السيتي

القانون الجنائي الذي نريد

ضمنت توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، موجهات أساسية تشكل علامات سياسة جنائية جديدة عادلة، منصفة، فعالة ومرتكزة على حقوق الإنسان. ولقد شكل عرض الإصلاحات الدستورية الذي قدمه الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 ، وبشكل خاص ، التوجيه نحو دسترة التوصيات الوجيهة لهيأة الإنصاف والمصالحة، فرصة تاريخية أدت بفضل التراكم الإصلاحي إلى دسترة الضمانات الأساسية لحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة في قانون بلادنا الأساسي لسنة 2011 .
إن هذا المسار التطوري الذي نقف على لحظة فاصلة منه اليوم، تعزز بالتوافق الواسع حول سبل وتوصيات إصلاح منظومة العدالة، بما في ذلك التوجهات الأساسية لسياسة جنائية ولتشريع جنائي مادي ومسطري في مستوى الضمانات الدستورية والالتزامات الاتفاقية لبلادنا، وهو ما اتضح من خلال الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، وكذا من خلال الميثاق الوطني لإصلاح العدالة الناتج عنه .
إن هذه المكاسب وكذا تطور ممارستنا الاتفاقية، والتوصيات والملاحظات الختامية الموجهة إلى بلادنا من طرف الأجهزة الأممية، تتطلب منا اليوم جميعا التفكير الجماعي في طرق إنتاج تشريع جنائي جديد، متكامل يقوم بترصيد هذه المكاسب جميعها. لذ فإن تنظيم ندوة :” المسطرة الجنائية ، القانون الجنائي : رهانات إصلاح ” يندرج في إطار هذا المنطق الذي يتوخى، بفضل الإسهام الوازن المتوقع للخبراء الوطنيين والدوليين، تحقيق هدفين:
* تحديد الرهانات-الأساسية لإصلاح التشريع الجنائي من خلال مسودتي مشروعي القانون الجنائي و المسطرة الجنائية؛
* تحديد التعديلات الرئيسية التي يمكن اقتراحها على مسودتي مشروعي القانون، في أفق سياسة جنائية مرتكزة على حقوق الإنسان.
لأذكر في البداية بجميع ما اقترحه المجلس الوطني لحقوق الانسان في مجال التشريع الجنائي في مذكراته، وآرائه الاستشارية وتقاريره الموضوعاتية ومساهماته في النقاش العمومي، بل لكي أتقاسم معكم ما يمكن تسميته بتطلعنا المشترك الذي ننتظر تحققه من خلال النقاش العمومي والحوار البناء حول مسودتي القانون الجنائي والمسطرة الجنائية، ليس فقط من خلال فصول محددة وإنما انطلاقا من رؤية شمولية لما يمكن ويجب أن يكون عليه تشريع جنائي مرتكز على حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين، وفي إطار دستور تمثل الحقوق والحريات ثلث متنه الإجمالي.
إننا نتطلع إلى قانون جنائي ومسطرة جنائية واقية وحامية ورادعة للتعذيب والاعتقال التعسفي والتمييز والعنف ضد النساء.
إننا نتطلع إلى تشريع جنائي حامي وضامن للحقوق والحريات، لا يقرر العقوبات السالبة للحرية إلا كحل أخير، قانون يوسع عرض العقوبات البديلة، ويضيق هامش الفرق بين الحدين الأقصى والأدنى للعقوبات. يقدم حلا متكاملا لإعادة التأهيل والإدماج والتقليص من حالات العود. تشريع جنائي حام للفئات الهشة من أطفال، نساء ضحايا العنف، أشخاص في وضعية إعاقة، للمهاجرين غير النظاميين، لضحايا الاتجار في البشر ولباقي الفئات الهشة الأخرى.
إننا نتطلع إلى تشريع جنائي قائم على مقاربة عقلانية وغير متوسعة في التجريم، جريء في نزع الطابع الجنائي، عما لم تعد حاجة اجتماعية ولا أساس حقوقي لتجريمه. .
إننا نتطلع إلى مسطرة جنائية قائمة على التوازن الضروري بين تبسيط المساطر القضائية و بين تقوية ضمانات المحاكمة العادلة، وإلى قانون جنائي خال من عقوبة الإعدام.
هذه تطلعاتنا التي نحملها في لحظة النقاش العمومي، وفي لحظة مراجعة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية.
(*)رئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى