السيتي

رواية”بقايا أحلام” – دراسة نقدية (ج3/1)

قراءة نقدية للديوان الشعري **بقايا أحلام ** للشاعر عمر الصديقي  

farhan

صدر الديوان الشعري ” بقايا أحلام ” عن منشورات ومضة / طنجة للشاعر :عمر الصديقي .. تشكلت قصائد الديوان في طبعة جميلة وأنيقة جداً ساهمت في جماليتها أياد فنانة كثيرة .. فاز هذا الديوان بالجائزة الأولى لمسابقة تازة الشاعرة ،دورة 2012 المنظمة من طرف منشورات مرايا وشبكة تازة التنموية .. يتكون هذا الديوان الشعري من 28 قصيدة متفاوتة الطول .. يبلغ عدد صفحات الكتاب ثلاثة وأربعون صفحة تقريباً ..

1 ـــ دلالة العنوان : بقايا أحـــــلام

اختار الشاعر عنوان ديوانه / بقايا أحلام / جملة اسمية مكونة من كلمة / بقايا /وكلمة / أحلام / فما هي دلالة / بقايا / ؟ كلمة حددت حضور جزء أو أجزاء من الكل ، أي حضور الجزء دون الكل . أما كلمة / أحلام / فقد جاءت نكرة ،فاقدة للتعريف ، مما يدل على أنها أحلام متعددة ومتنوعة ، أحلام لا يعرفها كل الناس .. هي أحلام تلتصق بالشاعر : حياته ، محيطه ، تكوينه ، تجربته ، ثقافته ، عواطفه ، مزاجه ، موقفه الثابت من الحب في الحياة ..

دون شك أنها أحلام كانت ساكنة في عمق الذاكرة، قد أصابها النسيان والغياب ، فانمحت مع تآكل الأيام ،فما تبقى منها في الذاكرة  أصبحت مجزأة ومتباعدة كجزر تفصلها حدود جغرافية ، فأخذت صفة التشتت .. فضمت كل جزيرة بقايا أحلام حية .. فعندما نقرأ قصائد الديوان كلها نجدها فعلا أنها ” بقايا أحلام ” كانت مشتتة عبر الماضي والحاضر ،ولكن الشاعر استطاع  أن ينظمها ويرتبها في قصائد شعرية تناسقت وترابطت في القول الشعري ،فاستيقظت تلك الأحلام كبديل عن الأحلام القديمة المتلاشية على شكل نهر متدفق ،  يقرع الأجراس في كل مكان وزمان  لاستجلائها، والكشف عنها بانفعال حاد وتغني مغرق في الجنون والهذيان الفطري والتلقائي ، باحثاً عن ذاته وتحقيق قدر من التوازن النفسي في ظل عالم يتسم بالشرخ والفوضى في القيم الإنسانية ..

أحلام كثيرة غابت واحتجبت قد يعتريها الإتلاف والتشكل في صيغ أخرى ، وقد تنقصها الدقائق والتفاصيل بفعل النسيان ، فهو لم يغربل ما يوجد في ذاكرته من أحلام ، بل هناك عامل الزمن الذي قام بهذه الغربلة ، والتي هي خارجة بدورها عن سلطة الشاعر ، فما بقي من أحلامه إلا ما يمس ذاته ونفسيته ، ما هو قابل للبوح والإفصاح ،ما هو قابل للتعبير عنه ، وما هو تارك فيه أثراً كبيراً .. أما الأحلام المنسية أو التي تناساها الشاعر عمداً إما لصعوبة التعبير عنها ،وإما لكون طبيعتها تعتبر من المسكوت عنه ..

فهل التزم الشاعر بالإفصاح عن كل ما تبقى من أحلامه ؟ أو أنه اكتفى بالإشارة عن بعضها  ، فعبر ضمنياً عنها بين ثنايا قصائده ؟ عن أي أحلام يتكلم الشاعر ؟ وقد قال ابن سينا قديماً ” الصراع النفسي الناتج عن حرمان الشاعر من إشباع حاجته تنتج حالة من عدم التوازن النفسي والتوتر تدفعه إلى البحث عن وسيلة تعيد له توازنه وتخفض توتره وتشبع حاجاته ” والتعويض عن حالة التوازن النفسي والاجتماعي والوجداني / العاطفي لا يتأتى إلا عن طريق الإبداع القولي / الشعري ..

من خلال قراءتي لكل قصائد الديوان تبين لي أن هذا الشاعر الشاب موهوب ،مشاغب للكلمة الشعرية،ومفـتق للمعاني والدلالات التي تتساوق مع غرض الغزل الذي اختاره كتيمة جامعة للديوان .. فقد أغرق الشاعر عمر الصديقي قصائده بغـزل نقي وشفاف ، غزل غير جارح ولا فاحش .. فكل قصائده تتأرجح بين الذات الشاعرة المهمومة ، المنهكة ، المتعبة ، المتوترة والمنفعلة ، والذات الأخرى / الأنثى  التي تغيرت بتغير الظروف في العصر الحالي .. ومع ذلك استطاع أن يبوئها مكانة اجتماعية متميزة كفاعل مهم  في إكمال دورة الحياة ..

شاعر يقد من شعوره ، ويغرف من عاطفته الفوارة ، ويوقظ أحاسيسه الفياضة فرسم لنفسه وذاته منهجاً لا يمكن أن يحيد عنه ، منهجاً مبني على دعائم زمنية :  الماضي والحاضر والمستقبل .. فمن خلال هذه الدعائم بنى عالمه الشعري المتفرد في الكون ، عالم الحب والعشق الذي لا يتقيد بمكان وزمان ، فكل الفضاءات متاحة للتغني بهذا الحب ، وكل الأوقات تغري بالإعلان عن ولادة الحب في النفس والذات ..

إن عالم الحب والعشق مفتوح ومباح لكل محب وعاشق ، فهو يعيش في عالم بدون جزر ولا فواصل بينها ،أي بدون حدود .. ومن تم وجه ذاته الفردية المؤمنة  بفضيلة الحب  في وجه الذات الجماعية ، فكانت أول قصيدة في الديوان تحت عنوان : / الحب أسمى الفضائل / يقول الشاعر :

ـــ اكتشف الإنسان / سر النار والكبريت / وعود الثقاب / وطريق الحرير إلى العطر والتوابل ./

اكتشف نار العشق / وتاء التأنيث / وحضارة بابل /

إلى أن يقول في آخر القصيدة :

واكتشف / نون النسوة الحبلى بالأسرار / واكتشف أن الحب / من أسمى …/ أسمى الفضائل .

فشعر عمر الصديقي يشبه نوعاً من الحلم الذي يحمل في طياته حياة إنسانية تتشكل من ذات الرجل والمرأة التي لولاها لما عرف الإنسان الأول النار والعطر والتوابل ، إنها الإنسان الوحيد الذي يفهم الرجل لأنها حمالة لأسراره ..

فعشق الشاعر ليس عابراً وإنما هو عشق أبدي ، وحب أزلي لا يمكن أن يتجزأ مهما تغيرت الظروف ومهما طرأت العوائق .. فموقفه درامي حاد يتجلى في الاعتداد بذاته الشقية ، الجريئة ، الملحاحة التي تقف في وجه الذات المستبدة الطاغية التي لا تعرف معنى الحب والعشق الأبدي ، فجاءت كل قصائده غزلية متمردة عنيفة غير متساهلة مع من ينكر هذه العاطفة السامية ألا وهو : الحب ..

قصائد عمر الصديقي حارقة وحارة كالفلفل الأحمر الذي كلما نهشته يفوح لذة ويحفز على متابعة الأكل/ القراءة ، قصائده تتماوج بين خطاب التوتر والانفعال وبين خطاب الدفاع عن النفس وإبعاد اللوم والعتاب عن نفسه تارة بحجج يستقيها من التاريخ وتارة من وجود المرأة في المجتمع وتارة أخرى من فرط بسط الحب سلطته عليه .. ..

لكن .. منذ بداية كتابة هذه السطور والسؤال ينز في ذهني : لماذا اختار الشاعر عمر الصديقي تيمة الحب في ديوانه دون أغراض أخرى على خلفية من يقول : لقد ولى زمن الغزل في العصر الحاضر بدعوى أن المرأة  أصبحت تعيش مع الرجل في البيت وفي الشارع والعمل والحافلة واللقاءات والمنتديات الرياضية .. فقد تحررت المرأة من قيود ظلت تكافح من أجل خلعها ،  فدخلت ميدان العمل والبيع والشراء … فالرجل  يراها في كل زمان ومكان ،وهو لم يجد صعوبة في مخاطبتها والتقرب منها .. ..؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال نلقي نظرة تاريخية ــ وبعجالة ـــ عن فن الغزل ، فشعر الغزل وجد منذ وجد الإنسان بعاطفته ، حيث كان الشاعر العربي يسجل عواطفه تجاه من یحب بقلبه الملتاع  وفؤاده المكتوي بنار الحب والعشق ، كما يسجل روحه الحیرى وفكره المشغول وعقله  المسلوب من شدة الوجد والوله والحب القاتل ، شعر غزلي وجداني يمثل طبیعة النفس العربیة النبیلة العفیفة فھو بعید عن التبذل والتفسخ الخلقي ، وقد عرف الشعر العربي على مدى العصور والأزمنة روائع شعریة عدیدة قیلت في الحب والغزل والوقوف على أطلال الحبیبة . وفي العصر الأموي خاصة انتشر الغزل العذري ممثلاً بجمیل بن معمر وھو غزل طاهر عفیف یصور الحب الجارف القوي الشدید ومكابدة العشاق لأوجاعھم في ألم البعاد عن الحبیبة .

أما في العصر الحدیث والمعاصر فهناك من يشكك في وجود غزل وجداني صادق ، فشعراء العصر الحدیث ساروا على  شعراء الغزل القدامى في الوصف والتغني بجمال جسد المرأة ومحاسنھا ، فحاولوا أن يكيفوا شكل شعر الحب والغزل بما يناسب العصر ومتطلبات الحیاة الیومیة وحالات المتجمع وتطوره  ..

 يقول الكاتب  فالح الحجیة :” فلم تعد ھناك جدران تفصل بین المحبین، ولم تعد ھناك أشواق إنسانة ممنوعة وبعیدة عنه  ولا حیلة له للالتقاء بھا، ولم تعد ھناك لوعة شوق أو مشاعر حب تفیض عن الحد فتولد شعرا یتفجر من الشوق وتولده معاناة الفراق و الحرمان.

معنى ذلك أن الكاتب لا يثق في شعراء الغزل الذين يعيشون في العصر الحاضر ، وأن الشاعر المعاصر لم یعرف معنى الوجد أو الوله القاتل مثلما كان الشعراء القدامى یعرفون .

ويقول في موضع آخر من مقاله : ” وأصبح العشاق الجدد یحجبون عن قول الشعر ویكتفون بإرسال أغنیة جاهزة، أو قول منقول من تلفاز أو ستلایت أو كتاب وغيره ، أي أصبحت مساحة الحب في قلب المحب قلیلة فلا تسیطر على كل أشواقه وعواطفه  . وفي قصیدة النثر التي انتشرت كثیرا في ھذا العصر شاع ما یسمى بالغزل المكتوب ، لكنه مكتوب لا لأجل الحبیبة و التغزل بھا أو للحب والشوق إنما مجاراة للآخرين … ولعل الأنثى تقرأھا فتعجب بھا وبدأت الشاعرات یكتبن قصائد الحب والشوق أكثر من الشعراء . ونادراً ما تكتب قصیدة حب لأجل الحب ذاته . ولم تـظھر قصة حب جدیدة لدى أي من الشعراء في العصر الحدیث والمعاصر مثلما كانت لدى الشعراء العرب الأقدمين كجمیل بثینة أو مجنون لیلى أو العباس بن الأحنف أو أبي العتاهية أو ابن زیدون أو … أو ..”(الغزل في الشعر الحدیث والمعاصر \ بقلم فالح الحجیة – الصالون الثقافي لصدانا 21/11/2014). (يتبع..)

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى