السيتي

أزمة المذيعين في التلفزيون العمومي:فقر في الطاقات أم بيروقراطية في التسيير

يعتبر الإعلام عموما و التلفزيون خصوصا من بين أدوات الدول الناجعة لتقديم نفسها الى العالم،وهي كذلك تجسيد ملموس لتطور التسيير الإداري للبلد ومرآة لمدى تقدمه في ما يخص ثقافة حقوق الإنسان من عدمه.

ونحن في زخم المنتدى الدولي لحقوق الإنسان الذي ينضاف الى رصيد المغرب من حيث المنجزات و إعتباره أيظا شهادة إعتراف دولية بمدى التقدم الحاصل في مجال الحريات  بالبلد،وبعد إطلاعنا على مجموعة من مواضيع الندوات التي نوقشت طيلة أربعة أيام بفضاءات المنتدى،إستفزنا موضوع لم يناقش بالدورة ويتعلق بـ”حقوق المشاهد والمشاهدة المغربية في قنواته التلفزيونية”،لما أصبح يكتسيه من أهمية بالغة لدى فئات واسعة من الشعب و لا يمر يوم من الأيام دون أن تجد تدوينة أو مقطع فيديو أو مقال في وسائل الإعلام الإلكتروني الوطني تعبر عن سخط وتذمر تجاه هذا القطب العمومي المتجمد.

لا يختلف إثنان على أن القناتين الأولى  و الثانية تعانيان أزمة مذيعين و منشطين و مقدمي برامج من الصنف الأول بشكل حاد،وأصبح المشاهد غير مقتنع بأي من الوجوه التي تطفوا على الساحة الآن سواء أكانت شابة أو مخضرمة باستثناء بعض الأسماء التي يتم الإستنجاد بها بين الفينة و الأخرى، بينما يلاقي آخرون ممن يتمتعون بنوع من الشخصية القوية التهميش و تتم ترضيتهم بالتكليف بمهام  إدارية بعيدا عن عدسات الكاميرا.

فبعد الحركية التي عرفها العهد الجديد،وتماشيا مع سياق التطورات العميقة التي شهدها  المغرب وعزمه على تعزيز الإختيار الديمقراطي،والذي عكسته الرسالة الملكية الموجهة إلى أسرة الصحافة والإعلام بمناسبة يومها الوطني بتاريخ 15 نوفمبر2002 التي أكد  فيها جلالة الملك بالقول : “وعندما نقول الحرية، فلأنه لا سبيل لنهوض و تطور صحافة جيدة دون ممارسة لحرية التعبير.”تلك الرسالة التي وضعت القواعد العامة والضوابط الأساسية للرقي بالإعلام العمومي و فتح المجال للقنوات الموضوعاتية  وتمهيد الطريق للتغيير الإداري الذي طرأ على الإذاعة و التلفزة المغربية “إ.ت.م” سابقا،وقناة “دوزيم” بموجب القانون رقم  03-77 المتعلق بالاتصال السمعي البصري وتحولهما الى شركتي مساهمة خاضعتان للقانون التجاري،برأسمال ملك للدولة.كل هذا جعل آمال المغاربة وتطلعاتهم كبيرة في أن ينعكس ذلك على المشهد التلفزيوني الوطني،لكن بعد عقد من الزمن يتضح أن نفس العقلية الإدارية هي التي لازالت تتحكم في إختيارات إدارة القناتين.

إن من شروط مقدم الأخبار و المنشط الناجح أن يكون صوته واضحا ويحسن مخارج الحروف،ومتقنا لقواعد اللغة العربية وسريع البديهة للتعامل مع المواقف المحرجة وأن يكون واسع الثقافة والإطلاع لإدارة  الحوار،وقبل هذا وذاك يجب عليه أن يتمتع بشخصية تشد الأنظار وتجذب أسماع المتلقي،والحال أن المشاهد المغربي أصبح يحس بالقرف من حضور بعض المذيعين وهو يجلس مشدوها ومكرها أمام شاشات التلفزة لمعرفة أخبار بلده.مذيعون يتلعثمون ولا يجيدون التعامل السلس مع حركية الكاميرا ويقومون بأخطاء في النحو و الإعراب،ويعطون الإنطباع بأنهم مقيدون الى الكراسي لا يحركون إلا الشفتين و الأعين فقط،بل لا يتوفرون على الشخصية الكاريزماتيكية.ويطفو هنا السؤال بحدة: هل هي أزمة طاقات شابة في ظل تدني مستويات التعليم ومستويات المعاهد و الجامعات أم هو غياب لمعايير موضوعية في لجان متخصصة تتولى التنقيب عن المواهب؟

لاشك أن الجواب عن السؤال سيكون بضرب أمثلة لإعلاميين مغاربة ناجحين بالعشرات،صاروا من أعمدة قنوات عربية مشهورة لكي نعرف حجم الطاقات التي هاجرت الوطن،بعضها كانت هجرتها طوعية و بعضها الآخر كانت قسرية أمام الإقصاء و التهميش وغياب شروط الإشتغال بحرية وترأس غرباء عن الميدان في كثير من الأحيان لمراكز القيادة و التحكم.

إن المذيع التلفزي أصبح رمزا للبلد وعاكسا لصورة مواطنيه الحضارية و الفكرية و الإعلامية،وأصبح العالم يعرف بلدانا بأسرها باسم إعلامييها،لذلك بات لزاما على الإعلام السمعي البصري المغربي أن يجسد هذه الرؤية وأن لا تبقى القوانين المنظمة مجرد حبر على ورق في غياب التفعيل الحقيقي،وتحضرني هنا مقولة خالدة للراحل الحسن الثاني رحمه الله في خطاب رسمي غذاة فوز العداء سعيد عويطة بذهبية الـ5000 متر في أولمبياد لوس أنجلوس 1984،أكد فيها على أن العالم يعرف المغرب بعويطة أكثر مما يعرفه بملكه.

*مقال منشور بالجريدة الوطنية الإلكترونية هبة بريس على الرابط التالي:أزمة المذيعين في التلفزيون العمومي:فقر في الطاقات أم بيروقراطية في التسيير.

للتواصل مع الكاتب:[email protected]

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ـ مقال ممتاز يراعي بدقة الظرفية الزمنية الحالية بإعتبارقنواتناتغرد خارج السياق بسيط ففي سياق كون الإعلام وجه الدول حتى الصغيرة جدا حال (قناةالجزيرة=قطر)
    إن وسائل الاعلام الرسمية لا تتوقف عند مجرد الاتصال والإعلام بل تمارس التاثير بأكثر الأدوات نفوذا واختراقا ومكرا ومن ثم تمارس إعادة الصياغة الثقافية للمتتبعين وفقا لإرادة صانعيها و مروجيها، بل تمتد إلى صياغة أفكار وتقاليد وافدة هجينة في السلوك العام اليومي للأفراد وبالتالي أصبحت أداة حفر وتدمير لقيم والضوابط الأخلاقية والاجتماعية، بل وتمتد إلى إعادة تشكيل وصياغة لنظم اجتماعية مقلوبة تساهم في إفساد الذوق العام وبالتالي إخضاعها لاشعوريا في إعادة قلب الهوية الثفافية المغربية الإسلامية التي يطمح الغرب ومن خلفه الصهيونية العالمية لبلورة أفكارها بهدف التحكم في حاضرنا و مستقبلنا بمؤشر المسيطر اقتصاديا مسيطر في باقي المجالات ( ضمن سياسة الاستهلاك والتبعية العمياء ).
    إن الراصد لكل شيء دونها انقطاع لساحة الإعلامية الوطنية يلاحظ بجلاء ضعف مصداقية وتدنيها ووصفها في كثير من الأحيان بالفقيرة من حيث المهنية و الموضوعية و تحاشيها للمصداقية في محاربة أشكال الفساد الحقيقي داخل مختلف القطاعات داخل وطننا المغرب لا لشيء سوى الخضوع أمام القوى الضاغطة واللوبيات التي تمتلك مفاتيح و قواعد اللعبة السياسية و الاقتصادية، ((إحذروا إعلام البروبكندا))

زر الذهاب إلى الأعلى