السيتي

الهجرة الى الله

قبل البدء في هذا الموضوع المتواضع ،يبدو ضروريا إعطاء شرح ولو بسيط لكلمة الهجرة ،والذي يمكن وصفه بأنه هو عملية الإنتقال من مكان إلى مكان ،ورحلة وارتحال ،فهي عملية حركة جسمانية للبحث عن الأفضل للعيش، وتختلف أنواع الهجرات ،نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ،هجرة الطيور من أرض إلى أرض ،ومن فضاء إلى فضاء، ولضرورة حتمية فرضتها الظروف الطبيعية خاصة في فصل الشتاء بحثا عن منتجعات ،ومناطق دافئة وآمنة والتي تمر في مراحل وفصول محددة من السنة .
لكن نجد هناك هجرة أخرى غير هذه ،والتي تهمنا في هذا الموضوع المتواضع ،ألا وهي هجرة الإنسان إلى الله ،والتي تعتبر ضرورة قلبية موجهة من حكمة ربانية ،والتي يغلب عليها الشوق الصادق لقلوب ظمآنة ومتعطشة للقاء ورؤية الله عز وجل، والرغبة للوقوف بين يديه، طامعة في رحمته ومغفرته تبارك وتعالى ،هذه الهجرة تكون على مرحلتين : هجرة دنيوية ،وأخرى هجرة أخروية ،فأما الأولى فتكون لمن حالفه القدر ،والحظ ، ورزقه الله فرصة الحج إلى بيت الله الحرام بحيث لا يسافر الحجاج بأجسادهم وأمتعتهم عبر وسائل النقل فقط وإنما تهاجر أرواحهم وأفئدتهم شوقا للرقي بالروح إلى مناجاة خالقها طمعا في الحصول على جواز خلاصها من المعاصي ، وبالتالي تنقية النفس بفضل الله في أطهر بقاع الأرض، وفي زمن لا يضاهيه زمن في درجته الرفيعة والمنفردة في الوجود وهو يوم عرفة ،والوقوف بتلك الأرض الطاهرة التي تحيى وتعيش تلك الهجرة المليونية كل عام بحيث إن الله عز وجل يضاهي ملائكته بعباده الحجاج المشتاقين للقائه فيكون جزاء ونتيجة تلك الهجرة الروحانية هو نيل مغفرة الله ،التي تلتقي فيها أجساد وأرواح المهاجرين الذين يتوحدون في لباس واحد ابيض والتي تعتبر أكفانا، لهم تاركين كل ملذات الدنيا سواء حلوها أو ومرها لا يشغلهم إلا سؤال واحد هو طلب العفو، والمغفرة ،والتوبة الصادقة.

إذن هذه الهجرة هي هجرة موحدة لأناس تختلف أجناسهم، ولغاتهم ،وألوانهم، لكن وحدهم نداء و هدف واحد هو تلك التلبية الرائعة : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
ما أحلاه نداء، وما أجلها تلبية تحت لواء لا اله إلا الله التي هي نقطة البدء ونقطة اللقاء وهي الأمر الموحد والفطرة الموحدة الأمة الإسلامية امة سيد خير الأنام محمد بن عبد الله عليه أزكي الصلاة والسلام .
إذن إن أفضل هجرة ،هي الهجرة الروحانية إلى الله ،تلك الهجرة التي تفوح مسكا وعنبرا لترقي الفطرة القلبية للإنسان للقاء خالقها ومنجيها من الظلمات إلى النور ولكي نحقق هذه الحجرة الزاهدة ،والمتعطشة لرضا الله لابد من التزود الصادق لتحقيق هذه الهجرة وما أجمله من زاد رائع وليس بثقيل على الراغبين في ذلك الزاد أو هي التقوى الصادقة المنبعثة من القلب الباكي والشاكي إلى الله فمن استجاب لأوامر الله ،وابتعد عن نواهيه، والتزم بسنة المصطفى حبيب الله صلى الله عليه وسلم تحققت هجرته إلى الله حاملا تقوى الله ،والزهد في الإكثار من ذكر الله ليغسل قلبه من شوائب الملذات الزائلة والزائفة وعلينا جميعا أن نقر بان كل شيء راحل ومهاجر أي نعم إن الموت هي أخر هجرة لكل كائن حي فلماذا لا نجعل هذه الهجرة الأخيرة هجرة حب ورضى من الله وبشرى للقائه عز وجل فمهما طال العمر لابد من نهاية له إذ يفنى كل من عليها و يبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .
أخر ما يمكن قوله، هو اللهم اجعل هجرتنا إليك هجرة مقبولة صفية نقية كنقاء الثوب الأبيض من الدنس ونقاوة روح وجسد الرضيع وطهارته ،وزكي أنفسنا من الخبث والخبائث فأنت مولاها وخير من زكاها، وارزقنا شفاعة الحبيب محمد السراج المنير والهادي إلى الصراط المستقيم عليه ألف ألف صلاه وسلام .

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى