السيتي

عمر الصديقي الفنان التشكيلي والشاعر والروائي (بورتري)

عمر الصديقي من مواليد سنة 1969، قضى جل طفولته في الريف حيث ولج الدراسة الابتدائية والإعدادية قبل الحصول على الباكلوريا في شعبة الآداب من ثانوية ابن الياسمين بتازة   سنة 1989. هو الآن إطار إداري حاصل على إجازة في القانون العام شعبة العلوم السياسية بالفرنسية من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس سنة 1993. لكن بالإضافة إلى اهتماماته العلمية وانشغالاته المهنية، كان له ميول خاص لمجال الإبداع الفني منذ سن طفولته البسيطة.

لقد عمل بتفان وهوس استثنائي على صقل مواهبه في إطار الاشتغال  المستمر على تيمة الطبيعة  والحب الطاهر والعواطف النبيلة والقيم الوطنية والتاريخية، حيث يقول :

“… بالنسبة لي كفنان ارتاح لكل جميل في الوجود مهما تنازعت داخلي رغباتي الخاصة وقيم المحيط الاجتماعي. ومهما يكون فأنا اسجد دوما لكل منظر أخاذ أو مشهد رومانسي تعانقت خلاله الطبيعة بإحساس الإنسان في حالة الانحلال الوجداني أو في حالة البحث عن الذات داخل النسيج الإنساني….”

هذه نماذج من لوحاته الفنية التي تجمع بين الكاليكرافيا والتجريد
هذه نماذج من لوحاته الفنية التي تجمع بين الكاليكرافيا والتجريد

المبدع عمر الصديقي الإنسان والمثقف، يجد ضالته أساسا في الإبداع كجسر رابط بين الثقافات الإنسانية ، فلا يتردد في الحديث عن الإنسان والإرادة والحرية  وصناعة التغيير من داخل الألوان والضلال والتقاطعات والكلمات والإيحاءات التشكيلية الرمزية ….كل هذه الأبعاد الفلسفية المجردة والرؤى الفنية المتنوعة  جعلته يراكم العديد من التجارب الإبداعية المتميزة، وذلك ليس فقط في مجال التشكيل فحسب، بل في مغازلة القوافي و نظم الشعر و الاشتغال على النثر عامة  والرواية العربية بالتحديد.

تجربته الإبداعية :

3

الصديقي فنان مرهف الحس تستهويه عناصر الطبيعة إلى حد الجنون، فمن مكامن الجمال الطبيعي ومن خبايا أغوار الذات الإنسانية يستوحي مواضيع اشتغاله الفني، وذلك منذ خربشات الطفولة بالطبشور والفحم والصلصال والحناء على الأسوار إلى أول معرض تشكيلي جماعي شارك فيه خلال خريف 1988 بدار الشباب أنوال،رفقة مجموعة من المبدعين بالمدينة. هذا فضلا عن معارض برواق مكتبة “كليلة ودمنة” بالرباط (1996) ، وقاعة التكوين المهني بفاس (2000)، وساحة الكلية المتعدد التخصصات وفضاء المعهد الموسيقي بتازة…الخ

لكن بفضل إصراره القوي وشبكة علاقاته الفنية وممارسته المستمرة، استطاع أن يصنع لنفسه مسارا فنيا غنيا بلحظات الإبداع القوية التي جمعته بأدباء وشعراء ومصممي ديكور وممثلين وتشكيليين كثيرين في معارض وأوراش فنية بفاس والرباط.  ويقول عن تجربته الخاصة :                   لقد كانت انطلاقته الأولى اعتمادا على الموهبة والفطرة الخالصة والإمكانات المادية المحدودة وسط مدينة لا تشجع على الإبداع مطلقا، بل إن غياب التواصل الثقافي بهذه المدينة يجعل المبدعين المحليين يبحثون عن ذواتهم الفنية خارجها، خاصة  في المدن المجاورة التي تنشط فيها الحركة الفنية بشكل شفاف ومضمون للجميع…..

“…الإبداع هو أن أطير بأجنحة الخيال في عالم غريب وغير متناه، هو عملية شرود أبدي في تخوم الحياة بهمومها وأفراحها وتقلبات أيامها…حين أبدع اشعر وكأني جزء من حلم خرافي فيصعب علي أحيانا الرجوع، من ذلك العالم حيث يتبدد الزمان والمكان، إلى هذه الأصقاع الضيقة التي تح

بصفته فنان متعدد المواهب، فإن الصديقي لم يجد صعوبة في الانتقال من ألوان التشكيل وخطوط الرسم إلى عالم الشعر والكلام الإيقاعي، حيث استطاع أن يقتحم هذا المجال لينظم قصائد مثيرة تترجم عمق العواطف الإنسانية وخبايا العشق وجنونه…حيث اصدر صيف سنة 2010 أول ديوان جماعي تحت عنوان ” نوافذ عاشقة” رفقة ثلة من الشعراء العرب بجامعة المبدعين المغاربة بالدار البيضاء،  وهي تجربة ترجم من خلالها حقا قدرته على التواصل الثقافي مع مختلف عوالم الإبداع خدمة للمشاعر الإنسانية وقيم الفن النبيل.

صورة غلاف ديوان نوافذ عاشقة
صورة غلاف ديوان نوافذ عاشقة

 

بعد هذه التجربة الإبداعية الجماعية الناجحة بالدار البيضاء  ، تمكن الشاعر عمر الصديقي من إصدار ديوانه الشخصي الأول تحت عنوان ” بقايا أحلام” بمدينة تازة.  وهذا الإصدار في الأصل هو مجموعة من القصائد التي احتفظ بها منذ فترة المراهقة والشباب ليكتب لها النشر سنة2012.

والجدير بالذكر، أن هذا العمل نال باستحقاق الجائزة الأولى لتازة في الشعر الفصيح، وذلك في إطار المسابقة الوطنية التي نظمتها شبكة تازة التنموية بتعاون مع منشورات “مرايا” بطنجة. ومن ديوان ” بقايا أحلام”، قطفنا لكم هذه الباقة الشعرية الزاهية :

بدون حب

بدون حب

لا يصل الرغيف

إلى مخيمات اللاجئين.

بدون حب

ما أزهرت في تازة

نوافذ العاشقين.

بدون حب

وما نطق الحجر والطين.

لا يحلق سرب الحمام

ولا تصل ” قوافل الحرية “

إلى الأطفال

في غزة بفلسطين. *****تراب خطاك…. أنا  

سأنتعل أحزاني

حتى أسقيك بدمعي

ولون دمي.

سأحرق جثتي

على ظلك

حتى ينقطع صهيلي.

سأنتعل زورق العشق

نحو الضباب

وألغي كل همومي.

سأنتظرك..

 لأهديك

ضمادة صبري ودمع عيوني.

وسأصلي حبك جهرا

عساني أشفى من العشق

ومن نوبات جنوني.

saddiki2

*****

ومن أهم  الخلاصات التي ركز عليها الأستاذ بوزفور في كلمة الغلاف، هو صلاحية تلك الرواية للعمل السينمائي والأفلمة ، مقترحا في نفس الوقت إمكانية عرضها أحد المخرجين السينمائيين بشمال المغرب. لقد كان لهذا الانطباع الصادر عن قامة أدبية مغربية بارزة، أثر إيجابي ومشجع للمبدع عمر الصديقي من أجل العمل على مواصلة تجربته الفنية ،مما حفزه مجددا على خوض تجربة الكتابة الروائية في إطار تيمة جديدة مرتبطة بالذاكرة الشعبية الوطنية عموما، وبموضوع المقاومة المغربية على وجه التحديد… القاص المغربي المتميز أحمد بوزفور”لقد لقي هذا العمل استحسانا كبيرا من طرف قراء الرواية العربية، لما تضمنته من مشاهد اجتماعية مثيرة امتزج فيها البعد العاطفي بالشأن الثقافي العربي عموما والمغربي خصوصا”.

صورة من حفل توقيع رواية "ذاكرة بقلب مفتوح " بمقر نيابة وزارة  التربية الوطنية بتازة
صورة من حفل توقيع رواية “ذاكرة بقلب مفتوح ” بمقر نيابة وزارة التربية الوطنية بتازة

بالفعل، فبعد خمس سنوات من العمل الفني، عاد الروائي الصديقي إلى الواجهة بمتن روائي جديد يمكن تصنيفه ضمن الإبداع الروائي التاريخي ، وهو موسوم ” ذاكرة بقلب مفتوح” من تقديم الدكتور مصطفى الكتيري المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لارتباط موضوعه الأساس بمسألة المقاومة المغربية والحركة الوطنية من اجل استقلال البلاد. نعم لقد حظي هذا العمل الإبداعي بشرف وعناية  خاصة من قبل السيد المندوب السامي ، حيث تولى  شخصيا مهمة تقديم هذه الرواية وخص كلمة غلافها بانطباع جد محفز ، ومن ذلك قوله :

“…لقد أصاب هذا النص الروائي في استعادة حدث تاريخي هام ومفصلي من تاريخ المغرب وإعادة صياغته وتقديمه في قالب يمتزج فيه الخيال والتشويق بلعبة المرآة لتطهير الذات.

إن الإصدار الموسوم “ذاكرة بقلب مفتوح” يشكل إضافة نوعية ومساهمة أدبية يستحق عليه مؤلفه التنويه. ومن المحقق انه سيغني المكتبة الوطنية التي تسعى المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير جاهدة لإخصابها وإثرائها.

تقع رواية ” ذاكرة بقلب مفتوح“، التي حظيت بشرف التقديم ضمن فعاليات الدورة 20للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء(2014)، في عدة فصول متماسكة ومعنونة خاضعة للمعمارية البنيوية بأسلوب سردي تاريخي يعالج مشاهد مثيرة من الذاكرة الوطنية المرتبطة بسلسلة من الوقائع والأحداث والملاحم البطولية المتصلة بمرحلة الكفاح الشعبي ضد الاستعمار الفرنسي. أما على مستوى الهيكلة، فيمكن القول أن الرواية اعتمدت على التصميم الهندسي القائم على المثلث التقليدي : البداية والذروة أو العقدة فالنهاية، وهي ثلاثية انطوت على تفاعل نشيط بين الأحداث والشخوص وفق مبدأ السببية والكرونولوجية والعلية المنطقية. خاصة، وأن التيمة المعتمدة تتسم بالواقعية التاريخية، التي تقتضي كثير من التمحيص والتدقيق في الوقائع من حيث مسبباتها ونتائجها، وذلك لتفادي قدر المستطاع الوقوع في مزالق علمية أو منهجية غير محمودة.

 رواية “  ذاكرة بقلب مفتوح من أجل المصالحة بين الأدب والتاريخ والسينما

وبخصوص المراد من هذا النوع من الكتابة يؤكد الروائي عمر الصديقي أن:

“…غايتي الحقيقية من وراء اقتحام هذا الهدف، هي الإسهام في التعريف بخصوصيات المقاومة المغربية وبأعلامها المتميزين، من خلال يوميات الكفاح الوطني في المدن العريقة و خاصة في المداشر النائية بمنطقة الريف، كنموذج لمقاومة شرسة بشهادة التقارير الاستعمارية نفسها التي وصفت الصراع الميداني فوق هذه الجغرافية  ب ” مثلث الموت ” الشهير . وهي بكل تأكيد من مؤرخي المرحلة، انتفاضة باسلة تزامنت فصولها البطولية مع انطلاقة الشرارة الأولى لعمليات جيش التحرير بشمال المملكة مع مطلع أكتوبر من سنة 1955. وهي بحق، ثورة خالدة قادها مقاومون أشاوس شاركوا في حرب الريف الأولى تحت لواء البطل عبد الكريم الخطابي، هذا فضلا عن التجربة العسكرية للمحاربين المغاربة الذين ساهموا في تحرير أروبا من هيمنة النازية ، والذين أبلوا البلاء الحسن في صناعة  هذا الحدث التاريخي الكبير  .

ومما ساعدني كذلك، على خوض هذه التجربة المتواضعة بحماس متزايد، هو عشقي للكتابة الأدبية والفنية كآلية طيعة لترجمة المشاعر والتعبير عن الهواجس الداخلية وتصوير الحقائق التاريخية ، هذا بالإضافة إلى طبيعة انشغالي المهني داخل قطاع المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير كإطار إداري في مجال الدراسات التاريخية المرتبطة بذاكرة المقاومة المغربية، حيث حالفني الحظ بالاشتغال إلى جانب عدة مقاومين بارزين، ارتبطت أسماؤهم بفصول الكفاح الوطني من أجل الاستقلال بالمغرب…

لقد وجدت نفسي، بعد تجربة التشكيل و الشعر،متلبسا ومسكونا بهوس وهم الكتابة عند نقطة التقاطع الموضوعاتي بين المادة التاريخية وهاجس الكتابة الأدبية الجادة والهادفة، مما شجعني على ركوب محاولات مصالحة الفن الأدبي والحقيقة التاريخية، خاصة في جوانبها المعتمة التي لم تنل حظها من الأضواء الكاشفة داخل إطار فن الكتابة والسينما والمسرح والتشكيل، بالشكل الذي يليق وإشعاعها المتميز وحجم بطولاتها  المجيدة و الخالدة.

ومما ساعدني كذلك، على خوض هذه التجربة المتواضعة بحماس متزايد، هو عشقي للكتابة الأدبية والفنية كآلية طيعة لترجمة المشاعر والتعبير عن الهواجس الداخلية وتصوير الحقائق التاريخية ، هذا بالإضافة إلى طبيعة انشغالي المهني داخل قطاع المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير كإطار إداري في مجال الدراسات التاريخية المرتبطة بذاكرة المقاومة المغربية، حيث حالفني الحظ بالاشتغال إلى جانب عدة مقاومين بارزين، ارتبطت أسماؤهم بفصول الكفاح الوطني من أجل الاستقلال بالمغرب…

لقد وجدت نفسي، بعد تجربة التشكيل و الشعر، متلبسا ومسكونا بهوس وهم الكتابة عند نقطة التقاطع الموضوعاتي بين المادة التاريخية وهاجس الكتابة الأدبية الجادة والهادفة، مما شجعني على ركوب محاولات مصالحة الفن الأدبي والحقيقة التاريخية، خاصة في جوانبها المعتمة التي لم تنل حظها من الأضواء الكاشفة داخل إطار فن الكتابة والسينما والمسرح والتشكيل، بالشكل الذي يليق وإشعاعها المتميز وحجم بطولاتها  المجيدة و الخالدة…”.

مشاريعه الإبداعية المستقبلية :

بخصوص هذه النقطة يقول الصديقي بأن بالرغم من إكراهات انشغاله المهني وشح الدعم المادي والمعنوي من قبل كل الجهات المعنية بالشأن الثقافي بالمدينة وغياب الشفافية في التعامل مع المبدعين وسيادة البلقنة في المحيط الثقافي والاحتكار لأجندة الأنشطة محليا ووطنيا ، فإنه لم يتوقف عن التنفس من رئة الإبداع في التشكيل والشعر والرواية ….

بالمناسبة ،فإن الصديقي يشتغل حاليا على عمل أدبي آخر باللغة الفرنسية حول الذاكرة المشتركة، وهو عبارة عن رواية سيرذاتية تكشف جوانب مركبة من ظروف طفولة سنوات السبعينات و نوستالجيا الأجيال السابقة التي عايشت مرحلة الحماية العصيبة، هذا بالإضافة إلى ذكريات أخرى حول الزمن الجميل، حيث لا أنترنيت ولا فيسبوك ولا قنوات فضائية، زمن كانت في المدرسة مدرسة والحب حبا والصداقة صداقة في بساطة مطلقة وحرية تامة…. ويعتبر هذا العمل- حسب مؤلفه- جاهزا للطبع في انتظار فرصة إخراجه لحيز الوجود الثقافي، علما أن كاتبه شرع في الاتصالات الأولى بدار نشر فرنسية للقيام بمهمة الطبع والتوزيع على نطاق واسع، بعدما لم يلق الدعم الضروري لنشره داخل الوطن.

وبموازاة مع ذلك، لديه مجموعة من المشاريع الفردية والمشتركة حول الفن الإنساني والتنشيط الثقافي وتدبير التراث واستثمار القيم الوطنية والتاريخية خدمة للناشئة والأجيال الصاعدة عبر سلسلة من الاوراش الفنية واللقاءات الثقافية التحسيسية والتوعوية بفضاء المؤسسات التربوية والهيئات الجمعوية، وذلك بتعاون مع فنانين ومبدعين آخرين تجمعهم هموم الإبداع وجنونه.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى