التعليم في زمن الإهانة

لقد تعرض رجل التعليم بالمغرب لعدة صدمات ونكسات ساهمت إلى حد كبير في الحط من قيمته وأنفته أحيانا، وزعزعت ثقته بنفسه أحيانا أخرى، كنتيجة مباشرة لوضعية الذل والاحتقار التي أصبح يعيشها، خاصة بعدما خرج – من مرحلة الصراع السياسي والإيديولوجي المغذى بالمد اليساري الذي كان سائدا أنذاك بالمغرب – خاوي الوفاض، من الناحيتين: المعنوية والمادية، كإجراء انتقامي وكرد فعل على صلابة مواقفه تجاه سياسة المخزن، وعلى عدم استسلامه لإرادة الدولة، لأن مدرس تلك الحقبة اليسارية، لم يكن من تلك الطينة التي ستطأطئ رأسها وتنصاع للأوامر بسهولة، معتبرا المبادئ ثوابت وبديهيات، و فكرة المساومة وصمة عار وإهانة أخلاقية كبرى للمهنة بشكل عام، لذا لم يكتف المدرس المغربي في تلك المرحلة بفهم واقع بلاده فحسب، وإنما انخرط في محاولة جادة لتغييره، الأمر الذي لم يكتمل بعد سقوط الأجهزة النقابية في أحضان الدولة وتوافقها معها إلى حد التماهي أحيانا، فيما أصبح يعرف بالسلم الاجتماعي، الذي حول رجل التعليم إلى مجرد قنطرة عبور الآخرين نحو عالم الارتقاء الطبقي، عالم الامتيازات أو عالم الريع بمعناه الواسع، زد على ذلك المبالغة في نهج سياسة تقزيم الراتب والمدعومة من طرف عامة الناس الذين لا يكفون عن ترديد عبارة ”المعلم شابع راحة…. شابع عطل”…عبارات دالة على انقلاب كوبيرنيكي في التمثلات الاجتماعية القيمية تجاه هذه الطبقة.
لقد كان رجل التعليم في القرن الخامس قبل الميلاد، خاصة في مرحلة الصراع الأفلاطوني-السوفسطائي يقام له ويقعد إيمانا بدوره التربوي الجليل، وسلطته الأخلاقية الفعالة، وهو الأمر الذي حافظت عليه مختلف المجتمعات الغربية بصفتها الوريثة الشرعية للثقافة اليونانية، وضمنت استمرار يته في مختلف العصور، وصولا إلى قرننا هذا، حيث اعتبر التعليم محركا أساسيا للتنمية الاجتماعية والمدرس قائدا لها، عكس مجتمعنا الذي يكتفي بمحاولات إصلاحية محتشمة وفاشلة، وينجح في نهج أسلوب الانتقاد وتوجيه أصابع الاتهام لهذا المعلم أو ذاك من طرف بعض أشباه المثقفين بالمقاهي، لأن هذه الفئة –المدرسين – أصبحت أضعف حلقة في النظام التربوي برمته، وإلا كيف نفسر أنها الموضوع الخصب لإنتاج النكت الرامية إلى تجريده من كبريائه والنيل من كرامته؟ ،- التي قد تتساوى في أقرب الآجال من حيث القيمة المعنوية بفئة العاملين في قطاعات غير مهيكلة – ، متناسين قولة: من علمني حرفا صرت له عبدا… وبالمناسبة لم أجد للمدرس المغربي تكريما ماديا أو معنويا غير هذه المقولة.
إن التضحيات التي يقدمها المدرسون بالعالم القروي لا تعد ولا تحصى، فأن تكون معلما محاربا للجهل معناه أن تكون كذلك فقيها وممرضا ومساعدا اجتماعيا وغيرها من المهن… وأن تحتمل ساعات العمل الطويلة في أشباه الأقسام دون إنارة و دون سكن، أو في سكنيات تفتقد لأدنى شروط العيش الكريم… كل ذلك مقابل أجر زهيد لا يتماشى مع النتائج المحققة ميدانيا، في ضل مقررات ضخمة وتافهة المحتوى، وفي ضل وعاء زمني هو الأطول عالميا والذي لا يساير جميع أنواع النمو السيكولوجي والجسمي للطفل التلميذ، دون أن ننسى الإختلالات العقلية والبدنية التي يصاب بها أساتذة التعليم إلإبتدائي في نهاية مشوارهم المهني، في المقابل هناك مبالغة في تمتيع البعض بمجموعة من الامتيازات والعلاوات وسيارات الخدمة الفارهة، التي تعمق الفرق بين رجال التعليم ومن تتلمذوا على أيديهم، مما خلق نوعا من الكراهية المضمرة أحيانا والمعلنة أحيانا أخرى بين القطاعات المدللة والقطاعات المغضوب عليها، علما أن المدرس منتج من الدرجة الأولى، مقارنة بموظفين إقطاعيين تخصصوا في مراكمة الثروة وامتصاص دماء الفقراء مقابل لا شيء ملموس بالنسبة للمواطن والمجتمع بشكل عام…نحن لا نطالب بتخفيض رواتب هؤلاء وأمثالهم ممن استفادوا من صنابير الريع المفتوحة هنا وهناك، وإنما نطالب برفع رواتب الطبقات المسحوقة والتخلي عن سياسة تقسيم المجتمع إلى طبقتين فقط ، من خلال إقحام رجل التعليم في طبقة الفقراء وطمس معالم ما يسمى بالطبقة المتوسطة التي تربع على عرشها إلى حدود بداية حكومة بنكيران، التي نهجت خاصيات عكسية وبرهان بالخلف في معالجة وضعية هؤلاء، فعوض تمتيعهم بامتيازات – كرد للجميل – على غرار زملائهم في قطاعات أخرى والحد من الفوارق، عمل المسؤولون الجدد على تقزيم راتب رجال التعليم بدعوى سياسة الإصلاح، ونحن نعلم جليا أن مفهوم الإصلاح في هذه الحكومة حلم بعيد المنال ما عدا إذا اقترن بفكرة تأزيم الآخر، بعد التخلي عن فكرة إلغاء الامتيازات الممنوحة لأصحاب المقالع، ورخص الصيد، وتخفيض رواتب البرلمانيين والوزراء …..وغيرهم من التماسيح.
فإذا كان العديد من المدرسين يستشهدون ببيت شعري لأحمد شوقي حيث قال فيه: كاد المعلم أن يكون رسولا، أنا اليوم أستشهد ببيت لإبراهيم طوقان رد فيه على أمير الشعراء بقوله: كاد المعلم أن يكون بين البنوك مقتولا، خاصة وأن البعض منهم وفي ضل غلاء المعيشة، يمتهن نشاطا اقتصاديا آخرا ليذر عليه دخلا بالموازاة مع عمله الذي يعتبر مجرد محاربة للبطالة.
لاشك أن النضال هو المفتاح الوحيد لتغيير الواقع بعد فهمه، إلا أن هذا المفهوم النبيل قد فقد مصداقيته بعد انتعاش سياسة التفريخ النقابي والحزبي، بل أكثر من ذلك لا يمكن الحديث عن نقطة نضالية واحدة مشتركة بين عموم رجال التعليم في قطاع مشبع إلى حد التخمة بالتنسيقيات الفئوية التي زكت للدولة فكرة: فرق تسود، لذا أيها المدرس: اتق شر من أحسنت إليه.




ما أصدق قول الرصافي:
اذا ما (النهب) خيم في بلاد###رأيت أسودها مسخت قرودا
وأعتذرعلى التصرف في الكلمة التي بين قوسين من بيت الشاعر العراقي..
شكرا جزيلا على هذه التوضيحات أستادنا الكريم؛ فعلا فكلماتك هاته قد ازالت الستار على الواقع الذي يعيشه مربي الاجيال الصاعدة.
شكرا لك أخي لعظيم.فعلا اصبح المعلم محط ازتهزاء و تنكيت الجميع، حسبنا الله ونعم الوكيل
Merci bien pour notre collègue,il a bien choisi le sujet sur le premier plan et sur un deuxième plan il a réussi la qualité de sa rédaction et sur un dernier plan Mr LA3DIM a véhiculé son message par excellence.merci
المدرس أكثر إنتاجية من غيره فعوض أن يكون قمة الهرم أصبح قاعدته …..بالله عليكم يا أصحاب العقول قارنوا دور المدرس بدور البرلماني مثلا….
فعلا إنه زمن الإهانات المتتالية…….راتب لايرقى إلى حجم الخدمات المقدمة من طرف هذه الفئة
كل الشكر للاستاذ عبد السلام العضيم على هذا المقال الرائع والذي لخص فيه معاناة وواقع نساء ورجال التعليم في مغربنا الحبيب…..
اود ان اشير فيما يخص تقزيم رواتب هذه الفئة بدعوى الاصلاح انما هي سرقة بواضح النهار نعم سرقة “لمعلم كاد ان يكون بين البنوك مقتولا”كما قلت يا استاذ.
فان كانت الدول المتقدمة قد تفوقت علينا في ميدان التعليم فهذا يرجع لاحترامها للمدرس واعطائه الرتبة التي يستحقها في المجتمع وخير مثالين على ذلك :
الاول :عندما وقف القضاة في المانيا يطالبون بمساواتهم بالمعلمين وقفت لهم ميركل مستشارة المانيا وقالت لهم اتريدون التساوي بمن علموكم؟
والثاني:حين ذهب احد وزراء التعليم في الدول العربية الى اليابان واراد ان يسال عن سر نجاح التعليم في هذا {الكوكب}فقال المسؤول الياباني:اعطينا المعلم مرتب وزير وحصانة ديبلوماسي…..
واخيرا اقول عند اعتبار المعلم هو اساس النهضة وعماد التنوير والاساس في منظومة التعليم يمكن الحديث عن اصلاح التعليم وليس عن ترقيييعه.