.
فرغم نزوع العديد من السكان إلى اعتماد الآلات الحديثة في عملية الدراس، لازالت بعض القبائل خصوصا في الأطلسين تحافظ على عملية “الروا” كتقليد تاريخي صديق للبيئة و غير مكلف للسكان ينطوي على مظاهر التعاون والتآزر بين السكان، أو الدواوير المجاورة، في تطبيقات رائعة لـ”التويزة” أو ما يصطلح عليه عند هؤلاء بـ”تِوِيزي”. ورغم تدني كلفته المالية كونه خاليا من أسباب التولوث البيئي فإن الذي يجعل “الروا” صامدا في بعض المناطق كما أكد ذلك فلاحون لـيومية “التجديد” هو صعوبة وصول الآلات العصرية إلى تلك المناطق الجبلية لبعدها ولصعوبة تضاريسها.
رمز “تيويزي”
يقصد بعملية “الروا” عملية الدراس في البيدر (ساحة مهيئة لاحتضان العملية) حيث يتم تحويل محاصيل الزرع إلى غلتي الحبوب والتبن عبر عدة مراحل، ومن أجل ذلك يستعين الفلاح ببهائمه و بهائم غيره من سكان القبيلة أو الدوار للحصول على العدد الكافي من البهائم خاصة من حمير وبغال.
ينطلق موسم ” الروا” شهر يونيو من كل سنة ويستمر إلى غاية شهر غشت، وتنطلق عمليات التويزة مباشرة بعد إعلان الفلاحين تواريخ عمليات الدراس، ويتم تشكيل برنامج تلقائي بين الفلاحين يتعبأ باقي السكان لتنفيده، سواء بتقديم الخدمة المباشرة أو وضع بهائمهم رهن إشارة هؤلاء الفلاحين، وذلك إيمانا منهم بأهمية التآزر.
وخلال هذه الفترة من السنة تعج البيادر بالناس رجالا ونساءا، حيث ينهمك كل واحد منهم في عمله، فترى الأطفال إما يساعدون كبارهم، أو يمرحون ويلعبون بألعابهم اليدوية التقليدية، في حين تتكلف النساء عادة بنقل الحبوب “تومزين” إلى مكان مخصص لتخزينها يسمى “أحانو”.
تنظيم محكم
بعد انتهاء عملية الحصاد، يتم تجميع المحاصيل في البيدر “أَنْرار”، حتى تجف بشكل كامل تحت أشعة الشمس ليسهل درسها واستخلاص الحبوب منها. ومباشرة بعد ذلك يجري ربط الدواب بواسطة حبل، عبارة عن دوائر تلف حول رأسها، وترتب في صف حسب تراتبية معينة، حيث الأولى من اليمين تسمى “افليلييس”، وتكون قوية البنية وغالبا ما تكون بغلا، يمتاز بالسرعة والحيوية ويكون دوره أقوى، فيما الأخير يطلق عليه “بوكجدي” يربط إلى الخشبة التي تتوسط البيدر وتشكل محور عمليات الدراس، ويقوم بدور بسيط وهو التحرك في نفس المكان بشكل دائري على محور خشبي دون جهد كبير، فيتبعه الآخرون، مع الحرص على وضع “كمامة” على فم كل بهيمة لمنعها من أكل المحصول.
يقوم بعملية الدراس وتتبع البهائم فرد من أفراد القبيلة، ملوحا بسوطه لتخويف الحمير ودفعها للسرعة في الإنجاز، والفعالية في الأداء، فيما يتكلف الآخرون بتقليب الدرسة بواسطة آلة “المدرة” من أجل تجويد عملية الدراس أولا ثم لفصل الحبوب عن التبن بعد ذلك.
دور الرياح
تستمر عملية “الروا” وتقليب المحاصيل لأيام قد تطول أو تقصر حسب المحصول، وفعالية العمل، إلى أن تصير الدرسة لينة يسهل فصل حبوبها عن التبن، فتجمع في مكان آخر من البيدر، ليقوم الفلاح بطرح درسة أخرى جديدة إلى أن تنتهي عملية درس جميع المحصول، وطرحه جانبا في انتظار مرحلة أخرى حاسمة من مراحل “الروا” و تسمى بـ”أزوزر”، أو “أكتييل”.
” أزوزر” هي مرحلة تنطلق عادة بعد الزوال، حيث يقوم الرجال بإدخال “المدرة” في كومة التبن، ورفعها في الهواء بخفة وحركات متوالية وسريعة، مع مراعاة اعتدال الرياح، التي تدفع بالتبن بعيدا شيئا ما جهة الجنوب لخفته، بينما تقع الحبوب تقريبا في مكانها وذلك لثقل وزنها. وبالنظر إلى أهمية هذه المرحلة يحدث أحيانا أن تؤجل إلى اليوم الموالي إذا كانت الظروف الجوية غير ملائمة.
نقل الحبوب
بعد انتهاء مرحلة “أزوزر”، يتم تخليص الحبوب من الزوائد والشوائب من أحجار صغيرة وبقايا الأعشاب، وذلك باستعمال مكنسة تقليدية مصنوعة من نباتات شوكية، وهكذا دواليك إلى أن يتم الحصول على الحبوب منفصلة عن التبن، فيقوم صاحب المحصول بجمع حبوبه ووضعها في أكياس مخصصة لذلك على أن يتم نقلها للتخزين داخل مكان يسمى “أحانو” أو “الهري”.
يشارك في عملية نقل الحبوب نحو مكان التخزين أبناء القبيلة في جو من المرح والسرور، بشكل يقوي بينهم العلاقات الاجتماعية، وروح العمل الجماعي، في انتظار صباح اليوم المولي ليلتقي الجميع في بيدر آخر للقيام بنفس العملية وبنفس الروتين الذي غالبا ما يستمر لمدة تفوق أسبوعين.



