حصن تازة ( البستيون ) …..نقاط على الحروف – الجزء الأول

عبد الإله بسكمار* / إلى الإخوة الأساتذة المحترمين والباحثين المشرفين على مجلة ” زمان ” التي وضعت نفسها في خانة السؤال التاريخي للمغرب الحبيب…
تحية الصداقة والمودة
بداية، أقدر جهودكم كقارئ وصديق للمجلة وباحث مهتم في إثارة قضايا هامة تتعلق بمسار تاريخنا الوطني، وفي طرح الأسئلة الضرورية والقضايا التي لا تهم الماضي فقط بل تستفز الحاضر أيضا ( السؤال الثقافي العميق ) كما تستشرف أفاق المستقبل بنفس المقدار.
أعرف يقينا أنكم لن تنشروا مقالتي هذه، بغض النظرعن الأسباب أو الدوافع، وليس لدي أي وهم في هذا الإطار، ولا يحتاج الأمر إلى أي تفسير بدءا وختاما من جانبكم، ومع تجديد أسفي العميق فإني أتساءل فقط عن دور الحوارالعلمي وتبادل الرأي في مجلتكم المحترمة، لأن هناك أشياء كثيرة محفزة تغري بالنقاش، وتستفز النقد والسؤال ومن شأن الاكتفاء بتقديم المواضيع التاريخية والقضايا المطروحة فقط وبالنسق الذي تُقدم به أن يفقر المجلة ويضيق أو يغلق الحيزأمام أبواب البحث والتساؤل والنقد البناء ( على أهمية الموضوعات والكتاب والكاتبات المحترمات والمحترمين ) …أما لماذا مراسلكتم أصلا بهذا المقال فمن باب المسؤولية التاريخية ورفع العتب الصادق من جانبي المتواضع، مع أن من أبجديات الفكرالديمقراطي الخلاق الحوار المؤسس والنقد المنهجي والحديث العلمي علاوة على حق الرد والتصحيح والتعقيب وتجاوز التبسيطية وداوئر المقاربة المتكلسة الضيقة (أقصد عند أهل الشأن والاختصاص طبعا ومن يعنيهم الأمر” إسألوا اهل الذكر ” لا كل من هب ودب ) ولا حاجة للتذكير بنسبية الحقيقة وانفتاح البحث التاريخي دائما على التيمات والقضايا المتعددة، والحقيقة التاريخية يجب أن تكون ديدن الجميع : باحثين …مثقفين… طلابا ..كتابا ومهتمين، وأنتم افتراضا أصحاب منبر ورقي محترم يطلق على نفسه عبارة ” المغرب كما كان ” ( و” كان” هنا تحتمل الزمان والحدث معا لا الزمان فقط ) أي هو حقل التاريخ وليس غيره، بما يطبعه من أحداث دالة وقضايا شائكة ومراحل مفصلية وشخصيات فاعلة أو منفعلة، ومن المحزن حقا أن يكون خطابكم دائريا وألا نلمح ولو شيئا قليلا من الحوارية في مجلة ” زمان ” عبر الانفتاح على الطاقات والأقلام الرصينة أولا ثم على القراء والمهتمين ثانيا، بعيدا عن الحلقية الضيقة والمنبرية الأحادية .
تاريخ المغرب هو ملك للمغاربة أو يجب أن يكون كذلك، لا أحد يدعي أو يملك حقوق تأليفه أومفاتيح دكاكينه أو أصله التجاري … ولا معيارتمييز في ذلك إلا نضج المعرفة وامتلاك أدوات وروح البحث العلمي المسؤول والإخلاص للموضوعية ( وعلى رأسها اعتماد الوثائق والإحالة إلى المصادر والمراجع ) ولن يتأتى ذلك إلا من خلال الدينامية الحوارية بين جميع المعنيين بحقل التاريخ الوطني المغربي، وبديهي أن الشعوب تقدمت وتتقدم بالنقد البناء والرأي والرأي الآخر ومن ثمة، قبول الحق في التعدد والاختلاف، وليس بالفكر أو الرأي الأحاديين.
انطلاقا من تراكماتنا المحترمة ولله الحمد ودون تواضع فضفاض، فلن يثنينا كل رغاء الواقع عن الاستمرار في العمل الثقافي والمساهمة في قراءة وإعادة كتابة تاريخ الوطن والبحث المتواصل، مهما كانت الظروف والعراقيل والمثبطات والحواجز والسدود والمتاريس، كما أن مغربا يتطلع افتراضا إلى غد يليق به، لا بد وأن يفتح ورش التاريخ الوطني، طال الزمان أم قصر لأن هذه حتمية الأشياء، وليس المهم مرة أخرى طبيعة “خط التحرير” الذي اعتمدتموه في المجلة الغراء (وهذا حقكم المشروع طبعا وليس من شأني مناقشته أوالاعتراض عليه )، مما يستلزم منكم ” فرزا معينا ” للكتاب والباحثين وهوأيضا من صلب حقوقكم ومحددات اشتغالكم كما لا يخفى، بقدر ما يهمني وأمثالي البحث التاريخي الرصين والنقاش العلمي الهادف والسؤال القلق وتقديم حقائق التاريخ للمجتمع أو على الأقل للمهتمين، مما يفترض دائما روحا جدلية ديمقراطية وصدرا رحبا لدى الطرف الآخر، هذا إذا رمنا الإخلاص للحقيقة لاأشياء أخرى وذلك اعتمادا على الوثيقة الأصيلة وفي أكثرتقديرعلى المقارنة والفحص والتركيب والاستنتاج المؤسس والنقد الداخلي والخارجي ….وتمييز الأصيل من المزيف وتمحيص آليات البحث نفسها لتجاوز الأعطاب وتأسيس خطاب تاريخي موضوعي وذي صدقية علمية ومنهجية ويحترم نفسه وقارئه ما أمكن.
إن الغياب الكلي للذات بالنسبة لحقول العلوم الإنسانية (ومنها حقل التاريخ) يبقى – كما نعلم – ضربا من الوهم الجميل والخيال المستحيل .من ثمة، فنسبية الحقيقة التاريخية مرهونة بشروط الزمان والمكان والإنسان، ومعها التجرد ما أمكن من تلك الذاتية نفسها، ولا نعيد مرة أخرى معزوفة ” التاريخ الذي يكتبه المنتصرون ” أو هو ” مجرد طريقة معينة في ترتيب الأرشيف ” حسب ميشل فوكو، خاصة إذا تناولنا فترات أو معالم أو أعلاما وشخصيات تنتمي لمناطق شُوهت ( للمجهول ) أو غيبت عن هذا التاريخ كتازة وأحوازها مثلا ..باعتبارها (على غراركل المناطق المظلومة والمهمشة في المغرب فهي نموذج فقط ) عانت ولعقود طويلة من الظلم والحيف على جميع المستويات وفي طليعتها التهميش الثقافي والمعرفي والتاريخي ( ولا نتحدث عن النهب والتدمير والتزييف الذي طال رأسمالها الرمزي، يكفي أن نذكرمثلا أن خزانة جامعها الأعظم قد نهب الكثير من محتوياتها وهي مغلقة أمام الباحثين وعموم طلبة تازة لحد الآن ودون وجه حق، وهذا شيء عجيب وغريب في مغرب اليوم بكل شعاراته الفضفاضة التي يكذبها الواقع المرير كل مرة ) بحسبان أن تاريخنا الرسمي تؤسسه في أغلب مفارزه ” العواصم الكبرى ” عبر صمت متواطئ شبه تام عن تاريخ المراكز المتوسطة أو الصغرى والبوادي ( ومن تلك المراكز مدينة تازة والأحواز) أو في أوفق الأحوال تعميم القراءة المتكلسة الملتبسة للتاريخ حول هذه المناطق حتى لا نقول المشبوهة تجنبا للحساسيات …وذلك بمختلف الطرق والوسائل والآليات، نستثني من هذا الوضع طبعا بعض الكتابات المونوغرافية الجادة هنا وهناك والتي استُبعدت لسبب أو لآخر من التاريخ العام للمغرب، إضافة إلى منابر مختصة معدودة .
أعتقد أن التوطئة كانت ضرورية حتى تكون رسالة مقالتي هذه هادفة وبناءة وواضحة ومفيدة وهذا هو الأهم، أتمنى أن يتسع لها صدركم، وباعتباري باحثا في تاريخ وتراث تازة عبر 32 سنة بالتمام والكمال ( بموازاة مع العمل الإعلامي ومواكبة قضايا وهموم إقليم تازة ) ومنذ أن كنا في مرحلة الطلب بالجامعة المغربية (حين كانت الجامعةُ جامعةً بالقوة والفعل )، وبغض النظر عن حظ هذا المقال من النشرأو انعدامه بمجلة ” زمان “، أرى من حقي ومن واجبي أيضا ومن حق منطقتي علي وواجبي عليها كذلك، أن أدلي ببعض الملاحظات المعرفية والمنهجية التي تتعلق بموضوع “برج البستيون بتازة …درع المغرب لصد خطر المشرق ” للأستاذ الكريم المحترم عبد المالك ناصري مشكورامسبقا وبحرارة صادقة، والمنشور بعدد مجلتكم ” زمان ” الثالث والثلاثين والمؤرخ بشهر يوليوز 2016 في إطار ركن المجلة ” ذاكرة مكان ” وعبر الصفحات 70- 71 -72 – 73 من نفس العدد الذي اقتنيته بالطبع، وسأظل فاعلا بإذن الله لأن المعرفة أعمق وأكبر من أي موقف كان فكريا أو سياسيا أو شخصيا.

في الموضوع والعنوان
ثمة التباس واضح يطرحه عنوان مقال المحترم الأستاذ عبد المالك “برج البستيون بتازة ” لسبب بسيط هو أن كلمة ” البستيون ” ذات الجذر الأعجمي نفسها تعني الموقع العسكري Bastion (النقطة القوية المحصنة ) فمن العبث تكرار نفس الدلالة في العنوان، إذ لا نستطيع أن نقول باللغة العربية مثلا ” برج الموقع العسكري تازة “، وحتى إذا ترجمناه إلى اللغة الفرنسية فلا يستقيم الأمردلاليا ومعرفيا La tour bastion de Taza ?! وأعتقد أن جملة ” برج تازة ” / ” حصن تازة ” أو ” بستيون تازة ” تفي بالغرض، وفي كل الأحوال فهو خطأ شبه شائع بين المهتمين والباحثين، سببه تحول الإسم المتمكن إلى إسم علم دال على مكان .
لا أدري ما نوعية الإشكال التاريخي الذي ابتغى الأستاذ المحترم تقديمه للباحثين وطرحه أمام المهتمين وقراء مجلة ” زمان”، هل هومجرد المعلومة التاريخية في حد ذاتها، أي استهداف التنويروالفائدة لمن لا يعرف حصن تازة ليس إلا ؟ أم إثارة الشكوك حول معلمة تاريخية معروفة بتازة (كما هي معروفة مثيلاتها بمدن مغربية أخرى) ؟ أم مشاغبة مسألة الأسرى المسيحيين الذين أمضوا أيامهم في الأبراج والحصون المغربية ومعيشهم اليومي المرير هناك ؟ أم تبخيس هذا المنجز السعدي الضخم بالنسبة لمدينة متوسطة كتازة ” لم تلعب ” وربما ” لا تستحق” – حسب البعض- إلا أدوارا هامشية في تاريخ المغرب ؟ (والعكس هو الصحيح للأسف الشديد وإلا ما كان لمؤرخ مغربي معروف هو محمد زنيبر أن يصف ممر تازة ب” الموقع الخطير ” و مسؤولية التأريخ ورد الاعتبارتقع على أبناء المنطقة بالدرجة الأولى ) أم نفي الدور الدفاعي لحصن تازة طيلة أواخر العصر السعدي ومعه العصر العلوي ؟ ( ” الحصن ” أقرب المفاهيم إلى التاريخ والمنطق والواقع – من وجهة نظري – ويجب تدقيقه مقارنة بمفهوم ” البرج ” ومفاهيم ” القصبة ” و” القلعة ” و” الرباط ” والأدوار التاريخية لكل منها ) هذه كلها أسئلة تبادرت إلى ذهني وأنا أتصفح وبتمعن ولعدة مرات تلافيف العمل المقدم من أستاذنا المحترم، فلم أستطع بكل صدق أن أصل إلى أي خيط رابط وبناء متماسك يجعل المقال التاريخي منسجما ومبنينا structuré، فالأستاذ الكريم بدأ بالحديث عن موقع حصن تازة أو بستيون تازة أي الجنوب الشرقي من الهضبة ( وهذا صحيح قطعا وواقعا ) أوجنوب شرق الصخرة التي تقوم عليها تازة العتيقة باعتباره جزءا من تحصينات المدينة المحيطة بها (ويذكرفيما يذكر برج سرازين/ البرج الملولب ولا أدري من أين أتى الكاتب بإسم ” برج النصارى” ) وهي تحصينات بشرية وطبيعية تحيط من ثلاث جهات بتازة العتيقة كالتضاريس والعلو والأسواروالأبراج إضافة إلى الخندق من الجهة الرابعة الجنوبية والمواجهة للأطلس المتوسط الشمالي والمتصلة به معا ، ويتعرض لدورالبستيون في الدفاع عن المدينة ومن ثمة، عن فاس وباقي البلاد باتجاه الشرق ( الشد والجذب مع الأتراك العثمانيين في هذه المرحلة التاريخية ) وبعض التفاصيل المتعلقة بمرافقه كالقاعة الكبرى والصهاريج والمصطبة وكوات المدافع ومقاسات الحصن ومواد البناء ( التراب المدكوك والحجر المشذب واللبن ) ثم انتقل إلى الحديث المسهب عن لغزتلك النقوش والرسوم الموجودة بداخله التي تمثل أحجارا منحوتة وخناجر وسفنا من نهايات العصور الوسطى ( تازة ليست مدينة بحرية كما هو معروف ) مستخلصا أن من رسمها هم الأسرى المسيحيون والمرتزقة والأفاقون المنحدرون من مناطق ساحلية بأوربا، والهدف هو محاربة الملل والسأم في أيام وليالي الأسر الطويلة الممضة، ويشرح الأدوار والوظائف والتي يحصرها في الدفاع عن المدينة ثم مراقبة المصادر المائية الموجودة في الحيز الشرقي لتازة ( دور المراقبة هنا غير دقيق في هذا المقال كما سنرى لا حقا ) ويؤكد أن البستيون بني على أنقاض حصن قروسطي مريني أو وطاسي على الأرجح مستشهدا بمسألة القصبة عند الحسن بن محمد الوزان الغرناطي الفاسي ( المعروف ب Leon l’Africain ليون الإفريقي ) وللعلم فإن المدى الزمني لكتابه المعروف ” وصف إفريقيا ” لا يتعدى الربع الأول من القرن السادس عشر( ألفه سنة 1526 بإيطاليا في حضن البابوية ) أي أنه – وهذه هنة واضحة في المقال – لم يعرف برج تازة أو البستيون لسبب بسيط هو أن البرج لم يكن قد بني بعد ونفس الشيء بالنسبة للإسباني مارمول كارباخال الذي عاش ومات بعده ( توفي سنة 1600) ولا ننسى حديث هذا الأخير عن قلعة جميلة دون أن يفلح في تحديد موقعها من قصبة أو مدينة تازة .
لست ادري هل حضرت عند صاحب المقال المفاهيم المهيكلة للتاريخ وهي : الزمان- المكان والإنسان، تحت طائلة تورطه في الفروض والاحتمالات والترجيحات مع ضعف الإحالات وتهلهل الاستنتاجات، فالملاحظ أن الأستاذ يميل لأول وهلة ( عبارة ” مما يوحي ” بناء على نصوص وإشارات سابقة ) إلى أن هذا البرج ( البناية المكعبة الشكل و المحصنة ) بني في منتصف القرن السادس عشر التي توافق فترة حكم محمد الشيخ السعدي من 1539 إلى1557 ومعه نحتت تسميته ” البستيون” وهي الفترة التي طبعت كلها بالاضطراب والصراع وانتهت باغتياله على يد جنود أتراك سنة 1557بالأطلس الكبيرقرب تارودانت تنكروا في جيشه، فأدى بذلك ثمن حميته الوطنية لرفضه الاعتراف بالخلافة العثمانية / ضرب السكة او الخطبة باسمهم، وتم البناء باستلهام للهندسة الإسبانية أو البرتغالية على صعيد التحصينات الدفاعية في بدايات العصرالحديث ويقصد صاحب المقال الفترة التي سبقت استيلاء السعديين على فاس ( قبل 1549 و1554 ) وحافز التصدي للمد العثماني من الشرق أي الجزائر الحالية والتي دخل باشواتها في سلسلة من المؤامرات ضد المغرب وصلت حد اجتياح الجيوش العثمانية شرق البلاد وحتى حاضرة فاس ( دور ابي حسون الوطاسي) مقابل إقتناع محمد الشيخ السعدي بأنه يمثل الخلافة الإسلامية الشرعية بالمغرب ورفضه للخلافة العثمانية بإسطامبول ومن ثمة، هجومه على تلمسان، لكن سرعان ما يعود أستاذنا المحترم إلى ما هومعلوم ومعروف في الكتابات التاريخية حول حصن تازة السعدي والمخزن السعدي، في تناقض واضح مع ما سبق أن خمنه إذ يقول بالحرف ( وهو الصحيح موضوعيا وتاريخيا ) ” ومن المحتمل أن محمد الشيخ لم يكن له الوقت لبناء برج من هذا النوع بعد استيلائه على فاس وتازة ” (ص 73 من مجلة ” زمان ” نفس المقال)،وهي عبارة منقولة حرفيا عن رأي مؤسس لكل من كومباردو وهنري باسي CAMPARDOU et Henri Basset في سلسلة الأرشيف البربري بالصفحة ARCHIVES Berbère p127 وهنا يلف كل هذه المسالك بعنوان يزيد الأمر غموضا على غموض ” أصول غامضة “أي ليس معروفا بالضبط من بنى برج أو حصن تازة ( هكذا وبكل بساطة ) فيقول بالحرف ” إضافة إلى أن المؤرخين المغاربة إذا استثنينا منهم الفشتالي لم يذكروا شيئا عن هذا البرج مما يجعل الأخبار عن مسالة الأصول مجرد تخمينات ” (ص 72 من نفس المقال).علما بأن الرأي السابق بارتباط مع فرضية البناء في النصف الأول من القرن 16منزوع من سياقه الأصلي، فلم يفصل صاحب المقال الفاضل في المرحلة الأساس ( وهي التي شرحها بشكل كاف كاتبا النص الأصلي الفرنسيان رغم التوجه الاستعماري لهذا النص الطويل المتعلق بحصن تازة وبعض الأخطاء هنا وهناك ) وهي المرحلة المتعلقة بالنصف الثاني من القرن 16 أي فترة حكم عبد الله الغالب ثم المتوكل فعبد الملك وأخيرا أحمد الملقب بالمنصور.
في تحول مفاجئ ولافت يخبرنا بأن احمد المنصور بعد الفوز في معركة واد المخازن، أصبح ندا للأتراك وأعاد النظر في استراتيجيته العسكرية وكانت تازة من المدن التي شملها مشروع إقامة الحصون الدفاعية الضخمة ( كذا ) فما هي المصادرأو المراجع ( حتى ) التي اعتمد عليها الأستاذ المحترم؟، ثم أليست تلك معلومات دالة وأخبار ثمينة عن الحصن ومؤسسه وأدواره خلافا لتخمينات الكاتب وشكوكه السابقة ؟ ليعرج في الأخير وبشكل جد مختزل على مصير البستيون خلال فترات م الرشيد وم إسماعيل وانتهاء بالروكي الجيلالي بن ادريس الزرهوني ( 1902المعروف في الأستغرافية الرسمية بنعت ” بوحمارة “وفي روايات أخرى ” بوحمالة “) مستخلصا تحولا كليا في دوره الدفاعي دون أن يوضح طبيعة الوظائف الأخرى في تلك الفترات وأشكال مكرها التاريخي، مقحما خرافة ” كنز بوحمارة ” المحتمل في هذا الحصن بناء على رواية شفوية أو تقليدية كما يقول ” غير أن ما تحتفظ به ذاكرته – أي البرج إياه- هو أن التاريخ العسكري لتازة على امتداد ثلاثة قرون يتمركز حول هذا البرج والذي وسم المدينة بسمة الحصن المنيع ” الكلام لصاحب المقال وهو نفس كلام الباحثين الفرنسيين المذكورين سابقا /الأرشيف البربري ص 135، هكذا ترك الأستاذ متصفح مقاله أو قارئه في حيرة من أمره وشك عارم غير مبرر علميا أو منهجيا حول المؤسس الحقيقي لهذه المعلمة بتازة وزمن تأسيسها، مع أن المصادروالمراجع كلها وبإجماع أصحابها تسجل المأثرة لأحمد السعدي الملقب بالمنصورفي حدود سنة 1582أو قبلها بقليل، ولا أدري سببا لذهول الأستاذ الباحث الكريم عن توثيق هذه الحقائق التاريخية، وضخم في المقابل حاجز الشك العقيم غير المؤسس، هذا الذهول الذي أدى – فيما أتصور – إلى تفكك منهجي واضح في مفارز المقال إضافة إلى عناصر اختلال أخرى، سنأتي على ذكرها أولا بأول .
طبعا لابد للباحث أن يتسلح بالشك المنهجي ليصل إلى الحقيقة ولو في نسبيتها، لكني أعتقد أن الشك يتحول إلى تشكيك في مثل المقام الذي نحن فيه والله أعلم، لأن الحقائق مبسوطة أمامنا ( في حالة حصن تازة ) وعلينا ربما أن نعالجها بمنظور تاريخي مختلف كأن نفتح النقاش في زوايا أخرى قد تكون مفيدة لنا وللقراء والمهتمين، حوار بناء مثلا حول كل مرافق تلك القصبة من تحصينات وأبواب ( أهمها باب القصبة وباب القبوروممر يعقوب المنصوروما يوجد تحت أنقاض القصبة والمراحل التاريخية لهذه الأخيرة وامتدادها المجالي )، وكذلك عبر مهام وأدواركل من البرج و القصبة ( ما تبقى منها ) وطرق البناء والمعمار والمقارنة بين حصن تازة مثلا وباقي الأبراج والحصون في فاس والعرائش ( هذا الأخير كان موجها أساسا ضد البرتغال الذين احتلوا عددا من المدن الساحلية وهو الأكثر شبها حسب كومباردو بحصن تازة ) ومن أبرزها البرج الشمالي والجنوبي لفاس، والإحالة إلى النصوص التاريخية ما آمكن دائما …
أكثر من هذا يفيد صاحب المقال بوضوح لم يوضح شيئا ” فليس هناك للأسف معطيات وافية قد تمكن من معرفة المؤسس الأول لهذا البرج ” دون أن يحدد هل المقصود البرج في ذاته أي البناية الضخمة المكعبة أم التحصينات الدفاعية المحيطة بها، وهي التي تشكل في مجموعها ( أي البرج والتحصينات ) حصن تازة، أم ما تبقى مما كان يسمى ب” قصبة تازا ” ( يطلق عليها المرحوم الفقيه المنوني قصبة تازة القديمة ) ومنه بابها الرابط بينها وبين المدينة غربا ( والذي يعود على الأرجح إلى العصر المريني وما زال موجودا لحد الآن لكن في حالة متردية ) وباب القبور المجاورله ، لا شيء من ذلك على الإطلاق والسؤال، كيف خلط الباحث المحترم بين كل تلك العناصرالتي تحتاج إلى فرز دقيق قبل التحليل وإصدار الأحكام ؟ السبب مرة أخرى بسيط نوعا ما وهو وجود الحصن أو البستيون داخل ما كان يسمى بقصبة تازة وهي سابقة عليه تاريخيا، وفرق كبير بين هذه وذاك، ثم إن مدينة تازة عموما تختزل العديد من المراحل والأزمنة من خلال آثارها المادية أو ما تبقى منها ، أخذا بعين الاعتبار حالات التخريب والهدم ثم إعادة البناء حسب الظروف والأزمات والحروب والكوارث المختلفة المتعاقبة على البلاد، فالأوفق والحالة هذه – من وجهة نظري – دراسة كل معلمة على حدة، والوقوف عليها وربطها بالسياق التاريخي وما كتب عنها ( إن وجد طبعا )، وما أثير حولها بما في ذلك البعد الطوبونيمي ( الأماكنية أو أسماء الأماكن ) وطريقة تعامل الساكنة والباحثين معها لحد الآن إلخ، حتى يتأتى لأي باحث الوصول إلى تركيب ممنهج وشامل يفيد القراء والباحثين ويطرح قضايا حيوية، ويعبد السبيل للمزيد من الأسئلة و البحث المستمر، أما الاكتفاء ببعض النصوص التاريخية المعزولة ( والسابقة عن المرحلة المعنية ) المعروفة على كل حال حول تازة وبناء استنتاجات وأحكام على أساسها قابلة للأخذ والرد، فإن الاختلال يصيب البناء المنهجي للخطاب التاريخي ككل .
عن المصادر والمراجع
ورد الحديث التاريخي عن حصن تازة في مصادر الفترة ثم إشارات هنا وهناك في ما بعدها ونذكرخصوصا كتاب ” مناهل الصفا ” للفشتالي وأيضا ” تاريخ الضعيف الرباطي ” الذي أتى بعده، هذا علاوة على عدد من المراجع المغربية والأجنبية ( فرنسية بالأساس وسنذكرها في هذا المقال ) يقول المؤرخ عبد العزيز الفشتالي من الصفحة 283 “وليس الحصن الذي اختص أيده الله تعالى ( يعني أحمد المنصور الذهبي )على بلاد تازى ببعيد من هذه الآثار الضخمة والحصون الفخمة تشييدا وتوطيدا ومنعة وتحصينا ” والغريب أن كاتب المقال ضرب صفحا عن هذا النص الهام ( رغم طابعه السلطاني الرسمي ) وهو يعد النواة الصلبة للوثيقة أو للرواية التاريخية حول حصن تازة، واكتفى بالإشارة إلى مصدره بعد نهاية المقال أي ” مناهل الصفا في مآثيرموالينا الشرفا ” والأغرب من هذا أن تلك الأوصاف تنطبق حقيقة وواقعا على حصن تازة ولم يك الفشتالي في كل الأحوال كاذبا آو مبالغا !!!!! فهو ضخم البناء فعلا موطد ومنيع على كل من أراد هدمه أو النيل منه ومحصن من كل جهاته، في حين أورد في المقال نصوصا ثلاثة لايوجد بينها وبين حصن تازة إلا الخير والإحسان، لأنها تتحدث عن نهر صغير يمر بالمدينة ومعاناة ساكنتها حين يقطعه الجبليون عنها ثم عن ” قصبة جميلة “أو ” قلعة جميلة بتازا”،( علما بأن كاربخال نقل عن الوزان بإجماع كل الباحثين ) ولا وجود، أقول: لا وجود إطلاقا لكلمة آو لشيء إسمه ” البرج ” أو” حصن تازا ” أو ” البستيون ” واكتفى الأستاذ عبد المالك بما ورد في وثيقة الأرشيف البربري ” ARCHIVES Berbères “الفرنسي رغم وجود بعض الأخطاء به ، ونقل أو انتزع فقرات من سياقها الموضوعي.
لقد ورد نعت البستيون عند الضعيف ( مما يدل على أن الإسم الأوربي أطلق في نفس فترة البناء أو بعدها بقليل وأنه كان معروفا في حقبة الضعيف أي نهاية ق 18 وبداية 19) في معرض حديثه عن حركات المولى الرشيد مؤسس الدولة العلوية عبر المنطقة الشمالية الشرقية وتمرد أبناء المولى امحمد عليه بعد مقتل أبيهم، ولما انتصر عليهم الرشيد ” أتى – والكلام للضعيف – بابن أخيه سيدي محمد بن امحمد وبإخوانه وسجنهم بتازا في البستيون إلى أن بعث إليهم من قتلهم ” تاريخ الضعيف ص 44.
هما نصان تاريخيان وردا عبر مصدرين يعدان من أبرز مصادر تاريخ المغرب للقرنين السادس والسابع عشرثم الثامن والتاسع عشر ( بالنسبة للضعيف الرباطي) ، أحدهما يعرف بوضوح بما سماه ” حصن تازى ” ومؤسسه أحمد المنصور السعدي والآخريعرج عليه في سياق تاريخي انتقالي ملتبس ويتعلق الأمر بمرحلة تأسيس الدولة العلوية على يد المولى الرشيد وتحول دور البستيون من فضاء دفاعي عسكري إلى سجن للمعارضين في ذلك الوقت ، وسنفصل الأمر طبعا في المحور الأخير لهذا المقال، بديهي أن هناك مصادر أخرى لم تشر من قريب أو بعيد لبستيون تازا ك” نزهة الحادي” لمحمد الصغير الإيفراني ( المتوفى سنة1744 أي بعد الفشتالي بكثير) والذي فصل مع ذلك في بستيوني فاس ( سماهما أيضا المعقلين ) أو برجيها الشمالي والجنوبي وهما الصرحان المفترض تشابههما مع برج تازة وكتاب ” نشر المثاني ” للقادري (وهو من المصادر المتأخرة إضافة إلى تاريخ الضعيف الرباطي ) أما كتاب ” تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية ” لمؤرخ مجهول معاصر لتلك الفترة فصاحبه متحامل عموما على أسرة السعديين وخاصة أحمد المنصور، ومن باب المنطق و تحصيل الحاصل ألا يذكر الكثير عن منجزاتهم ومآثرهم كصناعة السكر وذهب السودان والحصون الدفاعية واسترجاع بعض الثغور المحتلة (مع اعترافه بانتصارهم في معركة واد المخازن ) فأحرى أن يذكر حصن تازى كمنجز سعدي معترف به في كل الأحوال، وغيرهذه المصادر للعصر السعدي هناك كتب المناقب والأعلام كدوحة الناشر ومناقب الحظيكي ونيل الابتهاج لأحمد بابا التمبوكتي وهي عبارة في الغالب عن سير لصلحاء المغرب وليس فيها الشيء الكثير عن العمران ومآثر السلاطين والملوك السعديين.
أعتقد إذن أن ورود ” حصن تازة ” بالتفصيل أو الإجمال في مصدرين تاريخيين هامين للفترة وما سجل من بعض الإشارات في المصادر المتأخرة ونقوش وكتابات الأسرى مقنع منهجيا ومعرفيا – في تقديري – للباحثين والمهتمين إلى إشعار آخر، مادام هناك توافق تام بين الوثائق المكتوبة ( المصادر ) والمادية ( أي الآثار ) والأمرموكول في كل الأحوال إلى جهود هؤلاء في التنقيب والبحث المستمر والحفر المتواصل، علاوة على ما ورد في المراجع وما يثبته واقع حال المآثر التاريخية بتازة كنمط البناء ومواده وطريقته والنقوش والكتابات مثلا ولم لاعقد المقارنة بين البنايات المتشابهة التي أسست في نفس الفترة إلخ .
يمكن الاستئناس أيضا بالمراجع المختلفة لفرنسيين ومغاربة بقصد إغناء البحث وفتح مزيد من آفاقه المعرفية والمنهجية، ومن المهم الاسترشاد بكتابات عبد الكريم كريم حول الدولة السعدية وابراهيم حركات ومحمد حجي ( موسوعة أعلام المغرب – الحركة الفكرية في عهد الدولة السعدية ) وعبد العزيز بن عبد الله ومحمد بن تاويت التطواني وعبد المجيد قدوري وعبد الرحمان المودن على سبيل المثال لا الحصر أما الفرنسيون فهناك Henri Basset و BenoitوM . Marçaitو Voinot وH.Terrasse وغيرهم ممن كتب عن حصن تازة ويمكن التعامل الموضوعي وبأفق نقدي طبعا مع ما خلفوه لنا حول مآثرنا ورأسمالنا الرمزي .
لقد سبق أن تعرضنا باقتضاب غير مخل لحصن تازة السعدي في كتابنا ” تازة بين القرنين 15 و20 / الوظائف والأدوار ” الصادر سنة 2014 عن منشورات ومضة بطنجة، وهو يعد باكورة الكتابة التاريخية المنوغرافية حول تازة وأحوازها، بعد ركود وجمود ممتدين عقيمين ، حيث لم تعرف الخزانة التاريخية بصدد المنطقة أي تراكم يذكر باستثناء ما كتب حول بعض أعلامها وآثارها، وهاقد جاءت الفرصة من جديد للحديث بشيء من التفصيل حول معلمة حصن تازة السعدي، والفضل لمقال الأستاذ ناصري ولمجلة ” زمان ” علما بأن هناك عدة زوايا يمكن تناول الموضوع عبرها .
وعود على بدء، ينحو بنا النظر في المقال المعني نحو التساؤل التالي : إلى أي حد تطابقت مصادر الكاتب مع الفترة التاريخية التي تعود إليها معلمة البستيون ؟ ولا نتحدث هنا عن تطابقها مع حصن تازة كما وجد ويوجد في واقعه التاريخي والفعلي ( الحالي )، لعل في الإشارات السابقة بعض الإجابة، فالاستشهاد بنصوص الحسن بن محمد الوزان ومارمول كاربخال لا يعني الشيء الكثير- من وجهة نظري – بل ربما أفضت تلك النصوص المنزوعة من سياقها إلى العكس تماما أي إلى البلبلة التي شرحت بعض تفاصيلها سابقا، لعل قلة أو ندرة ما كتب حول حصن تازة في مصادر الفترة لا تعد حجة للرجوع إلى مصادر سابقة عليها، لأن هذه الأخيرة محكومة هي أيضا بشروط الزمان والمكان والإنسان ومنها على سبيل المثال لا الحصر : غموض الفترة الوطاسية – ظروف وشروط الكتابة التاريخية عند الوزان وكارباخال – وجود قصبة ” قديمة ” جنوب شرق تازة العتيقة لا علاقة لها بالبرج – تعرض المغرب للغزو الإيبيري ثم التحدي العثماني – عدم بناء البستيون بعد – أوضاع البلاد خلال عهد الوطاسيين والصراع مع السعديين الصاعدين من الجنوب – خلط كاربخال بين القصر المريني بموازاة الملاح مع المسجد الأعظم أي الحي الشمالي من جهة وقصبة تازة البعيدة نسبيا عنه في الحي الجنوبي من جهة أخرى، فضلا عن كل هذا فالنص الخاص بمراقبة عيون الماء للوزان لا علاقة له ببرج تازة أو حصنها بل هويتناول أزمة المياه التي كانت تعانيها ساكنة تازة عند قطع المادة الحيوية من طرف القبيلة المحيطة بالمدينة، فالماء كان ينحدر من منابع الأطلس المتوسط الشمالي ونقصد عين راس الماء بالأساس وكانت هناك إلى حدود فترة المولى إسماعيل شبكة قنوات متكاملة ( بمعيار ذلك الزمن ) وخزان بزنقة سيدي علي الدرار لتوزيع تلك المياه على الدور والمرافق والمساجد والحمامات وغيرها، أما المنطقة المذكورة والتي تحضن حصن تازة ومعها المناطق المجاورة فلم تكن تمد تازة قديما بأي مياه اللهم إذا استثنينا سقي الحقول والضياع التي كانت توجد على ضفاف واد الدفالي والمسماة الآن تازة السفلى وحتى افتراض استفادة الناس منها أيام الأزمات يبقى ضعيفا لجهة الحصارالذي عادة ما يكون شاملا وخانقا، نعم هناك وظيفة المراقبة التي أضيفت إلى المدافعة والحماية تجاه أي عنصرمعاد يأتي من الشرق وإلى حدود حوض بولجراف ولكن ليس بالضرورة أن تكون مراقبة المياه بل الاستنتاج القوي هو أن تكون الوظيفة أمنية عسكرية معا أي ردع ورد كل عنصر معاد يأتي من الشرق والجنوب الشرقي .
نعم يمكن أن يكون المصدران أي ” وصف إفريقيا ” و” إفريقيا ” للوزان وكاربخال مفيدين جدا في ميدان الـتأريخ مثلا لمدينة تازة وأحوالها في أواخر العصر المريني ثم العصر الوطاسي، أو في مجال التعريف ب” قصبة تازة ” المحيطة ببرجها /البستيون الذي بني بعدها بزمن طويل والتي ذكرتها هي نفسها ( القصبة ) أي تلك المصادر أو ذينك المصدران، أما إسقاط نصوصهما على الفترة اللاحقة وهي التي شهدت بناء البرج ( أواخر القرن 16 ) فهو شيء لا يستقيم ودقة الأفق التاريخي ومنهج التناول البحثي، دون أن ننفي طبعا نبل الغاية العلمية والمعرفية عند صاحب المقال، الغريب أن المعلومات القيمة والمعروفة في أغلبها حول البستيون كالوظيفة العسكرية وخطة التصدي للأتراك من الشرق واستراتيجية السلطان حمد المنصور، لم يُحِل فيها الباحث على المصادر أو المراجع، اللهم ما كان من الإحالات العامة في آخر المقال ويبدو أن الكاتب استعاض أو سها ( سقط سهوا ) ربما عن مختلف ما كتب قديما وحديثا حول برج تازة بارتباط مع تاريخ المدينة والبلاد واكتفى بوثيقة ” Année1918-les archives Berbères V 3 ” ونطرح التساؤل هنا مرة أخرى: هل الاقتصار على ثلاثة مصادرومراجع ( من مجموع أربعة ) في الإحالات، إثنان منها انزاحا عن المقاصد ( بتعبير العلامة ابن خلدون) كاف من جهته لتعليل وتأكيد استنتاجات الكاتب وافتراضاته حول برج تازة ؟ أترك الإجابة المقنعة لمن يعنيه الأمر أولا وأخيرا ولعموم الباحثين والمهتمين .

المنشآت والوظائف
من الأوفق والضروري معا وتأسيسا على الإحالات المصدرية والمادية (الماثلة أمامنا ) التفريق بين” حصن تازة ” و” برج تازة ” أي البستيون، و” قصبة تازة ” ( التي تحدث عنها الوزان ونقل عنه كارباخال ) فالأول/ الحصن أشمل وأوسع من الثاني مجالا وأعمقه زمنا، ويفترض أن يعود إلى العصر المريني الأول إن لم نقل : إن إشارات تاريخية تُرجع أصله وبناءه الأول إلى العصر الموحدي ( ق 12 م ) مع عبد المومن بن علي الذي وصل إلى موقع تازة عبر الجبل وحصنه بدءا من سنة 529 هجرية، فأصبح يسمى رباط تازا ( البيدق – عبد الواحد المراكشي – ابن أبي زرع – الزياني – الناصري ) وعززه سلاطين وأمراء بني مرين، بعد ذلك، إذ أصبحت تازة منطلقا لعملياتهم العسكرية مدة غير يسيرة من الزمن بهدف إخضاع فاس، ثم قاعدة للانطلاق نحو تلمسان ومن ثمة، محاولة السيطرة على المغربين الأوسط والأدنى ( خاصة مع السلطانين أبي يعقوب يوسف وأبي الحسن المرينيين ) وتعمق الدور الاستراتيجي لمدينة تازة عبر الصراع مع بني عبد الواد سلالة يغمراسن بن زيان بتلمسان، حيث حمى موقع تازة ظهور بني مرين في هذا الصراع الطويل المنهك للطرفين معا ، وفي فترتي الموحدين وبني مرين كان مركز تازة الأصل حول الجامع الكبير أي الحي الشمالي ونفترض أن التحصينات امتدت إلى موقع القصبة والحي الجنوبي الذي انتقل إليه مركز تازة مع الوطاسيين ثم المولى الرشيد العلوي .
استمر نفس الدور عبر المراحل التاريخية وما طبعها من منعطفات وثورات وأزمات وحروب أهلية وخارجية وحركات مختلفة في ومن خلال ممر تازة، ولن نستفيض أكثر لأن هذا يمكن أن يكون مجالا لمقالات أخرى، ويشمل حصن تازة كلا من البرج ( الذي يفترض أن يتناوله صاحب المقال) أي البستيون زائد التحصينات والأسوار والأبواب وما تبقى من الأبراج الحربية الأقل شأنا، وهي تختزل مراحل وحقبا زمنية متعددة تماما كالطبقات الجيولوجية للأرض ، وقد قصد الفشتالي البرج فعلا لما تحدث عن الحصن بدليل الصلابة والحصانة والقوة التي تخص البناء المكعب .
مسالة ” قصبة تازة ” لم ترد في حدود علمي إلا عند الوزان والفقيه المنوني وهناك البوابة الغربية وهي البوابة الأثرية التي تسمى ” باب القصبة ” لحد الآن، وفي التحديد المفاهيمي فإن القصبة أصلا منشاة عسكرية مغاربية تمثل نواة المدن العتيقة وتحاط بأسوار منيعة عادة، وقد تكون تلك القصبات مستقلة او خارج المدن ونماذجها القصبات الإسماعيلية، ومع مرور الزمن أصبحت تعني البعدين معا: المدني والعسكري ثم الإداري، فقد تحتوي إقامة الأمير أو قائد العسكرأو الوالي/ العامل، ومن تحصيل الحاصل أن تشمل القصبة مسجدا أو زاوية أو مدرسة دينية، ولا سيما عندما تراجع دورها العسكري مع الأيام ( قصبة طنجة – قصبة الجزائر …) وفي مواقعها الأمامية تنتصب الأبراج الدفاعية لتحمل القصبات خصائصها مع مميزات الحصون الحربية، وتأخذ القصبة آو البرج أيضا وفي بعض المدن والأماكن طابع القلاع الحربية ( البرجان الشمالي والجنوبي بفاس وقصبة بن حدوبالجنوب ) .
إن البرج عموما هوالموقع العسكري المحصن، فكيف نحدد أو نعرف برج تازة / بستيون تازة ؟ نقول بوضوح : هو البناية المكعبة الشكل المحصنة بالمدفعية ( بالنسبة لبستيون تازة هناك 13 غرفة للرماية ) والبالغة مساحتها الإجمالية ( دون الحصن والقصبة ) 689 م 2 وطول أضلاعها 26 مترا وعلوها بين 13 و20 مترا وبها ممر يصل طوله 5 أمتار، وسمك حيطان البرج يبلغ 3 أمتار في المتوسط، أما سطحه فيصل مستوى علوه عن القاعدة إلى 8 أمتار ويشتمل البرج على عدة مستودعات للزاد وخزانات الماء والعتاد الحربي، وتصل مواقع التصويب والضرب إلى 7 وبشكل يسمح بتصويب المدفع أو سلاح النار في ثلاثة اتجاهات حول حصن تازة، وبداخله سارية كبرى يطلق عليها لحد الآن ” سارية السبع “وطولها 8 أمتار و40 س وعرضها 6أمتار و90 س وكان من مهامها حفظ المؤونة والعتاد للحامية المتمركزة في الحصن وينتهي في الأعلى ببرجين صغيرين أقصى اليمين والشمال.
بني برج تازة بالتراب المدكوك ثم الطابية والحجر المشذب واللبن أو الجيرفي الأصل وهي من أبرز مواد البناء في المنشآت السعدية كأسوار تارودانت وقصر البديع وبرجي فاس، وأكثر البناء من الطابية وليس من المستبعد وجود تاثيرات أندلسية إضافة إلى تلك الإيبيرية في طريقة البناء ومواده وهندسته، وهو واحد من 14 برجا موزعة بين العرائش وتازة وفاس ومراكش، تقطنها الحاميات العسكرية وقد بناها كما قلنا الأسرى المسيحيون الشيء الذي كان معمولا به في ذلك الزمن، وعند جميع الشعوب على مستوى الصراعات والحروب خاصة .
يمكن تقديم وظيفة المنشأة في الأصل بأنها حماية الأجزاء الشرقية والجنوبية الشرقية من تازة واستراتيجيا، حماية الطريق الشهير الرابط بين فاس وتلمسان في موقع تازة الذي شبهه البعض ب” الترس الواقي ” من الهجمات، وهو الذي يصل المغرب بالجزائر والشرق بالغرب، وقد سعت جميع الدول والحركات السياسية والدينية والقبلية للسيطرة عليه منذ فجر التاريخ الإسلامي على الأقل، وأمام التقدم الحاصل في مجال الأسلحة التقليدية والزحف التدريجي للآلة وظهور وتطور صناعة المدافع (عند السعديين والأوربيين والعثمانيين على حد سواء) في بدايات العصر الحديث، وبسبب تراجع الدور التقليدي للأسوار والأبراج القديمة في التصدي للجيوش الزاحفة، لا سيما تلك الأبراج الضخمة المزودة بسلاح المدفعية، فقد تعززت الأسوار المحتضنة للمدن والقصبات بأبنية مجهزة لمقاومة وردع سلاح المدفعية وبنفس السلاح، وهكذا خصصت طوابق برج تازة -بغرف رمايته – لسلاح المدفعية آو الطبيجية، بينما استأثر سلاح المشاة بالساحة العليا للبستيون، ووظيفة المراقبة لها أهميتها أيضا لكن ليس على العيون ومصادر المياه في هذا الحيز الجنوبي الشرقي من تازة كما جاء في المقال، إنما هي مراقبة ذات طابع عسكري أمني بالأساس ومعروف أن منابع المياه بتازة تأتيها من عين راس الماء وواد تازة إلى الجنوب الغربي وهي المنابع المقصودة في نص الحسن الوزان .
بجانب المراقبة الأمنية والحماية المسلحة الصارمة بدأ عمل المنشأة كسجن للأسرى أوالمغضوب عليهم أيضا، منذ تشييده على يد الأسرى الأوربيين ومن هؤلاء كذلك من جندوا بين العلوج البرتغاليين والإسبان في جيش المنصور، الشيء الذي سنعرضه في المحطات التاريخية، وكون الحيز الجنوبي الشرقي لتازة العتيقة ضعيف الحماية مسألة فيها نظر، إن لم نقل إنها غير دقيقة، بسبب انحدار الهضبة أولا، مما يشكل مناعة طبيعية على نحو نسبي ضد كل غزومحتمل من الشرق و ثانيا، يحتل البرج ومعه الحصن والقصبة نقطة تقاطع بين مجال تازة الجنوبي المكشوف من ناحية، وحيزه الشرقي المنحدر المحصن من ناحية ثانية، نعم إن الحيز الجنوبي لتازة المواجه لجبال الأطلس المتوسط يشكل نقطة الضعف الأساسية والوحيدة بالنسبة لموقع المدينة العتيقة، ولذلك حُفر الخندق الدفاعي وهو الذي يعود إلى العصر المريني و ما زال موجودا لحد الآن ( وإن بدأت تطمرالأتربة والنفايات بعض أجزائه في إهمال واضح من طرف الجهات المعنية ) بموازاة السور المريني المزدوج في بعض الأماكن، والحاصل أن وجود البرج ضمن جهة حساسة تاريخيا واستراتيجيا يعضد الوظيفة الأصل المتعلقة بسلاح المدفعية وحراسة المدخل الشرقي للمدينة وطريق امسون – جرسيف – وجدة فضلا عن اتجاه سيدي حمو مفتاح، ومنحدر جنان البردعي، فالوظيفة في البداية كانت عسكرية أمنية بالدرجة الأولى، لكنها شهدت تحولات معينة وفقا لمراحل التاريخ ومنعطفاته المختلفة .
نعيد التذكيربأنه بعد معركة وادي المخازن وخاصة إثر توتر مفاجئ في علاقة المنصور بالدولة العثمانية، بنيت شبكة الأبراج ومنها برج تازة، ونظرا لمايمكن وصفه ب” مكر التاريخ ” لم يعد العثمانيون يشكلون خطرا فعليا على المنطقة الممتدة بين تاوريرت وحوض ملوية من جهة، وتازة وفاس وباقي المغرب من جهة أخرى وهذا مرتبط بالبعد التاريخي المتعلق بفترة حكم السعديين: محمد الشيخ – عبد الله الغالب وخاصة ما بعد معركة وادي المخازن التي جرت كما هو معروف قرب القصر الكبير في 4غشت 1578 و انتصر فيها المغاربة على البرتغال وغيرت وجه التاريخ ككل.
(يتبع..)



